أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - تحولات الحضور والعدم.. مقاربة وجودية معاصرة لحروب الشرق الأوسط















المزيد.....

تحولات الحضور والعدم.. مقاربة وجودية معاصرة لحروب الشرق الأوسط


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 12:01
المحور: المجتمع المدني
    


تتأصل إستراتيجية التفكيك في الفكر الفلسفي المعاصر بوصفها ممارسة نقدية تنقيبية، تهدف إلى خلخلة وتقويض المفاهيم التقليدية الراسخة التي قام عليها العقل الغربي، وفي مقدمتها مفاهيم الحقيقة، والهوية، والأصل، والمركزية العقلية. وبالعودة إلى التحليل اللغوي الدقيق لمصطلح التفكيك، يتبين أنه يتألف من مقاطع بنيوية متكاملة تشير في مجموعها إلى عملية تحليلية مزدوجة، لا تعني الهدم العبثي أو التدمير الفوضوي، بل تسعى إلى فحص الكيفية التي تشكلت بها البنى والمفاهيم الفكرية عبر التاريخ لإعادة قراءتها بصورة مغايرة.
إن الهدف المحوري الذي وجه معاول التفكيك تمثل في تقويض ما يسمى بـ "ميتافيزيقا الحضور"؛ وهي الرؤية التي تقوم على افتراض وهمي بوجود أصل ثابت، أو معنى نهائي مكتفٍ بذاته يمكن الإمساك به في لحظة حضور خالص. ومنذ عصر أفلاطون، عمل الفكر الغربي على إعلاء شأن الكلام والمنطوق بوصفهما تجليات مباشرة للوعي، في حين نُظر إلى الكتابة كعنصر ثانوي أو مجرد ملحق مشتق. يرى التفكيك أن هذا التمييز يمثل عنفاً تراتبياً يهدف إلى قمع الاختلاف؛ فاللغة هي شبكة من الفروق والإحالات المستمرة التي لا تستند إلى مرجع ثابت خارجها، مما يعني أن المعنى لا يحضر أبداً بكليته، بل يظل مؤجلاً باستمرار عبر ما يعرف بـ "المخالفة المرجأة".

ظواهر الوجود والعدم في المنظورات الوجودية
إذا كان التفكيك قد ركز على تقويض البنى النصية لميتافيزيقا الحضور، فإن الفلسفة الوجودية المعاصرة قد نقلت مركز الثقل نحو التجربة الذاتية المعاشة للإنسان. وتتميز الوجودية بكونها تجمع بين الأصالة الفردية والنقد الجذري للأنظمة التجريدية الشاملة، ويظل المبدأ الأبرز المشترك بين اتجاهاتها هو القول بأسبقية الوجود على الماهية. فالإنسان يوجد أولاً في هذا العالم كفراغ، ثم يبدأ عبر اختياراته وأفعاله الحرة في صياغة جوهره الخاص.
في هذا السياق المتصل بعلم الكينونة، تبرز فلسفة مارتن هايدغر التي رأت أن تاريخ الفلسفة قد انشغل بدراسة الموجودات المادية ونسي السؤال الجوهري حول "الكينونة" ذاتها. الإنسان بالنسبة له ليس مجرد كائن مفكر، بل هو "الكائن-هنا"؛ أي الموجود المنخرط في شبكة من الاهتمامات والعلائق. ويعد العدم عند هايدغر جزءاً لا يتجزأ من نسيج الوجود البشري، فهو لا ينكشف للوعي إلا من خلال تجربة القلق الوجودي، وهو شعور يختلف عن الخوف؛ فبينما يرتبط الخوف بموضوع محدد، يأتي القلق كحالة من عدم الاستقرار الكلي أمام تلاشي المعنى وانفلات السيطرة على الكينونة.
من المنظور المقابل، قدم جان بول سارتر قراءة لوصف ظواهر الوجود تؤكد أن الوعي البشري هو في أصله عدم. وقسّم الوجود إلى نمطين: الوجود في ذاته، وهو نمط الأشياء الجامدة والمادية التي تتميز بالامتلاء والثبات، والوجود لذاته، وهو نمط الوعي البشري الذي يفتقر إلى الامتلاء المادي لكونه متضمناً لعدم داخلي مستمر، وهذا العدم هو الذي يمنحه الحرية المطلقة في تجاوز واقعه وتغييره باستمرار. يرى سارتر أن هذا العدم الداخلي هو الذي يدفع الإنسان دوماً ليكون في حالة "صيرورة" مستمرة، ومع ذلك، فإن هذه الحرية تصاحبها مسؤولية ثقيلة تثير الرهبة، مما يدفع الفرد أحياناً إلى ممارسة "الخداع الذاتي"؛ وهي محاولة التنصل من الحرية عبر ادعاء الخضوع لظروف حتمية هرباً من ألم الاختيار.

عنف الميتافيزيقا والمسؤولية الأخلاقية تجاه الآخر
يرتبط البحث في تحولات الحضور والعدم بمسألة العنف ارتباطاً وثيقاً؛ إذ يرى الفكر التفكيكي أن الميتافيزيقا الغربية، في سعيها لتأسيس "المتطابق" والهوية المكتملة، قد مارست عنفاً إقصائياً ضد كل ما يمثل الآخر أو الهامش. هذا التوجه يختزل الآخر المختلف في حدود أفق الوعي الذاتي للأنا، وهو في جوهره يمثل عنفاً وجودياً كبيراً.
إن العنف، وفق هذه الرؤية، ينقسم إلى مستويات بنيوية ومعرفية تسبق تجلياته المادية. فاللغة ذاتها تنطوي على عنف أولي متمثل في عملية التسمية والتصنيف، حيث تفرض على الذات قوالب جاهزة تقيد تدفق معانيها الحرة. ومن هنا، يرى دريدا أن المسؤولية الحقيقية تجاه الآخر (سواء كان غريباً، أو مضطهداً، أو مهاجراً) لا تنبثق من الامتثال البارد للقوانين الجاهزة، بل تنشأ في لحظة القرار الذي يتجاوز الحسابات النفعية الضيقة، مما يعيد تأسيس الأخلاق كعلاقة مفتوحة مع اللامتوقع، تستهدف حماية الآخر من الانصهار في منظومات السيطرة الفكرية أو المادية.

الفلسفة والنزاعات: من الصيرورة الأولى إلى الوجودية
إن التفكير الفلسفي في ظاهرة الحرب ضارب في القدم؛ من هيرقليطس الذي رأى الصراع محركاً للعالم، إلى أرسطو الذي حاول تأطيرها ضمن مفهوم "الحرب العادلة" التي تهدف للسلام. أما في الوجودية المعاصرة، فقد شكلت الحرب المختبر الحقيقي لأفكار روادها، لا سيما بعد مآسي الحربين العالميتين. لقد عاين سارتر تجربة الحرب بالأسر، وصاغ رؤية تؤكد أن الحرب فكرة تحمل في طياتها مبررات فنائها، وأن جوهرها لن يتحقق إلا في اليوم الذي تصبح فيه مستحيلة الاندلاع.
نظر سارتر إلى الحرب بوصفها تعبيراً حاداً عن اليأس الاجتماعي والانسداد الفلسفي، رافضاً السرديات البطولية الزائفة التي تبررها، ومعتبراً إياها آلية تستغلها القوى المهيمنة لتقديم الفقراء كقرابين لمصالح ضيقة. وقد تجلى التزامه الوجودي في دعمه للثورات التحررية ضد الاستعمار، حيث اعتبر أن العنف الاستعماري جريمة تلغي إنسانية الظالم والمظلوم معاً، مؤكداً حق الشعوب في المقاومة لانتزاع حريتها، مع التحذير من السقوط في دوامات القتل الأعمى التي تمثل ارتداداً نحو السلوك غير الأصيل.

المقاربة الفلسفية للحروب الراهنة في المنطقة
عند إمعان النظر في واقع النزاعات الراهنة في الشرق الأوسط، يتبين وجود تطابق دقيق بين المفاهيم المجردة للحضور والعدم وبين المآسي المعاشة. هذه الحروب ليست مجرد عمليات عسكرية للسيطرة على الموارد، بل هي تجلٍّ مادي لصراع يسعى فيه كل طرف مهيمن إلى تثبيت حضوره المطلق عبر إفناء وجود الآخر وإحالته إلى عدم محض.
يظهر هذا العنف الوجودي في أبشع صوره عبر التدمير المنهجي للمدن والبنى التحتية، وهو رغبة واعية في محو الشواهد المادية الدالة على حضور الشعوب في أراضيها. ومع ذلك، فإن الركام والخراب لا يعبر عن عدم مطلق؛ فالأنقاض، من منظور فلسفي، تجسد مفهوم "الأثر"؛ فهي حضور صارخ لشيء تم تغييبه قسراً، وعلامة تقاوم النسيان وتفضح القوة التي حاولت الإقصاء.
ويمكن قراءة ممارسات القوى الاستعمارية في المنطقة في ضوء مفاهيم "النظرة" وتشييء الآخر؛ حيث تمارس القوى المهيمنة نظرة تجرد الشعوب من صفتها الإنسانية، وتختزل كينونتها في مجرد أرقام إحصائية أو أهداف عسكرية. هذا السلوك يمثل ذروة "الخداع الذاتي"، حيث يرفض المعتدي الاعتراف بأن الآخر هو وعي وحرية مكافئة له، فيلجأ للعنف لإنهاء التهديد الوجودي الذي تثيره تلك الحرية. كما أن توظيف التكنولوجيا الحربية المؤتمتة يزيد من تضخم العدمية؛ فالقتل عبر الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي يلغي المواجهة البشرية، ويحول الإبادة إلى إجراء تقني جاف، مما يحقق تحذيرات الفلاسفة من خطورة "الإطار التقني" الذي يحول الوجود البشري إلى مجرد مادة خام قابلة للاستهلاك في مشاريع التدمير.

خلاصات نقدية
تخلص هذه القراءات إلى أن الحروب المستعرة في المنطقة هي انعكاس مباشر للأزمة الوجودية التي خلفتها الميتافيزيقا ونزعتها الأحادية. إن التكنولوجيا التي بُشر بها كأدوات للتحرر قد تحولت في ممارسات الصراع إلى آليات للإبادة المنظمة وفرض العدم.
على الصعيد الذاتي، فإن الإنسان في هذه المنطقة مدعو إلى الانعتاق من حالة الاستسلام العدمي. إن استعادة الحضور الوجودي الأصيل تتطلب تحويل تجربة القلق المزمن إلى دافع فاعل نحو المقاومة الواعية وبناء الماهية الحرة. فكما أكد الوجوديون، الإنسان ليس شيئاً ثابتاً تصنعه الأقدار، بل هو مجموع أفعاله والمواقف التي يتخذها بحرية لتقرير مصيره وتحديد معنى وجوده في مواجهة العدم المحدق به.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تراجيديا الحدود الصفراء: اقتصاد الريش ووليمة العبث-نص ميتاسر ...
- طريق الفتوحات في الشرق الأوسط: متاهة الهوية والتوظيف السياسي ...
- آليات الهيمنة واستراتيجيات التحرر: دراسة مقارنة بين الأنظمة ...
- خصخصة الغضب الثوري: الرأسمالية المعاصرة وإنتاج السيكوبوليتيك ...
- تفكيك -القطيع-: غريزة العصبية واغتيال الفردانية في المتخيل ا ...
- الانتصار المنكسر والهزيمة المتعالية: كينونة الوجود في أتون ا ...
- الفلسفة المعاصرة في الشرق الأوسط: تهافتُ الادعاء وفيصلُ القط ...
- حتمية الصدام: صراع الكينونة بين قبضة رأس المال والأنظمة التو ...
- تشريح مفهوم الطبقة الاجتماعية بين المادية والوجودية والتجربة ...
- الفضاء الرقمي بين حرية التعبير واضطرابات الشخصية الانزياح من ...
- أُرْخَبِيلُ المَحْوِ... فِي مَأْدُبَةِ الرَّمَادِ- نَصٌّ مِي ...
- هابرماس والهشاشة الوجودية المعاصرة في ضوء الأنطولوجيا السياس ...
- الانشطار المعرفي وتحديات تجاوز -التابو- دراسة في المخرجات ال ...
- علم إنسان الخوف من الجمال وامتدادها الحضاري: مقاربة فلسفية ف ...
- الوجودية التأسيسية للجهل: من الغياب السلبي إلى الحضور النشط
- النقد الماركسي للميتافيزيقيا والذرائعية في إدارة الوجود: صرا ...
- السخرية البطولية والتورط الجميل
- العظمة القذرة والعار السامي
- تهافت الأكاليل.. هجرةٌ ثانية إلى -التيه- نص ميتا سريالي
- المانيفستو الميتاسريالي: من عفوية اللاشعور إلى هندسة الوجود ...


المزيد.....




- الاحتلال يشن حملة اعتقالات في قلقيلية تطال عريساً وأسرى محرر ...
- الأمم المتحدة تحذر من تداعيات استهداف معهد باستور
- البرلمان العربي يقود تحركا دوليا عاجلا لوقف قانون إعدام الأس ...
- بن غفير يقتحم الأقصى والضفة تشهد مواجهات واعتقالات
- في عيد الشهداء.. مظاهرة في تونس للمطالبة بإطلاق سراح المعتقل ...
- اقتحام جديد للأقصى بقيادة بن غفير.. إصابات واعتقالات واسعة ف ...
- إصابات واعتقالات واسعة خلال اقتحامات للاحتلال في الضفة الغرب ...
- الأمم المتحدة: السودان يواجه أكبر أزمة نزوح وسط انتهاكات جسي ...
- -كنت ضمن الكوماندوز-.. شهادات وصور لتبادل معتقلين بين دمشق و ...
- مئات الاعتقالات في مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في لندن


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - تحولات الحضور والعدم.. مقاربة وجودية معاصرة لحروب الشرق الأوسط