أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - غالب المسعودي - التأصيل الأنطولوجي لمفهوم الوجود: بين الاكتمال الفلسفي والنقص الحضاري















المزيد.....

التأصيل الأنطولوجي لمفهوم الوجود: بين الاكتمال الفلسفي والنقص الحضاري


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 12:08
المحور: قضايا ثقافية
    


تبدأ المقاربة الفلسفية لمسألة التخلف من البحث في جذور "الوجود" كفعل كينونة وحضور فاعل في العالم، حيث تمثل الأنطولوجيا، بوصفها علم الوجود بما هو موجود، المبحث الأساسي الذي يحدد طبيعة الظهور الإنساني في التاريخ. إن الوجود في الفكر الميتافيزيقي الكلاسيكي ليس مجرد حالة استاتيكية، بل هو "فعل الظهور وخروج الذات إلى العالم"، وهو ما يعني أن الكينونة الحضارية هي بالضرورة كينونة "فعلية" تتجلى من خلال الإدراك الحسي والاستدلال العقلي. وعندما يتم فحص إشكالية التخلف من هذه الزاوية، يبرز التمييز الجوهري بين "الوجود الكامل" و"الوجود الناقص"، وهو تمييز يعود في أصوله إلى الفلسفة اليونانية، وتحديداً عند بارمينيدس الذي تصور الوجود ككتلة تامة الثبات والاكتمال، متساوية الأقطار ككرة مستديرة، تقصي كل نفي أو عدم أو تغير.
في هذا السياق، يمكن تعريف الوجود الكامل حضارياً بأنه الحالة التي تحقق فيها الذات الجمعية استقلاليتها المعرفية وقدرتها على الفعل الخلاق، بينما يمثل الوجود الناقص حالة "الوجود بالغير" أو "الوجود العرضي"، حيث تعيش المجتمعات المتخلفة وجوداً "رابطاً" يعتمد في ماهيته على مخرجات الحضارات الأخرى، مما يجعلها في حالة انطولوجية منقوصة تفتقر إلى جوهر الكائن الفاعل. إن الوجود الحقيقي، كما يطرحه المذهب الأنطولوجي، هو الذي يكون فيه "الفكر تابعاً للوجود"، أي أن الواقع يفرض ضروراته العقلية على الذهن، بينما في ثقافة التخلف، ينقلب هذا الترتيب ليصبح "الوجود تابعاً للمتخيل" أو للماضي، مما يولد انفصالاً عن الحقيقة الواقعية الدائمة.
إن هذا النقص الأنطولوجي يتجلى بوضوح عندما نعاين كيف أن الوجود المطلق يتصف بالضرورة، بينما الوجود المختلط أو الناقص هو الذي يعتريه التغير السلبي أو الانحدار. فالتخلف، في جوهره، هو "حالة من الوجود تتناقض مع درجة العقلانية التي حققها المجتمع الإنساني". هذا التناقض يعني أن المجتمع المتخلف يعيش في زمن "فيزيائي" معاصر، لكنه ينتمي أنطولوجياً إلى زمن "معرفي" بائد، وهو ما يخلق فجوة في كينونته تجعله غير قادر على مواكبة الحضارة الإنسانية التي وصلت إلى مستويات من العقلنة ترفض الخرافة والجمود.

دفاعات "النموذج الذهني" وصدمة الحداثة
ينطلق التحليل الأنثروبولوجي للعقلية المتخلفة من مفهوم "النموذج الذهني"، وهو نظام معقد من الصور الذهنية والمشاعر والقيم التي يحملها الفرد في رأسه للتكيف مع عناصر الوجود. في المجتمعات التقليدية، يعمل هذا المخزون كآلية دفاعية صلبة ضد التغير السريع؛ إذ إن "أمواجاً من الصور الجديدة" التي تأتي بها الحداثة تهاجم الدفاعات النفسية للفرد، مما يدفعه إلى الانغلاق على نموذجه القديم لتجنب "صدمة المستقبل". هذا الانغلاق يفسر لماذا تظل ثقافة التخلف باقية، حتى لو تغيرت نظم الحكم، لأن البنية الأساسية للعلاقات الذهنية تظل محكومة بـ "ثقافة عينها في قفاها".
يبرز هنا التمييز الذي وضعه ليفي برول بين "العقلية المنطقية" و"العقلية ما قبل المنطقية"، حيث إن الإنسان في حالة التخلف لا يدرك العلاقات بين الأشياء بناءً على السببية المادية، بل يستند إلى "تصورات جمعية" موروثة تفرض عليه رؤية خاصة للكون. هذه العقلية ترى العالم كساحة للقوى الخارقة والكرامات، مما يؤدي إلى ما يصفه محمد عابد الجبري بـ "العقل المستقيل". إن استقالة العقل تعني التخلي عن البحث في "الأسباب الطبيعية وغير الشخصية" للأحداث، والعودة إلى التفسيرات الميثولوجية التي سادت قبل الثورة العقلانية اليونانية.
تتغذى ثقافة التخلف على ثنائية "السكون والحركة"؛ فهي تقترن بالمجتمعات الساكنة التي تعادي التغير وترتاب من الاختلاف والحوار. في هذه المجتمعات، يصبح الفكر لا يرتقي لأنه يفتقر إلى المساءلة، ويؤمن أفراده بامتلاك الحقيقة المطلقة. إن هذا الجمود ليس مجرد كسل ذهني، بل هو وظيفة بنيوية تهدف إلى الحفاظ على تماسك النظام الاجتماعي القديم الذي يحدد قيمة المرء بما يملك أو ينتسب إليه طبقياً أو قبلياً، وليس بما ينتجه أو يبدعه.

التوظيف النفسي والاجتماعي للاغتراب التاريخي
تعد "أسطورة الماضي الذهبي" الركيزة الأساسية التي تستند إليها ثقافة التخلف لاستساغة عجزها الحضاري. تقوم هذه الأسطورة على تخيل عصر قديم اتسم بالكمال المطلق والوئام والعدل، وهو نموذج يُستدعى دائماً كـ "مطلق تراثي" لمواجهة التجربة الاجتماعية المأزومة في الحاضر. هذا الارتباط بالماضي ليس مجرد حنين عاطفي، بل هو "آلية دفاعية سكونية" تهدف إلى توفير نوع من الطمأنينة النفسية والاكتفاء الوهمي الذي يغني الفرد عن مواصلة التحصيل والإبداع.
إن الاغتراب في الماضي يتجلى في "الهروب إلى الوراء" سعياً وراء "النموذج المثال"، وهو ما يؤدي إلى فهم عدمي لإشكالية الحداثة. عندما يعجز المجتمع عن تجديد تراثه الثقافي، فإنه يحوله إلى "صنم" يُعبد، ويصبح الدفاع عن "الخصوصية " وسيلة للتغطية على "التأخر الاجتماعي والتاريخي". هذا النوع من الهوية، القائم على الأساطير وقيم النكوص، يؤدي بالضرورة إلى استلاب الذات وتكريس التبعية، لأنها هوية "مغلقة" لا تقوى على الحوار العلمي مع الحضارة المعاصرة.
تؤدي هذه الأسطورة إلى ما يمكن تسميته بـ "البيات الشتوي" للعقل العربي والشرقي، حيث ينشغل العقل باجترار الأجوبة الجاهزة من الماضي لمواجهة تحديات الحاضر المعقدة. وبدلاً من أن يكون الماضي منطلقاً للبناء، يصبح "سجناً" يعوق الفرد عن إدراك ذاته ككائن فاعل في الزمان الحالي. إن "ثقافة الجهل" التي تنبثق عن هذا الوضع تجعل من المجتمع يعيش حالة "تخلف عصري شامل"، لأنه يستهلك أدوات العصر بينما تظل حالته الداخلية تفتقر إلى التنوير والعقلنة.

إبراهيم البليهي وتفكيك "البرمجة الثقافية" للعقل الساكن
من زاوية أخرى، يقدم المفكر إبراهيم البليهي رؤية جذرية لتخلف العقل العربي، معتبراً إياه عقلاً "ساكناً" يعيش حالة من الاجترار لا الابتكار. يرى البليهي أن الإنسان لا يولد بعقل مكتمل، بل يولد بقابليات فارغة تتشكل وتتقولب بناءً على البيئة التي ينشأ فيها. وفي المجتمعات المتخلفة، تتم "برمجة" الفرد ثقافياً منذ الصغر على الطاعة والاتباع و"ثقافة القطيع"، مما يقتل ملكة النقد والاستقلال الذهني.
يحدد البليهي أسباب التخلف في ثلاثة محاور رئيسية:
الاعتداد بالذات المبالغ فيه: الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة، مما يغلق العقل أمام التجارب الإنسانية الأخرى.
غياب المنهج العلمي: الغرق في البلاغة والإنشاء والوعظ بدلاً من تبني ثقافة العلم والتجريب والعلية.
العجز عن النقد الذاتي: الهروب من مواجهة الخلل الداخلي بإسقاط الفشل على "المؤامرات الخارجية".
إن الانتقال من "الوجود الناقص" إلى "الوجود الكامل" يتطلب أكثر من مجرد إصلاحات تقنية؛ إنه يتطلب "قطيعة حاسمة" مع التفسيرات الميثولوجية للكون، تماماً كما فعل اليونانيون القدماء عندما انتقلوا "من الأسطورة إلى المنطق". هذا الانتقال تطلب البحث عن أسباب طبيعية للأحداث وتشجيع التفسيرات المبنية على الاستدلال التي يمكن مناقشتها وتعديلها.
في العصر الحديث، يطرح هابرماس "العقلانية التواصلية" كمخرج من الأزمات الوجودية، حيث يتم بناء الإجماع العقلاني عبر الحوار الحر في "عالم الحياة". بالنسبة للمجتمعات التي تعاني من التخلف، يعني هذا ضرورة نقد الأيديولوجيات التي تحول المعرفة إلى أداة سيطرة، والتحول نحو تواصل غير مشوه يسمح بالإبداع الحضاري. إن الوجود الكامل لا يتحقق إلا عندما تصبح حياة الإنسان منظمة على أساس "يستحيل تصوره بدون العقل" في جميع جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
إن الإنسان بما ينضاف إليه من علم ومعرفة هو الذي يصنع الحضارة، وليس بما يولد به من انتساب لعرق أو ماضٍ بائد. فالوجود الحقيقي هو "فعل مستمر" في الحاضر، وليس صدىً خافتاً في ردهات التاريخ المنسي.
إن مواكبة الحضارة الإنسانية ليست مجرد عملية "لحاق" تقني، بل هي "تحول ماهوي" في نظرة الذات للوجود. فالإبداع الحضاري يتطلب شجاعة مواجهة "صدمة المستقبل" بدلاً من الهروب إلى "دفء الماضي"، وإدراك أن الهوية الحقيقية هي التي تُبنى في كل لحظة عبر العقل والحرية، لا التي تُورث كعبء ثقيل من القرون الخالية.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تجليات القصور النقدي في الفلسفة السياسية المعاصرة بالشرق الأ ...
- أنطولوجيا الاستلاب: سيميولوجيا القطيع وآليات التفتيت الإمبري ...
- رقصة الأقنعة في زمن التآكل نص ميتاسريالي
- أنطولوجيا المادة وجدلية الفناء: قراءة نقدية تفكيكية في التجر ...
- الليبرالية الجديدة وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية في الشرق ...
- هندسة الارتهان: تقاطع استراتيجيات التلاعب والسياسات الرأسمال ...
- حصار الكلمة في الفضاء المفتوح: المنظومات الفكرية الرقمية وآل ...
- الإرادة المعرفية وإرادة التحرر في بناء الدولة الوطنية: النقد ...
- تحالف الميتافيزيقيا والسلطة: الرأسمالية وإعادة تشيؤ الإنسان ...
- تيه المعنى واستباحة الكيان: دراسة في انحسار الأفق الفلسفي وآ ...
- سيمياء الانحدار: من ثغور الوعي إلى جحور التشيؤ
- نبض الحداثة العراقية: استقصاء في المنجز الجمالي والفلسفي للف ...
- سِفر الالتواء: سيمفونية الشحم ومحركات الخيبة نص ميتاسريالي
- التعليم العالي من الزبائنية إلى الخدمة المجتمعية: رؤية نقدية ...
- تحولات الحضور والعدم.. مقاربة وجودية معاصرة لحروب الشرق الأو ...
- تراجيديا الحدود الصفراء: اقتصاد الريش ووليمة العبث-نص ميتاسر ...
- طريق الفتوحات في الشرق الأوسط: متاهة الهوية والتوظيف السياسي ...
- آليات الهيمنة واستراتيجيات التحرر: دراسة مقارنة بين الأنظمة ...
- خصخصة الغضب الثوري: الرأسمالية المعاصرة وإنتاج السيكوبوليتيك ...
- تفكيك -القطيع-: غريزة العصبية واغتيال الفردانية في المتخيل ا ...


المزيد.....




- الإمارات: إدراج أفراد وكيانات -مرتبطة بحزب الله- في قائمة ال ...
- -الأقوى في العالم-.. بوتين يشيد بتجربة إطلاق روسيا لصاروخ با ...
- جدل بشأن -قاعدة إسرائيلية سرية- في العراق.. وبغداد تطلق عملي ...
- السودان والشرق الأوسط ومالي... أبرز الملفات التي تناولها ماك ...
- لا نصر ولا مخرج.. ترمب عالق في الفخ الإيراني
- أكثر من مجرد مسابقة.. ما أسباب اهتمام إسرائيل الشديد بمسابقة ...
- بدون الضغط على رابط أو رسالة.. كيف تراقبنا إسرائيل عبر شركات ...
- أسلحة تُستنزَف وأسئلة عن الشفافية.. كلفة حرب إيران تقفز إلى ...
- كازاخستان تطلق نظام قطار خفيف ذاتي القيادة بعد 10 سنوات من ا ...
- وزير الخارجية السوري ليورونيوز: نعم لاتفاق أمني مع إسرائيل و ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - غالب المسعودي - التأصيل الأنطولوجي لمفهوم الوجود: بين الاكتمال الفلسفي والنقص الحضاري