أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - التفكيك الأنثروبولوجي لزبائنية الجنوب وتخندقات الإمبريالية في معسكرات الرداءة.















المزيد.....

التفكيك الأنثروبولوجي لزبائنية الجنوب وتخندقات الإمبريالية في معسكرات الرداءة.


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 22:15
المحور: المجتمع المدني
    


تتجاوز النيوليبرالية المعاصرة حدود كونها مجرد نظام لإدارة العلاقات النقدية، أو سياسات مالية قائمة على الخصخصة والتحرير الاقتصادي؛ إنها تتجلى كبرنامج كلي لإعادة الهندسة الثقافية والاجتماعية والوجودية، يهدف بالدرجة الأولى إلى صياغة مجتمعات تسودها قيم السوق بالكامل. وفي هذا الإطار الفلسفي المتوحش، يجري السعي بلا كلل لتسليع كل مجال من مجالات الوجود الإنساني، بدءاً من المادة الصامتة وانتهاءً بترميز الحمض النووي وانتباه البشر. إن النيوليبرالية لا تعمل اليوم عبر "اليد الخفية" الكلاسيكية التي بشر بها آدم سميث، بل من خلال عنف بنيوي ورمزي يعيد إنتاج علاقات الهيمنة عبر احتكارات تكنولوجية ومعرفية معقدة الفك والتركيب.

تفكيك بنى الكليبتوقراطية والزبائنية
تنشأ "الدولة الهلامية" عادة على أنقاض الدولة الاستبدادية التقليدية، حيث لا شيء صلباً في بنيتها المؤسساتية والتنظيمية، بل تسود حالة من السيولة والاختلاط التام بين مفاصل الحكم والشبكات غير الشرعية. في هذا النموذج، تضيع هيبة السلطة، وتتلاشى الخطوط الواضحة التي تفصل بين القضاة والمتهمين، أو بين العسكر واللصوص. وفي هذه الكيانات السائلة، لا تعمل شبكات المصالح العميقة بشكل متجانس وسري في الظل كما يُشاع، بل إن المجاميع الناشطة في الفساد تمارس أنشطتها الاستخراجية علانية على سطح الدولة التي تتشكل وتتراجع في آن واحد.
يقدم الباحث أليكس دي وال إطاراً نظرياً مفسراً لهذه الديناميكية تحت عنوان "السوق السياسي"، حيث تسيطر السياسة المعاملاتية النقدية على السياسة المؤسساتية الرصينة. وفي هذا السوق، يجري تداول عناصر القوة، والمناصب العامة، والولاءات السياسية كسلع تجارية تخضع لقوانين العرض والطلب، وبأسعار يحددها حجم التدفقات المالية والقدرة على استخدام العنف أو التهديد به. إن الصراع المسلح العنيف في هذه الدول لا ينفصل أبداً عن الرغبة في تعظيم "الميزانية السياسية" المتاحة للسياسيين والجنرالات لاستئجار ولاءات المقاتلين وشراء ذمم الزعامات المحلية والقبلية، مما يحول البلد بأسره إلى ساحة مفتوحة لـ "مزاد الولاءات".
ترتبط هذه الهشاشة المؤسساتية ارتباطاً وثيقاً بظاهرة "لعنة الموارد"؛ حيث لاحظ الاقتصادي ريتشارد أوتي عام 1993 أن الدول الغنية بالنفط والغاز والمعادن غالباً ما تحقق نتائج اقتصادية وتنموية أسوأ بكثير من نظيراتها الفقيرة بالموارد. وأضاف بول كولير بعداً آخر للمسألة مبيناً أن وفرة الموارد في الدول الهشة تزيد من احتمالات اندلاع الحروب الأهلية لكونها تتحول إلى غنيمة كبرى تتنازعها المليشيات والنخب الحاكمة. بينما ركز جيفري ساكس على دور المؤسسات، مؤكداً أن الموارد لا تصبح لعنة إلا عندما تُدار في ظل نظم سياسية ضعيفة أو كليبتوقراطية.

الأنثروبولوجيا الاقتصادية والتحول الأخلاقي:
يسهم حقل الأنثروبولوجيا الاقتصادية في تقديم تحليل ثقافي وعلاقاتي لظاهرة الفساد، يتجاوز النظرات الغربية والأخلاقوية السائدة التي تتسم بالسطحية. وينتقد الأنثروبولوجيون بشدة أطروحة الخبير الاقتصادي باولو مورو عام 1995 التي تربط انخفاض الاستثمار والتنمية بالفساد الأخلاقي بطريقة استعلائية، تختصر المشهد المعقد في مقولة إن "الدول النامية فقيرة لأنها غير شريفة". بدلاً من ذلك، تدرس الأنثروبولوجيا الفساد والمحسوبية والرشاوى الصغيرة كظواهر تبادل اجتماعي قسري يعيد إنتاج شبكات التضامن الفرعية، ويمنح الأفراد والجماعات المهمشة القدرة على الفعل والمقاومة اليومية لتسلط البنى الاقتصادية الرسمية الجائرة.
غير أن توغل النيوليبرالية المتوحشة وسياسات الخصخصة الشاملة أدى في نهاية المطاف إلى ما يمكن تسميته بـ "نيوليبرالية الفساد والاحتيال الهيكلي". إن تعميم منطق السوق الرأسمالي قد أدى إلى تدمير "الاقتصاد الأخلاقي" الذي صاغه المؤرخون وعلماء الاجتماع من أمثال إي بي تومسون، وكارل بولاني، وجيمس سكوت؛ وهو الاقتصاد الذي كان يحمي المجتمعات عبر شبكات قائمة على التبادل غير السلعي، والالتزامات التبادلية، والواجبات المدنية الأخلاقية المشتركة. ومع انسحاب الدولة وتحول لغة المال إلى المعيار الوحيد لتقييم الوجود البشري، جرى استبدال هذه المنظومات بـ "نيوليبرالية الاحتيال"، حيث لا يعود الفساد نتاج "تفاحات تالفة" أو انحرافات فردية معزولة، بل يصبح ممارسة هيكلية اعتيادية تُفرزها وتشرعنها قيم السوق نفسها.
تتبدى مظاهر هذا الانهيار الأخلاقي على المدى البعيد في عدة مستويات حيوية وخطيرة:

تطبيع ثقافة الاحتيال والجشع، حيث تتداخل الممارسات التجارية المشوهة والفساد مع السعي الفردي المحموم للبقاء، وتتحول قيم الأنانية والمادية المفرطة إلى معايير وحيدة للنجاح والتكيف الاجتماعي.
شرعنة الفساد عبر النخب المهنية المتواطئة، يوضح جون كريستنسن في دراسته الشهيرة كيف يستخدم المحامون، ومحاسبو الضرائب، وخبراء المال والشركات الاستشارية الكبرى معرفتهم القانونية والمالية لشرعنة التهرب الضريبي العابر للحدود ونهب المال العام. وتتحول بناءً على ذلك الملاذات الضريبية والشركات الخارجية إلى خلايا نحل للاحتيال العالمي المنظم، الذي يتجاهله الأكاديميون في كليات الأعمال التقليدية لكونهم جزءاً عضويّاً من هذه المنظومة.
انفجار حالة "المجتمع ضد الدولة"، مع تعمق الاختلالات البنيوية وتآكل السيادة الوطنية الفعلية، تصعد حدة العنف الذي تمارسه سلطات هذه الدول على مجتمعاتها لضبطها قسراً، مما يفضي إلى تآكل السلم الاجتماعي وانهيار المجتمعات وتفتتها إلى هويات ما قبل الدولة كالعشيرة والقبيلة والمذهب. وقد أدى هذا الفساد الكليبتوقراطي والزبائني العنيف إلى إشعال فتيل انتفاضات واحتجاجات شعبية عارمة وحروب أهلية طاحنة في العديد من دول الجنوب.

الآفاق الاستراتيجية لدول الجنوب
يكشف التحليل الفلسفي والأنثروبولوجي العميق لاقتصاد الربح المتوحش النيوليبرالي أن دعم أنظمة الفساد في الدول الهلامية ليس مجرد عَرَض جانبي أو سياسة فاشلة للغرب الإمبريالي، بل هو ركيزة هيكلية واعية وأداة أساسية لاستخلاص الريع الإمبريالي، وتأمين تدفق القيمة الفائضة من الأطراف نحو المركز. إن تآكل المنظومات الأخلاقوية المحلية وسقوط المجتمعات في مستنقع "نيوليبرالية الاحتيال" وتفشي الرداءة الفكرية والسياسية يمثلان اليوم الضمانة الثقافية والاجتماعية الأقوى لاستمرار علاقة التبعية وتطبيع الهيمنة.
للخروج من هذه الدائرة المفرغة التي تكرس التخلف، تشير المعطيات الفلسفية والاقتصادية إلى ضرورة تبني أطر نضالية وبدائل راديكالية تتجاوز الحلول السطحية التجميلية التي يقدمها خبراء تكنوقراط التفاهة المعاصرة. إن أولى خطوات الانعتاق تتمثل في السعي الجماعي لإحداث عملية "فك ارتباط" حقيقية، تهدف إلى إخضاع العلاقات الاقتصادية والتبادل الخارجي لمتطلبات التنمية الذاتية، وتطهير الفضاء المعرفي والأكاديمي من سطوة الاستلاب الرقمي والكهنوت التقني الجديد. ويتطلب ذلك بالضرورة استعادة التضامن الأخلاقي العضوي للمجتمعات، وبناء "المؤسسات الشاملة" التي تحمي حقوق المواطنين وتوزع القوة السياسية والاقتصادية بشكل عادل ومتساوٍ، تمهيداً لبناء نظام عالمي بديل يستند إلى العدالة الإنسانية الحقيقية والتنمية المستقلة لشعوب الجنوب.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سردية الفراغ المشروخ في الواح الرطوبة والصدى -قصة ميتاسريالي ...
- رحلة اللغة والسلطة: مقاربة فلسفية في حفريات الخطاب وعنف التف ...
- وهم النباهة: الاستحواذ المالي كقناع نرجسي للفقراء ثقافيا واج ...
- النكوص البنيوي والمحاكاة الشكلية: تشريح آليات الزيف المؤسسي ...
- الكذب في الفلسفة السياسية المعاصرة: بنية الاستثناء وتعرية ال ...
- توأم التزييف والتواطؤ السري بين التميمة والبندقية: مقاربة تف ...
- سيميائية الفناء الصامت: تفكيك فلسفي لتمدد -البريكاريا- وسلطة ...
- طوطم العصر: بين تقديس البنية واغتراب الإنسان
- الاستعارة التهكمية للأمكنة والمواقيت في توثيق الانكسارات وال ...
- تفكيك التوارث الاستحواذي: في نقد التبعية المعرفية وتفتيت الز ...
- تقويض الصمت والتدجين: قراءة تفكيكية في سلطة النص، وإبادة الإ ...
- تشريح الزيف: جينالوجيا الكذب وهندسة العدمية المعاصرة
- سطوة الأسطورة وبؤس العقل في الفضاءات المغلقة أثر المعرفة في ...
- لوحة على قماش الترميم: ناصر يخطُّ وجه العدم-قصة ميتاسريالية
- بنية التواطؤ: التشريح الفلسفي لاستعصاء الدولة المدنية في الش ...
- يُوتُوبْيَا القَرَاصِنَةِ وَسَرَابُ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ الِ ...
- مَسالخُ الجُغرافيا وسَحقُ الهَوامِش: قِراءةٌ تَفْكِيكِيَّة س ...
- الإنسان لا يتكلم، السلطة تتكلم: مقاربة فلسفية تفكيكية في إدا ...
- مِشرحة الملح: الوعي يتقيأ جثته الأخيرة قصة ميتاسريالية
- الفلسفة الأخلاقية بين الإخلاص والأصالة: تفكيك التجربة السياس ...


المزيد.....




- السلطات السورية تعلن تفكيك خلايا لتنظيم الدولة واعتقال قيادي ...
- سوريا.. حملة أمنية في حي عش الورور بدمشق واعتقال العشرات من ...
- العفو الدولية تدعو للتحقيق بضربات إسرائيلية في لبنان كجرائم ...
- هل تصمد وحدة المواقف السياسية مع اتساع حملة مكافحة الفساد؟
- المحكمة الجنائية الدولية تُبلغ بي بي سي بإحراز تقدم في التحق ...
- الأمم المتحدة.. عودة غير مسبوقة للاجئين إلى أفغانستان وسط فق ...
- الاحتلال يطلق النار بشكل كثيف تجاه خيام النازحين بمواصي رفح ...
- مفوض حقوق الإنسان في خيرسون: استهداف مستشفى إيفانوفكا جريمة ...
- تقرير لهيومن رايتس ووتش.. -اللاجئون السودانيون في مصر يتعرضو ...
- الداخلية السورية: تفكيك خلايا تابعة لتنظيم داعش واعتقال قياد ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - التفكيك الأنثروبولوجي لزبائنية الجنوب وتخندقات الإمبريالية في معسكرات الرداءة.