أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شينوار ابراهيم - فقاعات في ذاكرة المطر














المزيد.....

فقاعات في ذاكرة المطر


شينوار ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 23:49
المحور: الادب والفن
    


في الأزمنة التي كانت فيها ليالي الشتاء أطول من الطرق ...كانت النار تتوسط البيوت الطينية فيما تلتف العائلات حول دفئها هرباً من برد الجبال القاسي، لم تكن الحكايات مجرد وسيلة لتمرير الوقت، بل كانت شكلاً من أشكال الذاكرة الحيّة، تنتقل من فمٍ إلى آخر... من قلبٍ إلى قلب...
هذه واحدة من تلك الحكايات الكوردية القديمة التي كانت تُروى في الليالي الباردة، حين كان الكبار يفتحون بالكلمات أبواباً لعوالم بعيدة .... حين كانت النار تخفت ببطء بينما تبقى الحكايات مشتعلة في أعماق الذاكرة.
كانت والدتي تروي لي هذه القصة، وقد سمعتها بدورها من والدتها، لتصلني بعد رحلة طويلة عبر الأجيال... محمّلةً بأصوات الذين رحلوا وببقايا الأزمنة التي سبقتنا.
وربما لهذا السبب لا تبدو بعض الحكايات وكأنها تُروى، بل وكأنها تعود من مكان بعيد لتُستدعى من جديد.
يُقال إن رجلين من قرية نائية أنهكها الفقر حتى صار حاضرها ضيقاً مثل رغيف لا يكفي الجميع... قررا أن يتركا خلفهما كل ما يعرفانه ويتوجها إلى المدينة بحثاً عن عمل.... على أمل أن يعودا يوماً وقد خفّ ثقل الشتاء عن بيوتهما.
سيبان ومراد ... تركا خلفهما أطفالاً ... نساءً وبيوتاً تعرف صوتهما أكثر مما يعرفان الغربة ... سارا نحو مدينة لا ترحم من لا يملك سوى الأمل.
في المدينة وجدا عملاً بعد زمن ليس بالقليل.
كان سيبان يعود كل مساء إلى غرفته الصغيرة في أطراف المدينة... ينام متعباً كأنه يضع يومه كله على وسادة واحدة... ثم يستيقظ ليبدأ من جديد.
أما مراد... فكان يضيع ما يكسبه في ليالٍ طويلة لا تشبه النهار... كأن المال عنده شيء لا يستقر في يد....
مرت الأيام... حتى جاء الوقت الذي قررا فيه العودة إلى قريتهما.
لكن الطريق إلى القرية لم يكن كما خرجا منه.
كان مراد خالي اليدين... لا يملك ثمن العودة ولا ما يواجه به عيون الناس، بينما كان سيبان قد جمع شيئاً قليلاً من المال... واشترى ما يستطيع من هدايا لأطفاله وزوجته.
لم يكن أمام مراد سوى أن يعود معه.
في الطريق... بين الجبال التي تبدو كأنها تنصت لكل ما لا يُقال، بدأ شيء ثقيل يتحرك داخل مراد.
لم يكن فقراً فقط، بل خوفاً أكثر عمقاً... خوف من العودة بلا شيء... من الوقوف أمام الأطفال... من نظرات القرية ....من صمت السؤال حين لا يجد جواباً....
مع اقتراب الليل... حين بدأت الطرق تفقد ملامحها، لم يعد مراد يرى أمامه إلا احتمالاً واحداً يتضخم في داخله حتى ابتلع كل الاحتمالات الأخرى.
اقترب من سيبان بصمت يشبه الارتجاف ...قال بصوت خافت:
ـ اعذرني…
لم يُكمل جملته.
كان سيبان قد فهم قبل أن تُقال الحقيقة، كأن الهواء نفسه صار أثقل من أن يُحتمل....
قال سيبان بهدوء:
ـ لدي أطفال ينتظرونني… لا تجعل الطريق ينتهي هناياصديقي....
سكت مراد لحظة.
...في تلك اللحظة لم يكن يرى رجلاً أمامه... بل يرى نفسه حين يعود: بلا وجه... بلا تفسير... بلا مكان في ذاكرة أحد.
قال سيبان وهو ينظر إلى الأرض المبللة بالمطر:
ـ هل ترى فقاعات المطر يا مراد؟
قال مراد:
ـ نعم…
قال سيبان:
ـ لا شيء يختفي تماماً… حتى ما يُدفن في الأرض يترك أثره في الهواء.
لكن مراد لم يعد يسمع سوى صدى خوفه.
في لحظة واحدة انقطع ما تبقى من تردده.
مضت الأيام بعدها كأنها تمشي فوق جرح لا يريد أن يلتئم.
عاد مراد إلى قريته وحيداً.
في يده ما لم يعد يشبه المال... بل يشبه ثقلاً لا اسم له.
مرت السنوات .... كأن الزمن يمر فوق سطح ماء ساكن.
في يوم ماطر من الربيع... كان مراد واقفاً أمام نافذته ينظر إلى الأرض.
كانت فقاعات المطر تتشكل ثم تختفي في صمت، كأنها تهمس بشيء لا يُقال.
فجأة ضحك.... ضحك طويلًا دون أن يعرف لماذا.
سألته زوجته:
ـ لماذا تضحك؟
قال:
ـ لا شيء…
لكن المطر لم يكن صامتًا في داخله...
مع الأيام صار كل مطر يفتح باباً صغيراً في ذاكرته لا يُغلق بسهولة.
حتى ضاقت به زوجته... وقالت:
ـ إما أن تخبرني بالحقيقة أو لا أستطيع البقاء.
فسكت طويلاً ... ثم قال:
ـ هناك أشياء لا تموت حين تُقال… بل تبدأ حياتها الحقيقية.
أخبرها بكل شيء....
منذ تلك اللحظة... لم يعد السر ملكاً له وحده.
مرت الأيام ... تحوّلت حياته إلى شيء يتآكل بصمت... حتى انتهت بالانفصال.
بعد الطلاق.. خرجت الحقيقة إلى العلن... كما تخرج الأشياء التي تتعب من البقاء في الظل...
هكذا لم يعد السر سراً. لكن ما بقي لم يكن الحكاية، بل أثرها...
ربما لم تكن فقاعات المطر هي التي كشفت السر، بل ذلك الشيء الصغير الذي يسكن الإنسان ولا يموت... حتى حين يظن أنه دفنه إلى الأبد.
فالأسرار لا تنام في الأرض... بل تبقى واقفة في الظل... تنتظر لحظة تشبه الضوء لتخرج من صمتها.
لهذا لم يكن مراد يهرب من الناس... بل كان يهرب من نفسه.... لم يكن يخاف العيون... بل تلك اللحظة التي يتحول فيها المطر من ماء عابر إلى ذاكرة تتكلم....
هكذا... تعلّم من يشبهون مراد أن الزمن قد يؤجل الحقيقة...لكنه لا يلغيها... وأن ما يُخفى عن العالم يبقى حياً في مكان آخر لا يراه أحد... لكنه لا ينسى.



#شينوار_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطفل ليس مشروع امتلاك
- حديث الغد
- مرايا الجليد… أنتِ
- غزال مولان: ظلّ لا يُدفن
- نشيدُ العودة ... نيسانُ لالش
- روجآفا… نبض الحياة
- “مَلين”… “دِلين”… أسماء في أفواه السماء
- كأنك لم ترحل
- لا أحد يملك مفاتيح السماء
- الخوف عند الطفل: بين الوظيفة الطبيعية والضغوط الحديثة
- عسر القراءة (Dyslexia): الأسس العصبية والمعرفية والتداعيات ا ...
- داعش… قراءة في جذور التطرف
- إلى إخوتي في الإنسانية...
- أحمد هيمن… من كركوك إلى الخلود
- شتاء كوباني
- إلى من يختبئون خلف العمائم في كوردستان
- ثقافة المجاملة في النص الشعري… حين يتحوّل التصفيق إلى عائق
- ضفائر الجبال
- خطى الجبال
- خرافة “إنجاب الذكر”: حين يُعاقَب الجهل امرأة


المزيد.....




- الروائي محمد تركي الدعفيس: المنفى يخلّف ندوبا والحنين محرض د ...
- بمساعدة الذكاء الاصطناعي.. الموسيقي صامويل سميث يهزم -باركنس ...
- لسان آدم وأصل الحضارة: هل اللغة العربية هي المنطلق الأول للأ ...
- زخاروفا: الاستهداف المتعمّد للمواقع الثقافية أو تدميرها بشكل ...
- الرسوم الدراسية العالقة تحاصر أحلام الخريجين في غزة
- كريم عبدالعزيز يبدأ تصوير فيلم -الفيل الأزرق 3-
- إحصائيات تشير لتصدر فيلم -7DOGS-.. ومحمد رمضان يواصل الحديث ...
- فرنسا: فيلم -معركة ديغول- يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شينوار ابراهيم - فقاعات في ذاكرة المطر