غالب المسعودي
(Galb Masudi)
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 20:35
المحور:
المجتمع المدني
سيميائية الإثبات والإنكار وصراع الهيمنة
تتجاوز القاعدة الفقهية الكلاسيكية المتمثلة في أن "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" حدودها القانونية الإجرائية الضيقة، لتتحول عند إخضاعها لمشرط التفكيك الفلسفي والتحليل الاجتماعي إلى نسق علاماتي معقد يضبط صراع الهيمنة بين قوى رأس المال العابر للقارات والطبقات المسحوقة. ففي محكمة العولمة الاقتصادية المتوحشة، يُجبر الفقراء والشرائح الاجتماعية الآخذة في التلاشي على تحمل عبء الإثبات المعرفي والمادي لإدانة النظام الإقصائي القائم.
يطالب هذا النظام الضحايا بتقديم أدلة رقمية، وإحصاءات دقيقة، وبيانات موثقة تثبت أن فناءهم التدريجي وموتهم البطيء ليسا نتاجاً لكسلهم الفردي، أو افتقارهم إلى الجدارة الشخصية والموهبة، بل هما نتيجة حتمية لهندسة بنيوية متعمدة صممتها النخب الحاكمة. إن الطبقات المسحوقة، بصفتها الطرف "المدعي" بمعاناته وموته الاجتماعي، تواجه بنية قضائية وسياسية معولمة تحتكر إنتاج المعرفة، وتتحكم في أدوات القياس وصناعة المعايير، مما يجعل تقديم "البينة" أمراً شبه مستحيل في ظل شروط إثبات تعجيزية ومتحيزة سلفاً.
في المقابل، تتمتع قوى رأس المال الواقعية والرمزية بامتياز "الإنكار" المطلق، المستند إلى "اليمين الحاسمة" لأيديولوجيا السوق الحرة والخصخصة. يكفي النظام الليبرالي الحديث المهيمن أن يقسم يمين الولاء لقوانين الكفاءة الاقتصادية، وحياد الدولة المفترض، ووهم تكافؤ الفرص، ليتنصل بنيوياً وأخلاقياً من مسؤولية الاغتيال الاجتماعي الممنهج للفقراء. وإذا عجز الخصم المسحوق عن تقديم البينة في ظل هذه الشروط الإقصائية، يجري إسكات صوته نهائياً عبر آلية "اليمين الحاسمة" التي تبرئ ساحة البنية الرأسمالية من جناية القتل العمد بالترك والإهمال.
يؤسس هذا الانزياح الأخلاقي والقانوني لما يمكن تسميته "حالة القبول المزمن"، حيث يتم تطبيع الفقر الشديد، والتفاوت الطبقي الصارخ، ومعدلات الوفيات المرتفعة، بوصفها معطيات طبيعية ومقبولة اجتماعياً وثقافياً وثمرة للاستحقاق الاقتصادي، بدلاً من التعامل معها كأزمات استثنائية أو جرائم كبرى تستدعي المساءلة الجنائية والسياسية للنظام المالي العالمي والدول المتواطئة معه.
التوحش والسياسات العدائية.. تشريح معرفي للموت البطيء
يقدم الفكر الفلسفي المعاصر، لا سيما أطروحات النقد الإنساني والسياسي، إطاراً بالغ الأهمية لتفسير آليات إبادة الفقراء من خلال مفهومي "الوحشية" و"سياسات الموت". وتُعرف الوحشية هنا بصفتها نمطاً معاصراً لإدارة القوة والسلطة، حيث يتوقف القتل تدريجياً عن كونه مجرد استثناء قانوني أو حالة طوارئ مؤقتة، ليتحول إلى ممارسة يومية مطبعة ومؤسسة داخل البنية المدنية للدولة. في ظل هذه الوحشية، تقترف النظم الاقتصادية المعاصرة جرائم حق عام غير معلنة ضد مواطنيها الأكثر ضعفاً، عبر تجريدهم الممنهج من إنسانيتهم، وإخفاء جثثهم الرمزية، ومحو آثار الموت الجماعي والجزئي من الفضاء العام، لضمان استمرار تدفقات الأرباح وتراكم الثروات بلا عوائق أخلاقية.
تتقاطع هذه الوحشية مع "السياسات العدائية"، وهي التوظيف المنظم للقوى السياسية والعسكرية والاجتماعية لترسيم الحدود الفاصلة بين من يُسمح لهم بالعيش والازدهار، ومن يُحكم عليهم بالموت والفناء البطيء. لم تعد السيادة الحديثة تقتصر على حق القتل المباشر بالأسلحة التقليدية، بل تتعداه إلى سلطة تدمير شروط البقاء، وتجفيف منابع الحياة، وتعمّد تعريض فئات كاملة للأخطار الجسدية والبيئية والاجتماعية. هذا النمط من الإقصاء يتبدى في مفهوم "الموت البطيء"، وهو عملية تآكل فيزيائي وصحي واجتماعي مستمر لشرائح سكانية جرى تصنيفها بنيوياً بأنها فائضة عن الحاجة، حيث يرتبط هلاكها التدريجي بتفاصيل إنتاج الحياة اليومية ذاتها، كصعوبة الحصول على الغذاء النظيف، والرعاية الصحية الأساسية، والبيئة الآمنة.
يتكامل هذا التحليل مع نظرية "العنف البنيوي" في علم الاجتماع النقدي، والتي ترى أن العنف ليس مجرد اعتداء مادي مباشر يمارسه فرد ضد آخر، بل هو كل عائق هيكلي ومؤسسي يحول دون تحقيق الإنسان لإمكاناته الجسدية والعقلية الكاملة. وتتجلى بشاعة هذا العنف في حرمان الفقراء من الأدوية المنقذة للحياة، أو تقليص متوسط أعمارهم المتوقعة بسبب الفقر وسوء التغذية والتلوث الصناعي، وهي كلها أشكال من القتل الصامت الذي تشرعنه المؤسسات والقوانين. إن العنف ليس نقيضاً للمؤسسات السياسية، بل هو الشرط العام لعملها التاريخي في العصر الراهن؛ فالمؤسسات الرأسمالية لا تعمل إلا من خلال إنتاج عنف هيكلي مستدام يعيد فرز أدوار الأفراد، ويعيد إنتاج تراتبيتهم الطبقية بقسوة بالغة الإحكام.
تحالف الرأسمالية والأنظمة الدوغماتية
لا يمكن فهم أبعاد هذه الإبادة الصامتة بمعزل عن رصد التحالف العضوي وغير المعلن بين قوى الرأسمالية المتوحشة والأنظمة الشمولية الدوغماتية. إن هذا التحالف يمثل زواج مصلحة بين غطرسة المال وبطش السلطة الاحتكارية. فالأنظمة الشمولية، باعتمادها على أيديولوجيات جامدة ومغلقة، تسعى إلى صياغة المجتمع وفق قالب عقائدي واحد لا يقبل التعدد أو النقد. تلتقي هذه الرغبة الشمولية مع حاجة الرأسمالية المتوحشة إلى بيئة مستقرة وقمعية، تضمن غياب الاحتجاجات، وتمنع تشكل النقابات المستقلة، وتسهل نهب الموارد العامة تحت شعارات الاستثمار والتنمية الوطنية.
في ظل هذا التحالف، تتحول الدولة الشمولية من راعية للمصلحة العامة إلى أداة تنفيذية لحماية مصالح القلة الاحتكارية. ويتم تسخير أدوات القمع الشرعي من قوانين ومؤسسات أمنية لإسكات أي صوت ينادي بالعدالة التوزيعية أو بوقف التغول المالي. إن الأيديولوجيا الدوغماتية هنا تعمل كمخدر موضعي ومبرر ميتافيزيقي لعنف رأس المال؛ فبينما يمتص النظام الاقتصادي دماء الفقراء، تبرر الماكينة الإعلامية الشمولية هذا البؤس بوصفه "تضحية ضرورية من أجل الوطن" أو "قدراً محتوماً" يجب الصبر عليه، مما يحرم الطبقات المسحوقة حتى من الحق في الأنين أو الوعي بأسباب شقائها.
الإبعاد القسري للكفاءات غير المنظمة أيديولوجياً
أحد أخطر تجليات تحالف الرأسمالية والشمولية هو الإبعاد القسري والممنهج للكفاءات العلمية والفكرية غير المنظمة أيديولوجياً. في هذا السياق، لا يتم تقييم العقول والخبرات بناءً على جدارتها المعرفية أو قدرتها على تطوير المجتمع، بل بناءً على مدى ولائها الأعمى للمنظومة العقائدية الحاكمة أو مدى نفعيتها لشبكات رأس المال. الكفاءات المستقلة، التي ترفض الانضواء تحت لواء الأيديولوجيا الرسمية أو الانخراط في آليات الفساد المؤسسي، تجد نفسها مقصية قسرياً ومحاصرة في مجالات عيشها.
تآكل الطبقة الوسطى والتحول نحو العمالة الهشة (البريكاريا)
لم تعد "البريكاريا" أو الموت البطيء والعنف البنيوي حكراً على الفئات الفقيرة والمهمشة تقليدياً، بل تمددا بشكل متسارع ليلتهما الطبقة الوسطى، التي طالما مثلت صمامَ الأمانِ والعمود الفقري للاستقرار السياسي والتطور الديمقراطي في المجتمعات الحديثة. ويمكن تحليل هذا التحول البنيوي من خلال رصد تشكل طبقة اجتماعية ناشئة وموسعة هي "البروليتاريا الخدمية الجديدة" أو "العمالة الهشة". تعبر هذه الطبقة عن ملايين الأفراد الذين يمتلكون شهادات علمية ومهارات عالية، لكنهم يفتقرون إلى الحد الأدنى من الأمان المعيشي، والوظيفي، والوجودي.
لقد ولدت هذه الطبقة الهشة من رحم السياسات الاقتصادية الجائرة التي فرضت "مرونة سوق العمل"، وألغت الحمايات الاجتماعية والتعاقدية التاريخية التي تم انتزاعها عبر عقود من النضال. تحولت القوى العاملة والذهنية، في ظل هذا النموذج، إلى مجرد أدوات مرنة يسهل التخلص منها في أي لحظة وفق متطلبات البورصات والمستثمرين. إن الأستاذ الجامعي والمؤسس التقني والطبيب في المستشفيات الخاصة باتوا يشتركون مع العامل البسيط في ذات القلق الوجودي والخوف من الغد، حيث تحول الجميع إلى تروس في ماكينة ضخمة لا ترحم، تنتج الثروة للقلة وتوزع الهشاشة والفقر على الأغلبية.
الفساد البنيوي كآلية سيادية لإنتاج الفناء
لم يعد الفساد المعاصر في كنف هذا التحالف يقتصر على انحرافات سلوكية فردية، أو رَشاوَى صغيرة، أو تجاوزات إدارية محدودة يمكن علاجها بالمحاسبة القانونية التقليدية، بل تحول إلى بنيوية سيادية متكاملة، والوجه الآخر لجماعات الدولة الموازية التي تفرض نفوذها المالي والسياسي بقوة السلاح والمحاصصة الحزبية والطائفية. يتضح هذا التغول من خلال دراسة حجم الأموال العامة المبددة والمنهوبة، والقطاعات الحيوية التي جرى تخريبها وتعطيلها بشكل ممنهج لفتح الباب أمام الشركات الخاصة الاحتكارية.
يتحول الفساد الهيكلي هنا من مجرد جريمة اقتصادية إلى آلية سيادية لإنتاج الموت البطيء؛ فعندما تُنهب ميزانيات المستشفيات العامة وتُعطل شبكات الأمان الاجتماعي، فإن النتيجة المباشرة هي ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض الفتاكة بين الفقراء، وانخفاض حاد في جودة حياتهم. إن الفساد والمحاصصة يعملان كأدوات قهر وتصفية غير مباشرة، تدفع بالفئات الأكثر ضعفاً نحو الموت الصامت داخل أوطانهم، أو تلقي بهم في لجة الهجرة القسرية وقوارب الموت عبر البحار بحثاً عن النجاة، مما يفرغ الأوطان من طاقتها البشرية وكفاءاتها الحية لصالح تأبيد سلطة القلة الفاسدة.
استعادة الكرامة البنيوية
تفصح القراءة الفلسفية والتحليلية المتكاملة لواقع الطبقات المسحوقة وتمدد العمالة الهشة عن حقيقة مرعبة مفادها:
أن موت الفقراء وإبعاد الكفاءات ليس حتمية طبيعية، ولا أزمة اقتصادية تقنية معزولة يمكن حلها ببعض الإصلاحات الترقيعية، بل هو عملية اغتيال سياسي واجتماعي منظم تشترك فيه كل قوى رأس المال المادية والرمزية بالتحالف مع الأنظمة الشمولية الدوغماتية. تدار هذه الإبادة الصامتة عبر أدوات فكرية وقانونية تبرئ الجناة وتحمل الضحايا المسؤولية الكاملة عن فنائهم وفشلهم.
#غالب_المسعودي (هاشتاغ)
Galb__Masudi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟