أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - الخسارات التي لا تعزى














المزيد.....

الخسارات التي لا تعزى


مهند كاظم محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 23:53
المحور: قضايا ثقافية
    


المهندس مهند كاظم محمد



ليست كل الخسارات تُعلَن على الملأ، وليست كل الأحزان ترتدي السواد، فهناك خسارات تمضي بصمت، لا يراها أحد، ولا يسمع أنينها سوى صاحبها. خسارات لا تُقام لها مجالس عزاء، ولا تتلقى بسببها كلمات المواساة، لكنها تترك في القلب فراغاً قد لا يملؤه شيء.

نحزن حين نفقد شخصاً عزيزاً، وهذا أمر مفهوم ومألوف، لكن ماذا عن الأحلام التي عاشت معنا سنوات طويلة ثم ماتت قبل أن ترى النور؟ ماذا عن تلك الطموحات التي رسمنا لها الطرق، وبنينا لها الآمال، ثم اكتشفنا في منتصف الطريق أنها لم تعد ممكنة؟ من يعزينا في حلمٍ قضينا أعمارنا ننتظره ثم غادرنا دون وداع؟

هناك خسارة أخرى لا تقل وجعاً، حين يفقد الإنسان نسخةً قديمة من نفسه. ذلك الشاب المليء بالحماس، أو تلك الفتاة التي كانت ترى العالم بعينين ممتلئتين بالدهشة. تمر السنوات، وتتراكم التجارب، ويكتشف الإنسان أنه لم يعد كما كان. بعض ما نفقده من أنفسنا لا يعود أبداً، ومع ذلك لا أحد يلتفت إلى هذا الفقد الخفي.

ونخسر أحياناً أشخاصاً ما زالوا على قيد الحياة. لا يموتون، لكن المسافات تكبر بينهم وبيننا. تتراجع الأحاديث، وتبهت الذكريات، وتتحول العلاقة التي كانت يوماً جزءاً من تفاصيل حياتنا إلى مجرد اسمٍ عابر في قائمة الهاتف. لا خصام حدث، ولا خلاف كبير وقع، لكن الزمن أخذ ما كان بيننا بهدوء، حتى أصبحنا غرباء تجمعنا الذكريات فقط.

ومن الخسارات التي لا تُعزّى أن يضطر الإنسان إلى التنازل عن جزء من ذاته كي يستمر. أن يكتم رأياً، أو يؤجل رغبة، أو يدفن موهبة، أو يتخلى عن شغف أحبه كثيراً لأن ظروف الحياة لم تمنحه فرصة الاستمرار. قد يراه الآخرون ناجحاً، لكنه وحده يعرف حجم الأشياء التي اضطر إلى تركها خلفه.

ولعل أكثر الخسارات ألماً هي تلك التي لا نستطيع شرحها للآخرين. كيف يمكن للمرء أن يصف شعوره وهو يرى العمر يمضي أسرع مما توقع؟ أو وهو يكتشف أن بعض الأمنيات لم يعد لها مكان في المستقبل؟ أو حين يشعر أن شيئاً ما انطفأ داخله دون أن يعرف متى وكيف حدث ذلك؟

الحياة لا تسرق منا الأشخاص فقط، بل تسرق مراحل كاملة، وأحلاماً، وفرصاً، وأوقاتاً، وأماكن، وحتى مشاعر كنا نظن أنها ستبقى إلى الأبد. وكلما تقدم بنا العمر أدركنا أن سجل خساراتنا أكبر بكثير مما كنا نتصور.

ومع ذلك، فإن جمال الإنسان يكمن في قدرته على الاستمرار. فبرغم الخسارات التي لا تُعزّى، ينهض كل صباح، ويواصل طريقه، ويزرع أملاً جديداً في أرضٍ أنهكتها الخيبات. وربما لا تكمن قوة الإنسان في أنه لا يخسر، بل في أنه يتعلم كيف يحمل خساراته بصمت، ثم يمضي.

فليست الحياة رحلة من الانتصارات المتواصلة، وإنما هي فن التعايش مع ما فقدناه، دون أن نفقد أنفسنا معه.



#مهند_كاظم_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النوم والدماغ والسهر
- عقل الصف وذكاء التقنية
- أبطال بلا تصفيق
- حين يصبح المريض رقما!!!
- تقنية النانو تكنولوجي
- التقاعد الوظيفي
- ثقافة الانجاز الوهمي
- لماذا يحن الناس الى الماضي رغم صعوبته
- هل ما زال للكتاب مكان في حياتنا؟
- الامتحانات العامة مسؤولية مشتركة
- الأمن السيبراني: المفهوم والتطبيقات والتحديات والمستقبل
- قلة احترام الوقت في مجتمعاتنا
- الاعتذار أصعب من الخطأ نفسه
- التطور المتسارع في السيارات الهجينة دراسة مقارنة بين النماذج ...
- نعيش لنُرضي الآخرين… فمتى نعيش لأنفسنا؟
- الأبعاد الجيوسياسية للبث الإذاعي والقنوات العابرة للحدود تأث ...
- التدخين أمام الأطفال… عادة الكبار وثمن الصغار
- حين تتغير القيم… هل يتغير المجتمع أم نحن؟
- بين الحرية في منصات التواصل الاجتماعي ومسؤولية المحتوى كيف غ ...
- مفهوم الهندسة العكسية واستثمارها في الصناعة الحديثة


المزيد.....




- ميلانيا -تتجاهل- حظر ترامب لوسائل إعلام.. ما القصة؟
- ترامب يوقع اتفاقاً يعزز الانتشار العسكري الأمريكي في غرينلان ...
- واشنطن ستستقبل 17.5 ألف لاجئ من ذوي البشرة البيضاء من جنوب إ ...
- موسكو تختتم النسحة الـ15 من مهرجان الدراجات النارية بعروض مب ...
- الشرع يشرح للمجلس الأطلسي اجراءات تفكيك الفصائل وسبب رفضه لـ ...
- في نيويورك.. الزيدي والشرع يبحثان تطوير العلاقات الثنائية ود ...
- تحذيرات من عاصفة مغناطيسية قد تضرب الأرض قريبا
- من إيران لأوكرانيا.. سلام ترامب الموعود
- الشرع يوضح شروط سوريا للوصول إلى سلام دائم مع إسرائيل ويؤكد ...
- نائب لبناني يكشف لـRT سبب تأجيل المفاوضات اللبنانية-الإسرائي ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - الخسارات التي لا تعزى