أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - الانتصار المنكسر والهزيمة المتعالية: كينونة الوجود في أتون الحرب والتلاعب الاقتصادي















المزيد.....

الانتصار المنكسر والهزيمة المتعالية: كينونة الوجود في أتون الحرب والتلاعب الاقتصادي


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 20:47
المحور: المجتمع المدني
    


في ماهية الصراع المعاصر
تُعد التحولات في السياسة الجغرافية والاقتصادية في مطلع القرن الحادي والعشرين نقطة تحول جوهرية في تاريخ النزاعات البشرية؛ إذ لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية تقليدية تنشد استعادة السلم أو صون السيادة، بل استمالت لتغدو أزمات اجتماعية وسياسية غائرة تتداخل فيها الهوية والعدالة وموازين القوى في فضاءات شديدة التعقيد والغموض الأخلاقي. إن مفهوم "الانتصار المنكسر" يجسد الحالة التي تبلغ فيها القوى المهيمنة مآربها المادية عبر أدوات القسر الاقتصادي، لكنها تظل حبيسة مأزق أخلاقي ووجودي ناجم عن تقويض شروط الحياة الكريمة للآخرين. وفي المقابل، تعبر "الهزيمة المتعالية" عن قدرة المجتمعات الهشة على تجاوز الانهيار المادي لبلوغ كينونة أصيلة تنبثق من جلال مواجهة "المواقف الحدية" التي صاغها الفيلسوف كارل ياسبرز؛ فهي هزيمة في معيار المادة، لكنها سموّ رفيع في ميزان الوجود والقيم.

الميتافيزيقيا المعاصرة للصراع والوجود
تبدو الحروب المعاصرة، في ظل الواقع الراهن، بوصفها تحدياً مباشراً للجوهر الإنساني، فهي لم تعد تحصر نفسها في الميادين المادية الصرفة، بل تمددت لتهيمن على العقول، والوعي الجمعي، والشبكات الاقتصادية. إن هذه الحروب تُشن لا طلباً للاستقرار، بل في تمرد صارخ على مفهوم السكينة؛ مما يولد مساحات برزخية من "لا حرب ولا سلم"، تتسم بالاضطراب والمظالم العالقة، والعنف المستتر الذي يورث ندوباً نفسية واقتصادية تتوارثها الأجيال. ومن منظور فلسفي، يعيد هذا النزاع صياغة مفهوم "الوجود"؛ إذ لم يعد الفرد في المجتمعات المنكوبة يعرّف ذاته بإنتاجه أو ابتكاره، بل بمدى صموده أمام آلات المحو الاقتصادي، فتصبح الحرب حالة وجودية دائمة ترمي إلى تجريد الإنسان من فاعليته وتحويله إلى رقم مجرد في حسابات الربح والخسارة العالمية.

المواقف الحدية والإخفاق الوجودي
ينطلق التحليل الفلسفي هنا من رؤية كارل ياسبرز، الذي رأى أن الإنسان يدرك كنه وجوده حين يصطدم بحدود إدراكه وفعلِه في مواقف قدرية لا يمكن الفكاك منها، كالمعاناة، والذنب، والصراع، والموت. وفي سياق "الدول الرخوة" التي ترزح تحت وطأة التلاعب الاقتصادي الممنهج، يستحيل الانهيار المعيشي إلى "موقف حدي" كوني. بيد أن هذا الإخفاق، وفق منظور ياسبرز، ليس نهاية مسدودة، بل هو رمز لـ "التعالي"؛ فعندما يتداعى النظام المادي وتعجز الدولة عن تأمين الرفاه، يجد الإنسان نفسه مجبراً على مواجهة الأسئلة الوجودية الكبرى حول الجدوى والانتماء. إن "الهزيمة المتعالية" تتجلى حين يحول المجتمع هذا الانكسار المادي إلى وعي سياسي وأخلاقي عميق، يرفض الرضوخ للإملاءات الخارجية، فيكتشف الإنسان أن حريته الباطنية عصية على المصادرة مهما تعاظمت أدوات الضغط المالي.

عسكرة المال وتسليع الكينونة
تؤدي "عسكرة النظام المالي" إلى تحويل الاقتصاد من غاية لرفاه الإنسانية إلى وسيلة للمناورة القتالية، وهو تحول يفرز نتائج كارثية تتجلى في إقصاء الاستثمار في الطاقات البشرية، وتراكم المديونيات السيادية، وتوجيه المجتمعات نحو الصناعات العسكرية. إن هذا التوجه يصادر حق الفرد في "الارتقاء الذاتي" ويحيله إلى برغي في آلة الحرب الكبرى، مما يفاقم المأزق الوجودي عبر "تسليع الإنسان" واعتباره "جهداً ميتاً" في عمليات التراكم الرأسمالي العسكري. هنا، لا يصبح الفقر مجرد عوز للموارد، بل أداة استراتيجية لكسر الإرادات السياسية، حيث تُستخدم الحاجات البشرية الأساسية كأوراق ضغط وتفاوض.

الاعتماد المتبادل المسلح وتكتيكات "نقاط الخنق"
في عصر العولمة، لم تعد الروابط الاقتصادية والتقنية جسوراً للسلام، بل أضحت "ميدان حرب" مبتكراً. يبرز هنا مفهوم "الاعتماد المتبادل المسلح"، الذي يشير إلى قدرة القوى المسيطرة على "عقد" حيوية في الشبكات العالمية (مثل نظم التحويل المالي أو سلاسل توريد التقنيات السيادية) لفرض مشيئتها على الآخرين. إن هذه الآليات تعيد تعريف القوة؛ فالسيادة لم تعد تُقاس بفيالق الجيوش، بل بالقدرة على التحكم في "مضائق الخنق" التي تتدفق عبرها الموارد. ومع ذلك، يظل هذا الانتصار "منكسراً"؛ لأنه يحفز الدول المتضررة نحو "فك الارتباط" وابتكار أنظمة بديلة، مما يؤدي إلى تشظي النظام الدولي وتنامي احتمالات الصدام الشامل والانهيار العالمي.

الاستحواذ الرأسمالي والدول العقائدية
تتجلى ذروة التلاعب الاقتصادي في سياسة "الاستحواذ الرأسمالي" على منابع الطاقة والمعادن النادرة، ولا سيما في الدول ذات الصبغة الفكرية العقائدية. تعمد القوى الكبرى إلى توظيف تكتيك "الحصار الذكي" لشق الصف بين السلطة والشعب، ثم تتدفع بشركاتها العابرة للحدود لامتصاص الموارد تحت ذريعة "إعادة الإعمار" أو "تسوية الديون". في هذه الدول، تُسلب الثروات الطبيعية صفة "الأصول الوطنية" لتصبح "رهائن اقتصادية"؛ فالاستيلاء على الليثيوم والكوبالت والغاز ليس نشاطاً تجارياً فحسب، بل هو عملية "نزع سيادة" ممنهجة تجري عبر صياغة بيئات قانونية دولية تحمي المستثمر الأجنبي على حساب الحقوق البيئية والاجتماعية، مما يحول هذه الأوطان إلى "مناطق تضحية" تُستنزف لرفاهية المراكز الرأسمالية.

مآلات التنمية المستدامة والمأزق البشري
في ظل هذا التوحش الرأسمالي، تغدو "التنمية المستدامة" شعاراً فارغاً يُستخدم للتغطية على المأزق البشري العميق. إن قوى الهيمنة العالمية لا تسعى لتحقيق استدامة الموارد للبشرية، بل تهدف إلى "إدارة الاستغلال" بذكاء يضمن بقاء تدفق الثروات نحو المركز. إن المفهوم الحقيقي للتنمية قد تم إفراغه من محتواه الإنساني ليتحول إلى أداة لقمع التطلعات التنموية للدول النامية؛ حيث تُفرض معايير بيئية وتقنية تعجيزية تعمل كحواجز أمام نمو الدول الفقيرة، بينما تستمر القوى المهيمنة في تصدير أزماتها البيئية وتكاليفها الاجتماعية إلى تلك الشعوب. إن "المأزق البشري" يكمن في هذا التضاد الصارخ؛ حيث تُسحق القيم الإنسانية تحت أقدام الربح السريع، وتُستنزف دماء الأجيال القادمة عبر صفقات مشبوهة وعقود جائرة تُبرم في ظلال الحروب، مما يجعل التنمية المستدامة في ظل الهيمنة الحالية مجرد آلية لتأبيد التبعية وتشريع النهب تحت مسميات براقة.

الكينونة في مواجهة التلاعب: من النمو إلى النضج
في خضم هذا الانهيار، تحتم الوجودية المعاصرة الانتقال من مفهوم "النمو المادي" القائم على الاستهلاك، إلى "النضج البشري" الذي يرتكز على الأخلاق والتكاتف والوعي التاريخي. إن صراع "الانتصار المنكسر" و"الهزيمة المتعالية" يرسم ملامح مستقبل يتطلب صموداً وجودياً؛ فالتلاعب الاقتصادي قد ينتزع مكاسب عابرة، لكنه يقوض أركان القيم الإنسانية. إن التعالي على الانكسار المادي هو الفوز الحقيقي، إذ لا يُقاس بمؤشرات النمو، بل بمدى نجاة جوهرنا الإنساني من براثن التسليع، وقدرتنا على صون العدالة لمن لم يولدوا بعد.
-----------------------
المراجع
ياسبرز، كارل (1951). فلسفة الوجود. (دراسة في المواقف الحدية والإخفاق كمسار للتعالي الوجودي).
ميردال، جونار (1968). الدراما الآسيوية: بحث في فقر الأمم. (المرجع الأساس لمفهوم الدول الرخوة وعلاقة الفساد بالتعثر التنموي).
فانون، فرانتز (1961). معذبو الأرض. (تحليل معمق لآليات السيطرة الاستعمارية والرأسمالية على مقدرات الشعوب).
فاريل، هنري ونيومان، أبراهام (2019). الاعتماد المتبادل المسلح. (بحث في توظيف الشبكات العالمية كأدوات للقسر الاقتصادي).
هارفي، ديفيد (2003). الإمبريالية الجديدة. (تأصيل لمفهوم التراكم عبر السلب والاستحواذ القسري على الموارد).
هايدغر، مارتن (1927). الوجود والزمان. (تحليل كينونة الإنسان في مواجهة تقنيات التسليع الحداثية).



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفلسفة المعاصرة في الشرق الأوسط: تهافتُ الادعاء وفيصلُ القط ...
- حتمية الصدام: صراع الكينونة بين قبضة رأس المال والأنظمة التو ...
- تشريح مفهوم الطبقة الاجتماعية بين المادية والوجودية والتجربة ...
- الفضاء الرقمي بين حرية التعبير واضطرابات الشخصية الانزياح من ...
- أُرْخَبِيلُ المَحْوِ... فِي مَأْدُبَةِ الرَّمَادِ- نَصٌّ مِي ...
- هابرماس والهشاشة الوجودية المعاصرة في ضوء الأنطولوجيا السياس ...
- الانشطار المعرفي وتحديات تجاوز -التابو- دراسة في المخرجات ال ...
- علم إنسان الخوف من الجمال وامتدادها الحضاري: مقاربة فلسفية ف ...
- الوجودية التأسيسية للجهل: من الغياب السلبي إلى الحضور النشط
- النقد الماركسي للميتافيزيقيا والذرائعية في إدارة الوجود: صرا ...
- السخرية البطولية والتورط الجميل
- العظمة القذرة والعار السامي
- تهافت الأكاليل.. هجرةٌ ثانية إلى -التيه- نص ميتا سريالي
- المانيفستو الميتاسريالي: من عفوية اللاشعور إلى هندسة الوجود ...
- جدلية الوعي المتسامي: بين المادية التاريخية والوجودية
- تجليات العدم المضيء - نص ميتا سريالي
- رقصةُ -المخدّر الموزون- على مِقصلةِ -العدم- نص ميتا سريالي
- جثث مرقمنة: نص ميتا سريالي
- التفاعل الجدلي بين الموروث الحيوي والسيادة الثقافية
- كرنفال المسخ: رقصة أوربوروس نص ميتا سريالي


المزيد.....




- الأمم المتحدة: أكثر من 200 ألف شخص فروا من العنف في لبنان إل ...
- -إيران تخوض حربها بالأطفال-.. هيومن رايتس ووتش: الحرس الثوري ...
- ما هي الدلالات والرسائل في إقرار قانون الإعدام في إسرائيل؟
- الحكومة الفلسطينية تدعو لتحرك دولي عاجل لإلغاء قانون إعدام ا ...
- الأمم المتحدة تحذر من خسائر اقتصادية عربية تصل لـ 194 مليار ...
- تسنيم تبث حزنها.. كيف تلقت العائلات الفلسطينية إقرار قانون إ ...
- استنكار داخل إسرائيل لإقرار قانون عقوبة الإعدام وواشنطن تؤكد ...
- مجلس الوزراء الفلسطيني يوجّه نحو أوسع تحرك دولي عاجل لإلغاء ...
- نادي الأسير الفلسطيني يدعو لتحرك عربي ودولي لإسقاط قانون إعد ...
- الكنيست الإسرائيلي يقر مشروع قانون -لإعدام الأسرى الفلسطينيي ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - الانتصار المنكسر والهزيمة المتعالية: كينونة الوجود في أتون الحرب والتلاعب الاقتصادي