صبري فوزي أبوحسين
الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 18:15
المحور:
حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
فما زالت الفنون العريقة -وفي مقدمتها فن المسرح أقدمها وأبوها ودليل رقينا- حاضرة في المشهد الأدبي المعاصر، على الرغم من تراجع الحالة الثقافية العربية كافة! إذ يحاول مبدعوه القلائل أداء دوره المنوط به والمتوقع منه منذ زمن سحيق، وهو الارتقاء بذائقة الشعوب، وإيقاظ وعيها، وتعليمها وتنويرها، وتنمية أحاسيسها، وتسجيل مبادئها، وتعرية مخازيها، وتصوير واقعها، في مجالات الحياة المختلفة، بطريقة حوارية جدالية، فيها العقل والعقل الآخر، والنموذج والنموذج الآخر، يجسد الصراع بين الحق والباطل، والخير والشر، والعدل والظلم، والحاكم والمحكوم، والفاضل والمفضول... إنه فن يحمل رسالة للجميع تتجاوز المتعة المؤقت، وليس قاصرًا على الإضحاك والترفيه فقط!
ومن مظاهر حضور هذا الفن العجيب ما سُمِّي في آننا بـ(المَسْرحة)، التي هي مصدر ميمي من الفعل(سرح)، ويقصد بها تلك التقنية الإبداعية التي ذاعت في الوسط المدرسي التعليمي على مستوى الوطن العربي، من خلال مسرحة المناهج، أو التعلم بالنموذج، أو التعلم بالأنشطة، أو الدراما عبر المنهج، حيث يتم تنظيم المنهج الدراسي وتنفيذه في قالب درامي بهدف إكساب التلاميذ المعارف والمهارات والمفاهيم والقيم والاتجاهات؛ مما يؤدي إلى صورة محببة مشوقة. إنها نموذج لتنظيم المحتوى الدراسي، وطريقة للتدريس تتضمن إعادة تنظيم الخبرة وإلباسها ثوبًا دراميًّا جديدًا؛ وذلك لخدمة، وتفسير، وتوضيح المادة التعليمية"[راجع مقال الباحثة: مها شرف, معلمة لغة عربية, وزارة التربية السورية، تاريخ النشر:26 /01/ 2016م، على الرابط: https://specialties.bayt.com/ar/specialties/q/.]. أما (مسرحة التراث) فيقصد به تحويل النص التراثي إلى نص حواري درامي صالح للتمثيل.
ومن المبرزين في هذا المجال الأستاذة الأديبة المخضرمة نوال مهنى، أديبتنا الخيرة البناءة المتكاملة، تلكم التي اجتمعت في سيرتها ومسيرتها عدة عوامل كونت شخصيتها الأدبية، حيث نجد كونها امرأة صعيدية من وسط الصعيد، ومن عروسه (المنيا)، ثم انتقالها إلى محافظة الجيزة وإقامتها فيها، وكونها جامعية التعلم، حاصلة على ليسانس الآداب في تخصص الفلسفة وعلم النفس، إضافة إلى دراسات خاصة في اللغة العربية والتاريخ الإسلامي. هذا إضافة إلى عملها معلمة بالمدارس الثانوية، ومشرفة على الصحافة المدرسية بوزارة التربية والتعليم، كما عملت معدة برامج من خارج الإذاعة والتليفزيون، فضلاً عن أنها مثقفة ميدانية، وقد عاشت –حفظها الله تعالى-عمرًا طويلاً، تجاوز السبعين عامًا، مع الإبداع والمبدعين والمبدعات، تحتك ليل نهار بالإبداع الأدبي المعاصر في أنديته وصالوناته المختلفة في مصرنا العامرة: اتحاد الكتاب، رابطة الأدب الإسلامي، نادي الأدب المركزي بمديرية الثقافة بمحافظة الجيزة، وعضو أمانة مؤتر الأقاليم، وعضو منتدى السرد العربي، وعضو جمعية الكاتبات المصريات، ومحاضر مركزي بالهيئة العامة لقصور الثقافة...إلخ. وهي في كل ناد وصالون قائدة ورائدة وفاعلة وحاضرة بقلمها ولسانها وشخصيتها...وكل هذا فتح موهبتها على أنواع من الإبداع، وتوجهات من المبدعين، ومحاورات ومدارسات للنقاد، فجعل لإبداعها تميزًا، وزخمًا، وتنوعًا، ومن ثم لقبت: شاعرة الصعيد، وشاعرة الوادي، والأديبة الشاملة، وفي نظري ألقبها المثقفة الميدانية. والخلاصة أن عملها معلمة، أولاً، ثم مشرفة على النشاط المسرحي والإذاعي بالتربية والتعليم، ثم كونها تنتمي إلى مدرسة الأدب الإسلامي، كل ذلك دفعها دفعًا إلى هذه التجربة الأدبية الأصيلة المعاصرة، التي جمعت بين جاذبية التراث وسحر المسرح معًا، مما جعلها ساردة حكاءة معلمة منورة في جملة من آثارها الطيبة، والمتمثلة في ستة أعمال سردية قصصية، هي:[الصومعة/شمس غاربة/بسمتيك الأول قاهر الآشوريين/إيزادورا هبة إيزيس/البحث عن أطلنطا/وعاد الحب]، ومسرحيات شعرية ثلاثة، هي: [الفارس والأميرة/الجميلة والعراف/على عتبات القدس]، ومجموعة مسرحيات نثرية قصيرة، وهي التي نقرؤها هنا: (لمحات من عبق التراث)، وأربع مجموعات قصصية للأطفال، هي: [أزهار اللوتس/رحلات ابن بطوطة/أصل الحكاية/مغامرات فستق وبندق].ومن أراد استزادة في ترجمة الكاتبة فليراجع ترجمة الكاتبة في معجم البابطين، ومعجم الأدباء الإسلاميين المعاصرين، ودليل أعضاء اتحاد الكتاب، وموسوعة الشعراء العرب، وسيرتها الملحقة بمسرحيتها الشعرية(على عتبات القدس ص76-78، طبع الهيئة العامة لقصور الثقافة سنة 2012م، وسيرتها الذاتية الملحقة بالمجموعة المسرحية(لمحات من عبق التراث) ص222-229، طبع دار طيوف سنة 2018م... وما زال نيل إبداعها يجري، وما زالت جعبتها ملأى بكل طريف، مثل تجربتها لعبة الحروف، أشعار تعليمية للطفل، التي هي قيد الطبع.. وظاهر من القراءة الرأسية لهذه الأعمال الإبداعية حضور الروح المصرية، وبروز الغاية التعليمية، وهيمنة النزعة التربوية الإرشادية، والميل نحو الأصالة العربية، والحرص على الثوابت والأصول في الإبداع الأدبي....
وقد أثبتت كاتبتنا نوال مهنى حضورها في هذه المسرحة التراثية والتاريخية في تجربة أولى لها بعنوان(لمحات من عبق التراث) سنة 2018م، وقد كتبت عنها مقالة نقدية بعنوان(مَسْرحةُ التراثِ في تجربة(لمحات من عبق التراث) للكاتبة نوال مهنى)، حيث درستها شكليًّا وموضوعيًّا، ونشرت في عدد من المواقع الإلكترونية، وقدمتها كمحاضرة في إحدى ندوات اتحاد كتاب مصر، ورابطة الأدب الإسلامي العالمية.
وها هي ذي مبدعتنا الأصيلة تضيف مجموعة جديدة في هذا الفن التعليمي الراقي، بعنوان(سير ومواقف: مسرحيات نثرية قصيرة).
وبالنظر في عتبة العنوان نجده يتكون من كلمتين معطوفتين، الأولى (سير)، جمع سيرة، و تعني الطريقة في الأمور، وقصة الحياة وتاريخها، وكتبُها تُسمّى: كتُب السِّيَر، يُقال: قرأت سيرة فلان: أي تاريخ حياته.
والثانية: (مواقف) جمع موقف، وهو ما يكون كَشْفًا عن نِيَّات ومَقاصِد، ما يظهَر من مَيْلٍ واسْتِعداد ويُعبَّر به عن شُعور حِيالَ شَخْصٍ أو شَيْء، آراء ومُيول تَحْمِل على تصرُّف.
وهذا العنوان مقصود من الكاتبة الساردة ودال على الثنائية التي تتكون منها كل تجربة مسرحية من التجارب التي تحتوي عليها هذه المجموعة، حيث إن كل تجربة تقدم (سيرة)، أي حكاية شخصية فذة من شخصيات تاريخنا التراثي والحديث، ويستنبط منها موقف أو أكثر من المواقف الدالة المعلمة، وهذا العنوان دال على ثقافة الكاتبة، وعلى هادفيتها ورسالتيتها.
وقد جاءت عتبة (الإهداء) معبرة عن هادفية ورسالية المبدعة، حيث جاء نصها:
الإهداء:
أيها القارئ الكريم
ما حياة الإنسان سوى سيرة وموقف، يسجلهما ويرحل تاركًا
لمن يخلفه نبراسًا يهتدى به وعظة وعبرة، أولئك هم الخالدون.
فما أجمل أن يكون لك سيرة عطرة، وموقف نبيل!
(تنقضي الآجال وتبقى السيّر والمواقف)
فالمؤلفة هنا واعظة معلمة مرشدة، تكثف الإنسان في هاتين اللفظتين العجيبتين: (السيرة/الموقف)، اللتين تكادان تكونان الكلمتين المفتاحيتين لهذه المجموعة المسرحية النابضة والناهضة!
وعندما ننظر في هذه المسرحيات نظرة أولى نجدها إحدى عشرة مسرحية، جاءت على النهج الآتي:
1- هاجر أم العرب
2- البطل محمد كريّم
3- الأميرة فاطمة
4- ترجمان القران
5- زرقاء اليمامة
6- الجبرتي و الوالي
7- سيدة الشواعر
8- رفاعة رائد التنوير
9- فارس الأزواء
10- مسيلمة الكذاب
11- التاجر والببغاء
وتنتمي هذه التجارب المسرحية من حيث مصدرها الإبداع إلى التاريخ العربي القديم جاهليًّا وإسلاميًّا، وذلك في ست مسرحيات، هي: (هاجر أم العرب، فارس الأزواء، سيدة الشواعر، مسيلمة الكذاب، ترجمان القرآن، زرقاء اليمامة)، ومن التاريخ المصري الحديث، نجد مسرحيات أربع، هي:(البطل محمد كريّم، والأميرة فاطمة، والجبرتي و الوالي، ورفاعة رائد التنوير)، وجاءت مسرحية(التاجر والببغاء) مجردة من الزمان والقيود، فكل شخوصها وأحداثها معممة!
وبالنظر في هذه المسرحيات نجد جملة من الدلالات والمرامي التي تتغياها أديبتنا نوال مهنى، وتتمثل في دلالة الدعوة إلى الوحدة بين مصر والعرب، من خلال توظيف قصة أمنا هاجر -عليه السلام-، أم سيدنا إسماعيل-عليه السلام- أبي العرب، وذلك في مسرحية(هاجر أم العرب).
ودلالة الإبداع الشعري والحضور النسوي الإيجابي في مسرحية عن الشاعرة الكبيرة الخنساء(سيدة الشواعر)، ومسرحية(زرقاء اليمامة)، ومسرحية (الأميرة فاطمة) ابنة محمد علي ودورها الفاعل في بناء جامعة القاهرة، ودلالة التنفير من الكذب والتخرص على الله تعالى، وخطورة الارتداد عن الدين، في مسرحية(مسيلمة الكذاب)، ودلالة عظمة العلم الرباني في مسرحية (ترجمان القرآن)، ودلالة البطولة والشجاعة وأثرها في الوحدة الوطنية في مسرحيتي(فارس الأزواء)، و(البطل محمد كريّم)، جاء على لسان فارس الأزواء سيف بن ذي يزن:" سيف ــ (يقف شامخًا) الآن تحقق النصر وحررنا الوطن. شكرًا لأصدقائنا وشكرًا لأهلنا وإخواننا العرب، لولا التعاون والوحدة ما تحقق النصر، هذا ما يجب أن يكون عليه العرب دائمًا".
ودلالة قيمة العلم والعلماء في مسرحيتي(الجبرتي و الوالي)، و(رفاعة رائد التنوير).جاء في ختام مسرحية رائد التنوير:” الجميع ــ (يهللون فرحا ويلتفون حول استاذهم رفاعة) بارك الله فيك يا أستاذنا لقد حققت لمصر ما كنت تتوق لتحقيقه وتركت لها من ومؤلفاتك الثمينة ما يبقي زادا للأجيال المقبلة من العلم والمعرفة، لقد عشت منكبا ومنهمكا في طلب العلم وتحصيله، كنت قليل النوم كثير الانهماك تؤثر العمل على الراحة، وكان حصاد جهدك طيبًا مثمرًا .
رفاعة ــ الحمد لله، أشعر الآن أنني أديت رسالتى، وأنتم من تحملون مشعل التنوير بعدي، أوصيكم بالعمل الذى يرضي الله وبالإخلاص في طلب العلم وحب الوطن" .
وتأتي مسرحية(التاجر والببغاء) للتعبير عن قيمة الحرية، جاء على لسان الببغاء:" الببغاء ـ ههههه ههههه كيف أعود إليكم وإلى السجن داخل القفص ؟ هذه رسالة أمي إنها تطلب مني أن أصنع مثلها حينما شهقت وسقطت متصنعة الموت أما وقد نجحت الخطة وتخلصت من الأسر سأطير إلى الهند وأعود إلى أمي وأخوتي وصديقاتي، سأعود إلى الحرية في الغابة إن فرع الشجرة مع الحرية أثمن من قفص الذهب مع الأسر . ليت البشر يدركون أن الطيور تعشق الحرية فلا يسجنونها داخل أقفاص، آآه ما أقسى سلطة القوي على الضعيف! (تفرد جناحيها في خيلاء وتطير عائدة إلى موطنها)!
وفي مسرحيتها عن (الجبرتي والوالي) نجد هذا الحوار المثالي بين الحاكم والعالم:
الجبرتي ــ (يدخل): السلام على والي مصر .
الوالي ــ وعليكم السلام والرحمة (ينظر إليه مليًّا) قل لي يا عبد الرحمن ماذا دعاك لانتقادنا والهجوم علينا ألم ترمنا شيئًاً حسنًا ؟
الجبرتي ــ سيدي لقد أشرت إلى إنجازاتكم وهي كثيرة، مثل إرسال البعثات لطلب العلم وتشجيع المبدعين في مجال الصناعة والزراعة، وهذه تعد من الأعمال الحسنة وكذلك اهتمام جنابكم بالعمران، لو اقترن كل ذلك بشيء من العدالة لكان من أفضل أعمال الحكام وأكثرها ثوابًا .
الوالي ــ (في غضب وحدة) تتحدث دائمًا عن العدالة، تعني أنني غير عادل، ما هذا يا جبرتي أنت تتهمني بالظلم، فما دليلك ؟
الجبرتي ــ يا جناب الوالي، إن جنودك يخطفون كل ما لدى الفلاحين من السمن والجبن والبيض والخبز، وينهبون ما في بيوتهم ويستولون على الماشية وكل ما يجدون .
الوالي ــ كنا مضطرين إلى ذلك لتمويل الحملة على الحجاز، وعلى الشعب أن يساعد الدولة ويتحمل معها هذه الأعباء .
الجبرتي ــ ولكن إثقال كاهل الفلاحين بالضرائب فوق طاقتهم حتى قل الغذاء وضج الناس بالشكوى بعد أن قلت أرزاقهم .
الوالي ــ أنت تؤلب الرعية علينا وتدعوهم للتمرد، أنسيت إحساناتنا لهذا الشعب ؟
الجبرتي ــ يا حضرة الوالي المؤرخ لكي يكون أمينا لابد أن يكون صادقًا منصفًا لا يبعد عن الحقيقة لمحاباة أحد .
الوالي ــ لا تزال مصرًّا على انتقادنا واتهامنا بالجور والظلم .
الجبرتي ــ بل لا زلت أرى فيكم الكثير من الصفات الحسنة .
الوالي ــ (ينظر إليه في تعجب) مثل ماذا ؟
الجبرتي ــ مثل الحزم والعزم والشجاعة والشهامة وحسن التدبير، حبذا لو اقترنت هذه الصفات بالعدل والرحمة بالرعية لكنتم من أفضل الحكام .
الوالي ــ الآن تقول : ذلك في مواجهتي، ثم لا تكف عن انتقادي أمام الرعية، انصرف الآن فلي معك شأن آخر (يخرج الجبرتي) ...
ولعل في هذه النقول المجتزأة من المسرحيات تجذبنا جذبًا إلى مطالعتها مطالعة معمقة، وإلى محاولة عرضها تمثيليًّا، وقرائيًّا، ورقميًّا، أمام الأجيال الصغيرة والشابة، بغية إيصال هذه الرسائل الأصيلة النبيلة إلى قلوبهم وعقولهم، فيصيرون نماذج مقدامة طموحة فذة، خادمة لنفسها وأهلها ووطنها وأمتها! . وإنني لأرى أن بعض التجارب في هذه المجموعة صالحة لأن تكون نصوصًا قرائية في كتب القراءة والمطالعة في مقرر اللغة العربية في صفوف المرحلة الإعدادية، لا سيما مسرحية(رفاعة رائد التنوير)، ومسرحية (البطل محمد كريم) . وفق الله كاتبتنا المخضرمة، وبارك قلمها حيث كتبت، وكيف كتبت، كل وقت وحين، وفي كل مجال ومدار، وبكل فن وأسلوب، هادف وبناء، وجاذب، ومثير!
#صبري_فوزي_أبوحسين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟