أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غالب المسعودي - رقصة الأقنعة في زمن التآكل نص ميتاسريالي















المزيد.....

رقصة الأقنعة في زمن التآكل نص ميتاسريالي


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 21:22
المحور: الادب والفن
    


إنها صورة سريالية تعكس بمرارة حالة "المسخ" التي نعيشها، حيث يتحول العالم إلى مسرح كبير تُوزع فيه الأدوار بناءً على المهارة في المحاكاة لا على الجدارة.

مهرجان التآكل
في زمن "التآكل الهائل"، حين بدأت الأشياء تفقد صبابتها وجوهرها، لم تعد الغابة غابة، بل صارت قاعة تشريفات كبرى سقفها من الزجاج المتصدع. الهواء مشبع برائحة الورق المحترق والصدأ، والجميع ينتظر الحدث الأهم: "مراسم التتويج الذاتي".
كان الببغاء الأكبر يقف فوق منصة من الذهب الزائف، يكرر كلمات لم يفهمها، لكنه يحفظ رنينها الذي يطرب الحشود. كان يضع على صدره الملون أوسمة صنعها بنفسه من ريش الطيور التي سقطت من شدة الإعياء. كلما ردد جملة جوفاء، أضاف لنفسه نيشاناً جديداً، مدعياً أنه وسام "الفصاحة في زمن الخرس ".
على الجانب الآخر من الساحة، كانت القردة قد اعتلت كراسي مخملية. لم تعد تهتم بتسلق الأشجار، بل تفرغت لتسلق الأكتاف. ببراعة مذهلة، كانت تقلد حركات الجنرالات القدامى والحكماء الذين نُصبوا في زمن التآكل. وبأصابع مرتجفة، كانت تعلق على صدور بعضها البعض نياشين "البطولة في الهروب" و"حكمة التجهيل".
المشهد كان مرعباً، لم يكن في كذبهم، بل في تلك المرايا المحيطة بالقاعة؛ المرايا التي لم تكن تعكس القردة أو الببغاوات، بل كانت تعكس وجوه البشر الذين تآكلت ملامحهم حتى صاروا لا يميزون بين صوت الحقيقة وصدى الببغاء.
في الخارج، كان العالم يذوب كقطعة جليد في فرن. المدن تفقد أسماءها، واللغات تتحول إلى طنين بلا معنى. وبداخل القاعة، استمرت القردة في التصفيق لنفسها، واستمر الببغاء في إلقاء خطبه، بينما كانت النياشين اللامعة تسقط واحداً تلو الآخر، لتكشف أن تحتها لا يوجد صدر، بل فراغ يسكنه التآكل.
في هذا العالم، حيث "إدارة التفاهة" ليست مجرد نهج، بل هي الدستور الوحيد الناجي من الانهيار، لم يكن الشيطان الأكبر كائناً بقرون وحوافر، بل كان يرتدي بدلة "تكنوقراط" أنيقة، ووجهه عبارة عن شاشة عرض لا تنطفئ، تبث صوراً مشوهة للسعادة.
بينما كانت القردة تتصارع على لمعان النياشين، انشقت الأرض في وسط القاعة عن منصة شفافة، صعد عليها الشيطان الأكبر. لم يكن يحمل سوطاً، بل كان يحمل "جهاز تحكم عن بُعد" عملاقاً، وخلفه جيوش من المهندسين الذين صمموا خوارزميات التصفيق.
كان الشيطان يعلم أن الجماهير في الخارج قد تآكلت جلودهم حتى صاروا "أشباحاً من طين"، لذا لم يكن بحاجة لإقناعهم بالعقل. كانت مهمته أسهل بكثير: تحويل التفاحة إلى قداسة.
بإشارة من إصبعه الطويل كإبرة طبية، بدأت المنصات الرقمية في العالم التجاري تهتز. ظهرت على الشاشات صور مكبرة للقردة وهي تأكل النياشين، فحولها الشيطان فوراً إلى "معجزة الاستهلاك الذاتي". صرخ الشيطان في الميكروفونات التي لا تنقل صوتاً، بل تنقل "ترددات الخضوع":
صفقوا أيها التافهون! فاليوم نُتوج الخواء ملكاً، والضجيج وزيراً! صفقوا لكيلا تسمعوا صوت انهيار عظامكم!
تحركت الجماهير في الميادين كأجساد مشلولة الإرادة. لم يكونوا يصفقون بأيديهم، بل بـ "أزرار الإعجاب" التي انغرست في جلودهم. كان التصفيق عبارة عن هزة كهرومغناطيسية تجعل الوجوه تبتسم قسراً، بينما العيون تفيض بدمع رمادي بلون التآكل.
وقف الببغاء الأكبر بجانب الشيطان، محاولاً تقليد وقفته المهيبة. ضحك الشيطان ضحكة صامتة ترددت أصداؤها في "غرف الدردشة" المظلمة، ثم قام بصبّ سائل الذهب فوق رؤوس القردة والببغاوات. في الحقيقة لم يكن ذهباً، كان "بلاستيكاً مصهوراً" سرعان ما جفّ ليحول التماثيل الصلبة، ونياشينها الملتصقة بجلدها إلى بقايا ورق تنظيف معلق في دورات المياه. في تلك اللحظة، بلغت "إدارة التفاهة" ذروتها.
المذيعون: فقدوا ألسنتهم واستبدلوها بمكبرات صوت تبث ضجيجاً أبيض.
المثقفون: صاروا مهرجين في بلاط القردة، يكتبون قصائد في مديح "العدم اللذيذ".
الشيطان الأكبر: جلس على عرشه المكون من هواتف محطمة، وبدأ يراقب الجماهير وهي تتلاشى وتتحول إلى ذرات من الغبار.
انتهى الحفل، لكن الشيطان لم يرحل. بقي هناك، يضبط الخوارزمية للقادم من الأيام، حيث لا فرق بين التاج والنيشان، وبين الببغاء والضحية، وبين الواقع المرعب والحلم الذي صار كابوساً مزمناً في رئة العالم المتآكل.
في قلب "الأرض القفر"، حيث لا تنبت إلا الأسلاك الشائكة وأعمدة الإرسال الصدئة، كان" نصب الشيطان". لم يكن تمثالاً حجرياً يمكن تحطيمه، بل كان كياناً ميتاسريالياً هائلاً مشيداً من "المعدن السائل" الذي يتشكل حسب مخاوف الناظر إليه. كان النصب يرتفع كمسلة سوداء تمتص الضوء ولا تعكسه، وحولها تدور رياح تحمل صدى صرخات قديمة خمدت في زمن التآكل.
خلف منصات التتويج وبهرج النياشين المزيفة، كانت هناك حقيقة يدركها القردة والببغاوات في قرارة أنفسهم: الانهيار وشيك. النياشين بدأت تثقل كواهلهم، والألوان التي طليت بها جلودهم بدأت تتقشر لتكشف عن فقر الروح. لذا، كان عليهم القيام بالرحلة السرية إلى "الأرض القفر".
تصل القردة أولاً، تجر خلفها نياشينها التي أصبحت تجرجر على الرمل كالقيود. تطوف حول النصب في حركة دائرية محمومة، ليس تقديساً، بل طلباً لـ "جرعة جديدة من الوهم". الشيطان الأكبر، الكامن في جوهر النصب كخوارزمية لا تنام، يمنحهم "ثباتاً مؤقتاً"؛ يمد في أعمار أقنعتهم لليلة واحدة إضافية، مقابل أن يتركوا عند قدميه آخر ما تبقى لديهم من ذاكرة الغابة.
أما الببغاوات، فكانت تحلّق في أسراب منخفضة، تنقر جسد النصب المعدني بمناقيرها، باحثة عن "كلمات جديدة" تعيد ضخ الحياة في خطاباتها الميتة. الشيطان لا يعطيهم كلمات، بل يعطيهم "طنيناً مغناطيسياً" يجعل الجماهير تصفق دون أن تفهم، وتصدق دون أن تبصر.
كان هذا النصب هو "صمام الأمان" لإدارة التفاهة. كلما اقترب العالم من لحظة الاستيقاظ المريرة، قام الشيطان بتفعيل "حقل الخداع" المحيط بالنصب، فيخيل للقردة أنهم أباطرة، وللببغاوات أنهم أنبياء الحقيقة. يقف الشيطان الأكبر فوق قمة النصب، ممسكاً بخيوط غير مرئية تمتد من النياشين إلى أعناق الحجيج، ويبتسم.
على الضفة الأخرى من "الأرض القفر"، وفي مواجهة مباشرة مع مسلة الشيطان السوداء، كان يرتفع "نصب الشمس". لم يكن نصباً من حجر، بل كان تجلياً للنور الصافي، عموداً من الحقيقة الكاشفة التي كانت أشعتها تخترق طلاء النياشين المزيفة لتكشف الصدأ الكامن تحتها.
كان وجود "نصب الشمس" يمثل التهديد الأكبر لإدارة التفاهة؛ فهو المرآة التي لا تجامل، والضوء الذي يجعل القردة ترى قبح مسخها، والببغاوات تسمع تفاهة صراخها. بإشارة خفية من "الشيطان الأكبر"، الذي ضاق ذرعاً بالخيط الرفيع من النور الذي يهدد خوارزمياته، اندفعت قطعان القردة وأسراب الببغاوات في تظاهرة ميتاسريالية كبرى. لم يكونوا يحملون حجارة، بل كانوا يحملون "كتلاً من الطين الأسود" وقطعاً من مخلفات التآكل، في محاولة محمومة لرجم الشمس وإطفاء جذوتها.
كانت القردة تقفز بجنون، تقذف نياشينها القديمة باتجاه قلب النور، ظناً منها أن تكدس "المعدن الرخيص" سيحجب الضياء. كان المشهد يشبه محاولة بدائية لإطفاء حريق كوني باستخدام "الرماد"؛ فكلما رموا شيئاً، ابتلعه النور وحوله إلى هباء، لكنهم لم يتوقفوا. أما الببغاوات، فقد شكلت غيمة سوداء كثيفة، تطير في تشكيلات دائرية لتبصق "الحبر المر" الذي تستخدمه في تزوير التاريخ فوق جبين الشمس.
كان الشيطان يراقب المشهد من شاشته الكبرى، مغذياً في نفوسهم وهماً جماعياً: "أن الشمس هي الحريق، وأن رجمها هو الإنقاذ". تحولت حركة الرجم إلى "رقصة دائرية" تشبه طقوس استحضار الأرواح الميتة. كانوا يرجمون النور لا كراهية فيه فقط، بل خوفاً من "التعري" الذي يفرضه عليهم. ففي حضرة الشمس، تذوب الأقنعة البلاستيكية، وتصبح القردة مجرد كائنات تائهة بلا هوية، والببغاوات مجرد صدى لخواء قديم.
كلما اشتد الرجم، كانت الشمس تزداد سطوعاً، لكن عيون القردة والببغاوات كانت تزداد عمىً. وفي ذروة الهستيريا، بدأت أجسادهم تحترق بنور الحقيقة الذي رفضوا الاستضلال به، فاستحالوا إلى "كائنات من دخان" تطوف في الفراغ بين النصبين. لقد نجحوا في "إطفاء النار" داخل أرواحهم، لكنهم تركوا العالم في حالة من "العتمة المتوهجة"؛ حيث النور موجود لكن لا أحد يجرؤ على النظر إليه، وحيث الشيطان يبتسم وهو يرى جنوده يرجمون المصدر الوحيد الذي كان بإمكانه إنقاذهم من التآكل الهائل.
هكذا استمر الرجم، واستمر التآكل، وبقي "نصب الشمس" شاهداً صامتاً على انتحار الكائنات التي اختارت أن تعيش في ظل النياشين، على أن تموت في حضرة الضياء.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنطولوجيا المادة وجدلية الفناء: قراءة نقدية تفكيكية في التجر ...
- الليبرالية الجديدة وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية في الشرق ...
- هندسة الارتهان: تقاطع استراتيجيات التلاعب والسياسات الرأسمال ...
- حصار الكلمة في الفضاء المفتوح: المنظومات الفكرية الرقمية وآل ...
- الإرادة المعرفية وإرادة التحرر في بناء الدولة الوطنية: النقد ...
- تحالف الميتافيزيقيا والسلطة: الرأسمالية وإعادة تشيؤ الإنسان ...
- تيه المعنى واستباحة الكيان: دراسة في انحسار الأفق الفلسفي وآ ...
- سيمياء الانحدار: من ثغور الوعي إلى جحور التشيؤ
- نبض الحداثة العراقية: استقصاء في المنجز الجمالي والفلسفي للف ...
- سِفر الالتواء: سيمفونية الشحم ومحركات الخيبة نص ميتاسريالي
- التعليم العالي من الزبائنية إلى الخدمة المجتمعية: رؤية نقدية ...
- تحولات الحضور والعدم.. مقاربة وجودية معاصرة لحروب الشرق الأو ...
- تراجيديا الحدود الصفراء: اقتصاد الريش ووليمة العبث-نص ميتاسر ...
- طريق الفتوحات في الشرق الأوسط: متاهة الهوية والتوظيف السياسي ...
- آليات الهيمنة واستراتيجيات التحرر: دراسة مقارنة بين الأنظمة ...
- خصخصة الغضب الثوري: الرأسمالية المعاصرة وإنتاج السيكوبوليتيك ...
- تفكيك -القطيع-: غريزة العصبية واغتيال الفردانية في المتخيل ا ...
- الانتصار المنكسر والهزيمة المتعالية: كينونة الوجود في أتون ا ...
- الفلسفة المعاصرة في الشرق الأوسط: تهافتُ الادعاء وفيصلُ القط ...
- حتمية الصدام: صراع الكينونة بين قبضة رأس المال والأنظمة التو ...


المزيد.....




- -أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما ...
- أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
- مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني- ...
- انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
- أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
- أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف ...
- مهرجان كان السينمائي: لجنة التحكيم تبدأ عملها في مشاهدة أفلا ...
- -عيبٌ أُحبّه-.. 7 أيام كافية لهزّ الوجدان في الرواية الأولى ...
- دراسة نقدية لنص(نص غانية) من ديوان (قصائد تشاغب العشق) للشاع ...
- مدن الدوائر الموبوءة بالأدعية 


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غالب المسعودي - رقصة الأقنعة في زمن التآكل نص ميتاسريالي