غالب المسعودي
(Galb Masudi)
الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 12:48
المحور:
المجتمع المدني
في اشتباك الغريزة بالتاريخ
تتشابك في دراسة الاجتماع البشري أبعاد متعددة تصهر علم النفس الجمعي بمسارات التاريخ الكبرى، لتنتج في النهاية تلك الترتيبات الاجتماعية والسياسية التي تحكم صناعة السلطة وتداولها. وفي سياق الشرق الأوسط، يكتسب هذا التشابك عمقاً استثنائياً؛ إذ إن التطور التاريخي للمنطقة لم يشهد قطيعة معرفية أو بنيوية حقيقية مع الماضي، بل قام بإعادة إنتاج المفاهيم التقليدية كالقبيلة والعصبية والطائفة داخل أرحام الدولة الحديثة. إن الفهم الرصين لهذه الحركية يستوجب تجاوز السرد الوصفي الذي يكتفي برصد الوقائع، والغوص العميق في تفكيك "البنى السردية" التي تصيغ الوعي العام وتحدد أطر الممارسة السياسية؛ فنحن أمام تساؤل جوهري: كيف تقاطعت "غريزة الامتثال" مع التحولات الجغرافية لإنتاج سرديات سلطوية تمنح الشرعية للقطيع على حساب الفرد؟ وكيف أجهضت هذه السرديات مفهوم المواطنة الحداثي؟
المنظور الفلسفي والسيكولوجي للنزعة القطيعية
يحتل مفهوم "عقلية القطيع" موقعاً مركزياً في الفلسفة الحديثة وعلم النفس الاجتماعي على حد سواء. وإذا كان المفهوم في أصله البيولوجي يمثل آلية تطورية لضمان البقاء عبر المحاكاة والتحوط الجماعي لمواجهة الأخطار البيئية، فإن انتقاله إلى الفضاء القيمي والاجتماعي البشري كشف عن أبعاد أكثر تعقيداً ترتبط بتغييب الوعي الفردي وإخضاع الإرادة الحرة لمنطق المجموع.
في هذا الفضاء، يفقد الفرد سماته العقلانية النقدية بمجرد انصهاره في الوسط الجماهيري. وكما ذهب "غوستاف لوبون"، فإن الجمهور لا يعقل، بل يشعر، وهو يتحرك بدافع من العواطف الجياشة والعدوى النفسية التي تلغي المسافة بين الذات والآخر. هذا "الذوبان للأنا" الذي ناقشه "سيغموند فرويد" يفسر كيف يتنازل الأفراد عن معاييرهم الأخلاقية المستقلة لصالح "الفكرة المهيمنة" أو "الرمز القائد"، مما يحول المجتمع إلى كتلة صماء تستجيب للإيحاء والتحريض أكثر من استجابتها للمنطق البرهاني. إن عقلية القطيع هنا ليست مجرد سلوك عابر، بل هي حالة نكوصية يهرب فيها الإنسان من ثقل المسؤولية الفردية إلى دفء الجماعة الموهوم.
المطرقة النيتشوية وأخلاق التبعية
يعد الفيلسوف الألماني "فريدريك نيتشه" الشارح الأكبر لهذه الظاهرة عبر صياغته لمصطلح "أخلاق القطيع". لا يشير نيتشه هنا إلى حالة قانونية من الرق، بل إلى بنية سيكولوجية وتكوين أخلاقي يتسم بالخوف من المجهول والنزوع الدائم نحو الامتثال والتماثل. يرى نيتشه أن المنظومات القيمية السائدة تعمل كمخدر يمنع الإنسان من الارتقاء والوصول إلى أقصى درجات القوة والبهاء الممكنة له؛ فهي تعلي من شأن "التواضع، والطاعة، والصبر السلبي، والمساواة النمطية" ليس لكونها فضائل في ذاتها، بل لأنها تخدم مصالح الضعفاء وتضمن بقاءهم عبر كبح جماح الأفراد المتميزين الذين يملكون "إرادة القوة."
إن هذا التنميط يفضي بالضرورة إلى شيوع حالة من "الاستياء المستمر" والحسد تجاه كل من يجرؤ على الخروج عن نمط المجموع. في المجتمعات التي تسودها أخلاق القطيع، يُصنف المتميز أو المستقل فكرياً بوصفه "مارقاً" أو "شريراً"، بينما يُحتفى بالوديع الممتثل بوصفه "الرجل الصالح"، وهو ما يغتال طاقة العظمى التي تنشأ بالضرورة من المعاناة والمشقة والتفكير المنفرد. بالنسبة لنيتشه، فإن سيادة هذه الأخلاق تقود إلى تدهور الجنس البشري لأنها تحافظ على المتوسط وتكبح الاستثنائي.
العصبية الخلدونية والقبيلة كمحدد سياسي
بالإسقاط على واقع الشرق الأوسط، لا يمكن فهم بنية السلطة دون استحضار مفهوم "العصبية" لدى "ابن خلدون" وربطه بالنزعة القطيعية. فالعصبية هي الوقود السيكولوجي والاجتماعي الذي يحرك القبائل من تشتت الصحراء إلى استقرار الأمصار. تاريخياً، قامت مسارات الفتوحات الكبرى بنقل القبائل إلى مراكز الدولة الناشئة، لكنها لم تفكك بنيتها الاجتماعية العميقة؛ بل جمدتها وسيّستها داخل بنية الدولة.
لقد أدى هذا التحول إلى بقاء "العصبية" كمحدد أساسي للولاء والاستحقاق، عجزت التحولات اللاحقة عن تفكيكه. فالدولة في المخيال الجمعي لم تكن يوماً "عقداً اجتماعياً" بين مواطنين متساوين، بل كانت "غنيمة" أو "دار إمارة" تسعى كل عصبية للاستحواذ عليها. هذا الربط الوثيق بين الانتماء العشائري والاستحقاق الاقتصادي كرس لاوعياً سياسياً ينظر إلى الدولة كأداة للمغالبة واقتسام الريع، مما جعل "القبيلة السياسية" هي الفاعل الحقيقي تحت قشرة المؤسسات الدستورية والبرلمانية الحديثة. إن العصبية هنا هي الوجه الاجتماعي لعقلية القطيع؛ حيث الولاء للجماعة يسبق الولاء للحقيقة أو القانون.
مأزق المواطنة.. الفرد بين مطرقة "الرعية" وسندان "الهوية الجمعية"
إن الانتقال من "القطيع" إلى "المجتمع" يتطلب تحولاً جذرياً في تعريف الكائن السياسي؛ أي الانتقال من مفهوم "الرعية" الذي يستمد وجوده من طاعة الراعي، إلى مفهوم "المواطن" الذي يستمد وجوده من حقوقه الطبيعية والقانونية المستقلة. إلا أن الحداثة السياسية في منطقتنا تعثرت في هذه العتبة تحديداً؛ حيث تم استيراد هيكل الدولة كقشرة قانونية صلبة بينما ظلت "الرعوية" هي المحرك السلوكي العميق داخل النفوس والمؤسسات.
اغتيال الفردانية باسم "الإجماع":
تعتبر الحداثة الفلسفية أن "الفرد" هو الوحدة الأساسية لبناء الدولة والقانون. أما في البنية السردية السائدة، فإن الفرد لا يكتسب شرعيته الوجودية أو السياسية إلا عبر انتمائه ل (طائفة، عشيرة، أو تكتل أيديولوجي مغلق). هنا، تُمارس "ديكتاتورية الجماعة" نوعاً من الرقابة المسبقة على التفكير؛ فالمواطنة الحقيقية تتطلب "استقلالاً نقدياً"، بينما تفرض البنى التقليدية "امتثالاً عقدياً". إن الفرد الذي يحاول ممارسة مواطنته خارج السرب يُنظر إليه كخائن للملح أو مارق عن الأصل، مما يجعل تكلفة "الفردانية" باهظة نفسياً واجتماعياً، ويدفع الجميع للعودة إلى حظيرة الامتثال تجنباً للعزلة.
المواطنة كـ "منحة" لا كـ "حق":
في الدولة الحديثة، المواطنة عقد تبادلي بين الفرد والمؤسسة. أما في الأنظمة التي يسيطر عليها منطق القطيع، فتتحول المواطنة إلى "مكرمة" أو "منحة" تمنحها السلطة للأتباع المخلصين والموالين. هذا "الزبائنية السياسية" تعيد إنتاج علاقة الشيخ بالمريد؛ فالدولة لا تعود مؤسسة لإنفاذ القانون، بل تصبح "راعي قطيع" يوزع العطايا والمناصب مقابل الولاء الصامت. هذا الفهم أجهض مفهوم "المصلحة العامة"، وحل محله "حصص الجماعات"، فصار الصراع السياسي ليس على جودة السياسات العامة، بل على من يملك حق تمثيل الجماعة الأكبر في اقتسام الغنائم.
وهم "الهويات الصغرى" وتآكل العقد الاجتماعي:
إن تشبث الفرد بهويته الطائفية أو القبلية كبديل عن الهوية الوطنية هو إعلان صريح عن فشل "العقد الاجتماعي" وتآكل شرعية الدولة. فحين تصبح الدولة أداة في يد عصبية معينة، يرتد الآخرون نحو "قطعانهم" الخاصة طلباً للحماية والأمان. هذا الارتداد يخلق "مواطنات مجزأة" تصطدم ببعضها البعض في فضاء عام مأزوم، مما يحول المجتمع إلى ساحة صراع بين "ذوات جمعية" متورمة، لا تلتقي إلا في لحظات الصدام أو التوافق الهش على تقاسم النفوذ. إن "المواطنة" هنا تذوب في "العصبية"، ويصبح القانون مجرد أداة بيد الجماعة الأقوى لفرض إرادتها.
الحداثة المشوهة وتكريس "الوعي الزائف"
لقد وظفت النخب الحاكمة في الشرق الأوسط أدوات الحداثة (الإعلام، التعليم، البيروقراطية) لا لتحرير الفرد وصناعة المواطن، بل لترويض القطيع وتحديث أدوات السيطرة عليه. صار التعليم في كثير من الأحيان وسيلة للتلقين وتكريس التبعية لا للنقد والتحليل، وصار الإعلام بوقاً لتمجيد "الرمز" الذي يختزل الدولة والشعب في شخصه.
إن هذه "الحداثة الصورية" هي أخطر أنواع التجهيل، لأنها تمنح القطيع شعوراً واهماً بالانتماء للعصر عبر استخدام التقنيات الحديثة، بينما هو لا يزال يتحرك بغرائز العصبية والمظلومية التاريخية المتخيلة. إن تحرير مفهوم المواطنة يتطلب بالضرورة "خلخلة" هذه السرديات التاريخية المغلقة، وتفكيك المركزيات السياسية والدينية التي تقتات على تغييب العقل الفردي المستقل لصالح سطوة المجموع.
نحو "إرادة قوة" وطنية
إن عقلية القطيع في أبعادها الفلسفية والسيكولوجية تمثل سلوكاً تكيفياً ونفسياً عميقاً يهرب فيه الإنسان من قلق التفكير المستقل. وفي مجتمعاتنا، وجد هذا السلوك سياقاً خصباً في الأطر القبلية والطائفية التي تفرض الامتثال الصارم للزعامات التقليدية. إن الخروج من هذا التيه لن يكون عبر استبدال زعيم بآخر، بل عبر استبدال "ثقافة الامتثال" بـ "ثقافة المساءلة"، وعبر بناء مؤسسات دولاتية حقيقية قادرة على إدارة التنوع وحماية الأفراد بصفتهم "مواطنين" لا بصفتهم "أتباعاً."
إن التحدي الفلسفي والسياسي الأكبر يكمن في استعادة "إرادة القوة" التي تحدث عنها نيتشه، ليس للسيطرة على الآخرين، بل للسيطرة على المصير الفردي والتحرر من أغلال "الوعي الجمعي" الزائف. إن بناء دولة المواطنة يبدأ حين يتوقف الفرد عن كونه "رقماً" في قطيع، ويصبح "ذاتاً" حرة تساهم في صياغة عقد اجتماعي جديد، يحترم التعددية ويقدس الحرية الفردية بوصفها الضمانة الوحيدة ضد تغول الجماعة واغتيال الدولة.
-------------------------
المراجع
نيتشه، فريدريك. إرادة القوة. ترجمة د. محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2011.
نيتشه، فريدريك. هكذا تكلم زرادشت. ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، بغداد-بيروت، 2007.
لوبون، غوستاف. سيكولوجية الجماهير. ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة العاشرة، 2013.
ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون. تحقيق د. علي عبد الواحد وافي، نهضة مصر، القاهرة، 2006.
غليون، برهان. نقد السياسة: الدولة والدين. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2007.
غليون، برهان. المأزق العربي: الدولة ضد المجتمع. دار الساقي، بيروت، 1994.
أركون، محمد. نزعة الأنسنة في الفكر العربي. ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 1997.
تارد، غابرييل. قوانين التقليد. (دراسة كلاسيكية في السلوك الجمعي والمحاكاة).
هابرماس، يورغن. التحول البنائي للمجال العام. (مرجع أساسي لتحليل دور الفرد في الفضاء العام).
عبد اللطيف، كمال. في تشريح أصول الاستبداد: قراءة في الملحوظات السياسية عند ابن خلدون. دار الطليعة، بيروت، 1999.
فرويد، سيغموند. علم نفس الجماعة وتحليل الأنا. ترجمة كامل كحالة، دار مكتبة الحياة، بيروت
#غالب_المسعودي (هاشتاغ)
Galb__Masudi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟