غالب المسعودي
(Galb Masudi)
الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 20:11
المحور:
المجتمع المدني
البنية المعرفية للأسطورة وتوظيفها السلطوي
يرتكز الفهم الفلسفي المعاصر للخطاب الأسطوري على كونه ليس مجرد حكايات خرافية غابرة تنتمي إلى طفولة البشرية الأولى، بل هو بنية معرفية ممتدة وعابرة للتاريخ تُستخدم بوعي لإنتاج المعنى وتثبيت دعائم السلطة عبر أطر لغوية مدروسة بعناية. في هذا السياق، ينطلق المشروع النقدي للمفكر رولان بارت من فكرة ثورية تؤكد أن اللغة ليست مجرد أداة محايدة للتواصل البشري، بل هي نظام فكري عقائدي متكامل يتجلى بوضوح في أطروحاته التأسيسية حول صياغة الكتابة والأنظمة العلاماتية المعاصرة.
تتبدى الأسطورة في هذا الطرح بوصفها نظاماً علاماتياً يعمد بالدرجة الأولى إلى تفريغ الواقع التاريخي من محتواه الحركي السائل، وتحويله إلى "طبيعة بديهية" أزلية ساكنة لا تقبل النقاش أو المساءلة. إن الأسطورة تأخذ الوقائع التاريخية والتحولات السياسية وتحيلها إلى ما يشبه القوانين الطبيعية الفيزيائية؛ فهي تجعل الهيمنة الطبقية أو التوسعية تبدو كأنها أمر حتمي وطبيعي تماماً كما تشرق الشمس وتغرب، مما يحرم المتلقي القدرة على رصد الصيرورة التاريخية والاجتماعية التي أنتجت هذا الواقع وأسست لتلك الامتيازات.
المأزق الاصطلاحي والصراع الدلالي في الفضاء العربي
يتأصل هذا التزييف اللغوي الممنهج في صميم الصراع الدلالي حول تسمية المفاهيم وتحديد غاياتها؛ إذ يكشف تفكيك مصطلح "ما بعد الاستعمار" عن قطيعة معرفية متوهمة تصوّر وجود حد فاصل بين مرحلة ما قبل الاحتلال وما بعدها، متغافلة عن امتداد آليات الهيمنة بوسائل ناعمة. وفي الفضاء التداولي العربي، يثور جدل لغوي وعميق حول ترجمة اللفظ الأجنبي للاستعمار؛ إذ تحمل اللفظة العربية في جذرها دلالة إيجابية مستمدة من التعمير والبناء والاستخلاف، بينما ينطوي الواقع الفعلي والممارس على الأرض على الإذلال والنهب المنظم واقتلاع الهويات. هذا التناقض الصارخ دفع كوكبة من المفكرين التفكيكيين إلى اقتراح بدائل مفاهيمية تكشف عن جوهر الفعل مثل "الاستخراب" أو "الاستكبار" للتعبير الدقيق عن حقيقة التدمير البنيوي.
يتوازى هذا التزييف مع مصطلح "التغريب" الذي يحمل في جذوره اللغوية الأصلية معاني التنحية، والإقصاء، والنفي عن الوطن والبيئة، لكنه شهد تطوراً بنيوياً هائلاً في العصر الحديث ليعبر عن استلاب الهوية وإقصاء الذات الحضارية والثقافية لصالح قيم المركز المهيمن وفرض نمطه المعرفي كنموذج وحيد للتقدم الإنساني.
العقل الأداتي: من ملحمة أوديسيوس إلى الهيمنة المعاصرة
إن الارتداد التنويري نحو الأسطورة يمثل في جوهره إعادة إنتاج مستمرة لعلاقة الصراع العنيف والهيمنة على الطبيعة والإنسان على حد سواء. هذا التحول العميق يفسره الفيلسوفان ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر عبر قراءة فلسفية تفكيكية لأسطورة أوديسيوس في الملحمة اليونانية القديمة؛ حيث يقيد أوديسيوس نفسه بإحكام إلى صاري السفينة ليسمع غناء الحوريات الساحر دون أن يندفع نحوهن ويهلك، مستعبداً في الوقت ذاته بحارته عبر سد آذانهم بالشمع ليتفرغوا للتجديف دون وعي بما يدور حولهم. تعبر هذه الصورة الأسطورية الرمزية بدقة عن نشأة "العقل الأداتي" بوصفه أداة للسيطرة الذاتية الصارمة وقمع الغرائز بهدف إحكام الهيمنة على الطبيعة والسيطرة على الآخر وإخضاعه.
يجدر بنا هنا التمييز بين مفهومين محوريين:
مفهوم "المحاكاة" التي تحفظ التوازن والانسجام الفطري بين الذات والموضوع، ومفهوم "الإسقاط" الذي يمثل حالة من العوارض الارتيابية التسلطية التي تحول البيئة المحيطة وكل ما هو خارجي إلى مجرد امتداد تابع للذات المستبدة، مما يلغي خصوصية الآخر ويسلبه وجوده المستقل.
هندسة التضليل والتعمية: البلاغة كبديل للقوة المادية
ينشأ التوازي الجوهري والعميق بين الخطاب الأسطوري التاريخي والخطاب التوسعي الهيمني المعاصر من هذه النقطة بالذات؛ حيث يتحول الخطاب السياسي إلى عقيدة تبريرية مطلقة للسلطة عندما تفصل الجماعة التاريخية فصلاً حاداً بين الحاكم والمحكوم. وكما يوضح ماكس فيبر عبر التحليلات الهرمنيوطيقية للفيلسوف بول ريكور، فإن هذه المرحلة من الانفصال تتطلب بالضرورة صياغة خطاب بلاغي إقناعي مكثف وشديد التأثير ليكون بديلاً مستداماً عن الاستخدام العاري والمستمر للقوة المادية والبطش العسكري.
تاريخياً، وظف الخطاب الأسطوري الرموز الميتافيزيقية السامية والتعبيرات الفقهية الموجهة لشرعنة الاستبداد وإضفاء هالة من القداسة على الحاكم الفرد. وفي العصر الراهن، يعيد الخطاب الهيمني المعاصر علمنة هذه الأسطورة وصياغتها في قوالب حداثية؛ إذ حل مفهوم "النظام العالمي الجديد" أو "قيم المركزية الغربية" محل المشيئة الإلهية المطلقة، لتبرير غزو الشعوب وتدمير بنيتها الاجتماعية ونهب مقدراتها الاقتصادية باسم نشر قيم الديمقراطية، والعولمة، وحماية حقوق الإنسان.
إن فعل الخداع في كلا الخطابين يقوم على بنية منطقية مغالطة وممنهجة بعناية فائقة لتوجيه الوعي الجمعي وإفراغ التفكير النقدي من مضمونه التساؤلي؛ إذ لا يُعنى هذا الجدل السياسي بإثبات الحقائق الموضوعية، بل بحسم الصراع لصالحه من خلال إثارة العواطف ومخاطبة مخاوف الذات المقهورة وتوجيه قلقها.
العقيدة، السرد، وصناعة الجهل البنيوي
لا تكتمل دائرة الخداع والتعمية بالاعتماد على المغالطات المنطقية الفردية أو العابرة، بل تتطلب بالضرورة بناء نسق سردي متكامل وممتد يتداخل فيه النص بالتوجه الفكري لإنتاج الجهل وإعادة توليده دورياً. يفكك النقد البنيوي الآلية السردية للخطابات المهيمنة مبنياً الدور المحوري لـ "ضمير الغائب" في الرواية وكتابة التاريخ؛ إذ يرى بارت أن استخدام ضمير الغائب يمنح السرد موضوعية مصطنعة ومحايدة توفر للقارئ طمأنينة التخييل القابل للتصديق على الرغم من زيفه البنيوي الكامن. ينتصر ضمير الغائب على ضمير المتكلم في أدبيات الطبقات المهيمنة لأنه يعرض الجوهر والمواقف كمعطيات نهائية وأزلية معزولة تماماً عن الذات الكاتبة وصراعاتها المصلحية الواقعية، مما يمنح الأسطورة حصانة شكلية تبعدها عن مشرط التشكيك والنقد.
في المقابل، يسعى الخطاب السياسي الاستبدادي في المنطقة إلى فرض صوته الأوحد من خلال لغة غامضة وتعاليم حاسمة تؤكد باستمرار على علاقات الفوقية والتبعية؛ حيث يتحول الخطاب من كونه حواراً مجتمعياً متبادلاً إلى إملاء عمودي يفرض السمع والطاعة المطلقة، معززاً أطروحات "مكرمات الراعي على الرعية" كبديل مشوه عن الحقوق الدستورية والمدنية الأصيلة للأفراد.
آليات الدفاع النفسي والدورات المفرغة لإعادة إنتاج الخضوع
يستمر نظام الخداع النفسي الإدماني بالعمل بكفاءة عبر آليات سلوكية دفاعية تلجأ إليها الشعوب الواقعة تحت القهر للتخفيف من وطأة عجزها التاريخي الممتد، وهي دفاعات تنقلب في نهاية المطاف لتسهم في إغلاق الدائرة المفرغة وإعادة إنتاج شروط التخلف والخضوع التام. وتتخذ هذه الآليات الدفاعية النفسية والاجتماعية صوراً بنيوية محددة يمكن تفصيلها في المحاور التالية:
الانكفاء على الماضي والجمود:
عندما يستعصي الواقع الراهن والمعقد على التغيير، وتنسد آفاق الفعل الحضاري والإنتاجي أمام الإنسان المقهور، فإنه ينكفئ تلقائياً على ذاته مستمسكاً بالتقليد الحرفي والعودة المتخيلة إلى الماضي المجيد كدرع واقٍ ضد قلق التلاشي والضياع الهوياتي. يغدو هذا الماضي ملاذاً وهمياً يُعوض فيه الفرد في مخيلته عن مهانته الحاضرة وتبعيته الحالية. ورغم أن هذا التمسك يكتسب في بدايته دلالة حمائية للدفاع عن الذات، إلا أنه يتحول بفعل المبالغة والتقديس إلى جمود معرفي صارم يرفض النقد الذاتي، مما يبقي المجتمع عاجزاً عن امتلاك أدوات العصر المعرفية والتقنية، وبالتالي تكرس السلفية الفكرية التبعية المطلقة للمركز الاستعماري المتفوق أداتياً وعلمياً.
الذوبان في العلاقات الدمجية والتعصب الأعمى:
يفر الإنسان المقهور من مسؤولية وعيه الحاد بفقدان كرامته الفردية وحريته الشخصية عبر الذوبان الكامل وغير المشروط في الجماعة والعلاقات الدمجية الأولية كالعشيرة، أو القبيلة، أو الطائفة المذهبية. تسهم هذه الكيانات الفرعية في تفتيت الهوية الوطنية الجامعة وتآكل المفهوم الحديث للدولة؛ حيث تكتسب العصبية الضيقة دلالة المثل الأعلى والخير المطلق في نظر أعضائها، بينما يُسقط على كل ما هو خارجها دلالات شريرة ومشاعر العداء المستحكم والخشية الدائمة. يتحول الخارج هنا إلى "أسطورة الشر والسوء المطلق" التي تجب محاربتها لحماية النقاء المتوهم للداخل، مما يؤدي إلى هدر طاقات الداخل والخارج معاً في صراعات عبثية، ويسهل على القوى التوسعية اختراق هذه الكيانات المفتتة وإدارتها والتحكم في مصيرها بيسر تام.
الهروب السحري والارتباط بخرافة الخلاص الميتافيزيقي:
أمام العجز المادي والعملي عن مواجهة أدوات القهر المنظم، يتخلى العقل المقهور عن سببيته المنطقية الصارمة وينزلق نحو التفكير الانفعالي الغيبي والسحري. يتجلى ذلك بوضوح في اللجوء العارم لـ "أسطورة قضاء الحاجات" والتعلق المفرط بالتمائم، والخوارق لكف الحسد، أو جمع الحبيبين، أو تحقيق النصر المؤزر على الخصوم دون أي مجهود مادي أو علمي مبذول على أرض الواقع. يتولى هؤلاء الأولياء أو المخلصون الغيبيون في المخيلة الشعبية حل المشكلات العميقة التي تعجز الجماهير عن تحقيقها بجهدها الفعلي، أو ما قصر الطاغية المستبد في تلبيته من احتياجات أساسية. تلبي هذه الأوهام حاجة نفسية طارئة لتخفيف القلق الوجودي، لكنها تفصل الجماهير تماماً عن الفعل السياسي والتاريخي الحقيقي، وتجعلها مستسلمة لقدرها وقابلة لمزيد من التلاعب المنظم من قبل أجهزة السلطة وهيمنة الآخر.
مقاربة تفكيكية لتجاوز بنية الاستلاب والاعتراف
يكشف التفكيك الفلسفي المقارن أن التوازي المطرد بين الخطاب الأسطوري التاريخي والخطاب الاستعماري المعاصر ليس توافقاً عارضاً أو وليد الصدفة، بل هو ترابط بنيوي وثيق وممتد في أدوات الهيمنة المعرفية والنفسية والاجتماعية. فالخداع المشترك ينجح باستمرار من خلال استغلال الهشاشة السيكولوجية للمتلقي وتحويل استلابه الحضاري إلى حالة إدمانية حادة يدافع الضحية عنها بنفسه ويبرر وجودها.
إن تأسيس "مقاومة معرفية" حقيقية لمواجهة صناعة الجهل يتطلب التحرر الفعلي والعملي من أجهزة صناعة الجهل البنيوي الكولونيالية والمحلية على حد سواء، وذلك من خلال الانتقال الحاسم من مناهج التلقين واستبطان التقاليد والمقولات الجاهزة التي لا تحتمل النقاش، إلى ترسيخ مناهج التفكير النقدي، والتحليلي، والاستقصائي التفكيكي التي تكشف الافتراضات المضمرة والخفية للخطابات المهيمنة وتكسب الأجيال الجديدة مناعة فكرية صلبة ضد مغالطات التضليل وآليات التعمية البلاغية.
تقتضي هذه المهمة المصيرية كشف زيف الخطاب الحداثي الشكلي والتمويلي، ومواجهة خطابات الاستبداد التقليدية في آن واحد. يبدأ هذا التحرر المعرفي بإعادة تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية العارية، وتعرية الطمأنينة المزيفة التي يضفيها ضمير الغائب السردي، لتعود الذات المقهورة ناطقة بضمير المتكلم الفاعل، المسؤول تاريخياً وحضارياً عن صياغة مصيرها واستعادة حريتها المسلوبة.
#غالب_المسعودي (هاشتاغ)
Galb__Masudi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟