أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - شينوار ابراهيم - هل كان الماضي أجمل حقاً؟














المزيد.....

هل كان الماضي أجمل حقاً؟


شينوار ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 00:41
المحور: قضايا ثقافية
    


كثيراً ما نسمع الناس يقولون: «ليت الزمن يعود»، أو «الماضي كان أجمل». لكن هل كان الماضي فعلًا أجمل... أم أن ما نفتقده ليس الزمن نفسه، بل شيئاً آخر ضاع مع مرور الأيام؟
إذا نظرنا إلى الماضي بموضوعية، سنجد أنه لم يكن مثالياً. فقد كان مليئاً بالمرض ... الفقر ... العمل الشاق، والخوف من المستقبل. وكانت الحياة أصعب في كثير من جوانبها ... كانت الإمكانيات محدودة ولم تكن وسائل الراحة التي نتمتع بها اليوم موجودة.
ومع ذلك، يبقى للماضي مكانة خاصة في قلوبنا والسبب لا يعود بالضرورة إلى أنه كان أجمل، بل إلى الطريقة التي تتعامل بها ذاكرتنا مع الزمن.
فالحنين... أو ما يُعرف بالنوستالجيا، يجعل العقل يحتفظ باللحظات الجميلة أكثر من المؤلمة. ومع مرور الوقت تخف حدة الذكريات الصعبة، بينما تبقى المشاعر الدافئة حاضرة في الوجدان. كما أن حاضرنا مليء بالضغوط والمسؤوليات، فنقارن ما نعيشه اليوم بصورة منتقاة من الماضي، لا بالماضي كما كان في حقيقته.
هناك سبب آخر لا يقل أهمية... وهو أن الماضي معروف وانتهى، أما المستقبل فيبقى مجهولًا، لذلك يجد الإنسان شيئاً من الطمأنينة في استرجاع ما عاشه. وأحياناً لا نفتقد الزمن نفسه، بل نفتقد أشخاصاً كانوا جزءاً منه... أو مرحلة من العمر كنا نشعر فيها بخفة المسؤوليات وبساطة الحياة.
لذلك... قد يكون ما نشتاق إليه ليس الماضي نفسه، بل الإحساس الذي كنا نعيشه فيه.
لكن إذا تأملنا أكثر، سنكتشف أننا لا نشتاق إلى قسوة الماضي، بل إلى دفئه الإنساني... نشتاق إلى زمن كانت العلاقات فيه أكثر قرباً... كان الناس يمنحون بعضهم بعضاً وقتاً حقيقياً. لم يكن الجميع أصدقاء... ولم تكن الحياة مثالية، لكن كان هناك تواصل بين الناس. كان الجار يعرف جاره .... يقف إلى جانبه في المرض والفرح .... كانت صلة الأقارب والأصدقاء جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، لا مناسبة استثنائية.
في المساء، كانت العائلة تجتمع حول المدفأة في الشتاء... أو حول مائدة الطعام ... تمتد الأحاديث طويلاً. كان الجميع حاضراً بجسده وقلبه، يستمع ... يتحدث ويضحك. لم يكن هناك إشعار يقطع الحوار... ولا هاتف يسحب الانتباه... ولا خوف دائم من أن يفوتنا خبر أو رسالة أو مقطع جديد على وسائل التواصل.
ربما كان أعظم ما ميّز تلك الأيام هو الثقة. لم تكن الحياة خالية من المخاطر، لكنها لم تكن محكومة بالخوف كما هي اليوم. كان الأطفال يخرجون إلى الشارع... يلعبون حتى يحل المساء... يتعرفون إلى العالم من حولهم بعفوية. كانت العيون الكثيرة في الحي تشعر الأهل بشيء من الطمأنينة، لأن المجتمع نفسه كان يشارك، بصورة تلقائية، في حماية أفراده. لم يكن ذلك يعني أن الماضي كان أفضل في كل شيء، لكنه كان يحمل قدراً من الثقة المتبادلة نفتقده اليوم.
أما اليوم... فقد أصبح الهاتف حاضراً في كل لحظة من حياتنا. نجلس معاً، لكن كل واحد يعيش في عالمه الخاص. نجتمع حول مائدة واحدة، بينما تتجه الأعين إلى الشاشات أكثر مما تتجه إلى وجوه من نحب. أصبحنا نخشى أن يفوتنا شيء على الإنترنت، بينما يفوتنا الكثير في الحياة الواقعية.
المفارقة أننا نعيش في عصر لم يعرف التاريخ مثله من حيث وسائل التواصل... ومع ذلك يشعر كثير من الناس بوحدة لم تكن مألوفة من قبل. أصبح الوصول إلى الآخرين أسهل، لكن الوصول إلى قلوبهم أصعب. كثرت الرسائل... قلَّت الأحاديث ... ازدادت المتابعات وتراجع الإصغاء. أصبحنا متصلين بالعالم كله، لكننا في أحيان كثيرة منفصلون عمّن يجلسون إلى جانبنا...
ربما لم يكن الماضي أجمل لأن الحياة كانت أسهل، بل لأن الإنسان لم يكن يواجهها وحده. كان يشعر بأنه جزء من نسيج اجتماعي يشاركه الفرح ... يخفف عنه الحزن ويمنحه شيئاً من الطمأنينة. أما اليوم، فرغم كل ما نملكه من وسائل الراحة والتقنية، أصبح كثير منا يعيش عزلة لا يشعر بها إلا عندما يفتقد ذلك الدفء الإنساني الذي كان يمنحه المجتمع بصورة عفوية.
لعل أجمل تعبير عن هذا المعنى هو أن الحنين ليس إلى الأماكن ولا إلى السنوات التي مضت ... بل إلى الإنسان الذي كنا عليه عندما عشنا تلك الأيام...
فنحن لا نشتاق إلى المرض ... الفقر أو قسوة الحياة، بل نشتاق إلى العطف... إلى الإصغاء وإلى الجلسات التي كانت تُبنى على الحضور الحقيقي لا على وجود الهواتف.
ربما لا نستطيع أن نعيد الماضي... ولا ينبغي لنا أن نتمنى العودة إلى كل ما كان فيه من صعوبات... لكننا نستطيع أن نستعيد أجمل ما فيه: أن نغلق هواتفنا لبعض الوقت ... أن ننظر في وجوه من نحب ... أن نستمع إليهم كما كنا نفعل يوماً.
فربما ليست المشكلة أن الماضي كان أجمل... بل أن الإنسان كان أقرب إلى الإنسان.



#شينوار_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشلل الدماغي بين الاضطراب العصبي والاختلال المنظومي
- حدائقِ الغرام
- فقاعات في ذاكرة المطر
- الطفل ليس مشروع امتلاك
- حديث الغد
- مرايا الجليد… أنتِ
- غزال مولان: ظلّ لا يُدفن
- نشيدُ العودة ... نيسانُ لالش
- روجآفا… نبض الحياة
- “مَلين”… “دِلين”… أسماء في أفواه السماء
- كأنك لم ترحل
- لا أحد يملك مفاتيح السماء
- الخوف عند الطفل: بين الوظيفة الطبيعية والضغوط الحديثة
- عسر القراءة (Dyslexia): الأسس العصبية والمعرفية والتداعيات ا ...
- داعش… قراءة في جذور التطرف
- إلى إخوتي في الإنسانية...
- أحمد هيمن… من كركوك إلى الخلود
- شتاء كوباني
- إلى من يختبئون خلف العمائم في كوردستان
- ثقافة المجاملة في النص الشعري… حين يتحوّل التصفيق إلى عائق


المزيد.....




- ترامب يستبق قمة الناتو باتصال مع بوتين
- كونستانتينوفكا.. ضربة للناتو قبيل القمة
- 250 شمعة.. وكالة الانباء الصينية تهنئ الولايات المتحدة بعيد ...
- نتنياهو.. تراجع الشعبية وأزمة الانتخابات
- تحطم طائرة مائية في النهر الشرقي بنيويورك
- موسكو: انخراط الغرب حوّل عمليتنا إلى حرب
- أوروبا تتوجه لتركيا لشراء أجهزة التكييف
- عون: لست معجبا بإسرائيل
- الحوثيون يعلنون استمرار تشغيل مطار صنعاء دون إذن التحالف ويج ...
- فايننشال تايمز: الاستخبارات الأمريكية تساعد أوكرانيا على تخط ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - شينوار ابراهيم - هل كان الماضي أجمل حقاً؟