أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد أبو قمر - زينب















المزيد.....

زينب


محمد أبو قمر

الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 22:47
المحور: الادب والفن
    


لا أتقن الرسم ، ولم أحاول أبدا أن أرسم شيئا ، لكنني بالأمس عانيت من صداع كاد أن يفجّر رأسي ، ولمّا لم أستطع النوم فقد حاولت تسلية نفسي بأي شيء يلهيني عن ألم الصداع ، مسكت القلم وقلت في نفسي لماذا لا أحاول رسم أي شيء ، وبالفعل بدأت الخطوط التي أرسمها تتشكل ، ويخيل لي أن البنت التي تشكلت في البداية من هذه الخطوط تشبه تماما زينب إبنة الشيخ سليمان مؤذن مسجد الحاره ، نفس عيون زينب ، نفس قوامها ، نفس أنفها الدقيق ، حلوه ، تربط شعرها دائما علي هيئة ذيل الحصان ، نحيله ، عودها مستقيم ، نهداها بارزان ومستديران بعناية كحبتي برتقال وأظن أنهما ينبضان ، ورغم أن زينب تبدو خجوله إلا أنني بعد اكتمال رسمها لم أستطع إطالة النظر في عينيها من قوة الضوء الذي يشع منهما .
يبدو أنني لم أرسمها وحدها لأنني حين أنهيت رسمها فوجئت بها تقفز قفزات رشيقة كما تفعل العصافير حتي صارت في مقدمة اللوحة ، واقترب وجهها من وجهي ، وبدت أمامي مشرقة بابتسامتها الواسعة وشفتيها الورديتين ، رأيتها حينئذ تجذب أباها من يده بدلال واضح وتنتحي به بعيدا عن أمها وتقول له :
مش إنت كان أملك يابابا إن اتجوز بعد ما آخد البكالوريوس علي طول؟
انفرجت أسارير الرجل وبحنان قال لها :
دا يوم المني يازينب ، إنتي وحيدتي وكل ما أتمناه هو أن تكوني سعيده ، ثم سألها : ها!! ، حد كلمك؟ .
ردت زينب بسرعه :
شاب كويس يابابا ، مهندس وبيعمل دراسات عليا ، وعنده طموح يابابا ، وعنده أمل إنه يبقي زي المهندس المصري المشهور هاني عازرا إللي عمل محطة قطارات برلين ، بس كل أمل فوزي إنه يعمل لمصر أحسن من إللي عمله هاني عزرا لألمانيا.
سألها أبوها :
هو إسمه فوزي؟ ، فوزي إيه؟ ، من عيلة مين؟.
يبدو أن زينب كانت منفعله ومتحمسه وفرحانه مما جعلها لا تنتبه لأسئلة أبيها ، ولذلك واصلت كلامها قائلة :
لمّا تقابله يابابا هاتشوف في عينيه أد إيه هو راجل وشهم وطيب وهاتعجبك أفكاره وهاتعرف إزاي بيحترمني ، وعلي فكره يابابا فوزي بيشجعني علشان أعمل دراسات زيه ووعدني إنه هايساعدني وهايعمل المستحيل علشان أنحج .
في هذه اللحظة بالتحديد يبدو أنني أردت أن أتدخل في الرسم لكي أجبر زينب علي الانتباه لأسئلة الرجل وحتي يكون رسمي منطقيا ، لكنني حين مددت القلم في اتجاه زينب لكي أعدل في الرسم وأجعلها تجيب علي سؤال أبيها خُيّل لي أنها مدّت يدها مت داخل اللوحه ولكمتني لكمة قوية في عيني كي أتوقف عن متابعتها.
توقفت أنا عن الرسم ، كانت عيني تؤلمني ، وبدأت أشعر من جديد بألم الصداع ، لكن يبدو أن والد زينب قد لاحظ ما حدث إذ علا صوته وهو يلومها قائلا :
إنتي بتلطشي يمين وشمال كده ليه ، إيدك كانت هاتيجي في وشي ، إثبتي كده وحطي إيدك جنبك وقوليلي فوزي دا منين ، ومن عيلة مين ، وعرفتيه إزاي؟.
كانت ملامح الرجل قد تغيرت ، وبدا حادا في كلامه وجادا ، وخشيت أنا من أن يعنف زينب أو يقدم علي تصرف يجعلني أندم علي رسمه خصوصا وأنا أعرفه عصبي ففي أدائه للآذان بصوته الخشن يكون كأنه يتعارك مع الميكرفون أو كأنه يريد أن يلتهمه ، تعمدت فورا أن أجعل زينب تستدير وتعطيه ظهرها وينتابها بعض الخوف وتمكنت بسن القلم أن أجعل كيانها كله يرتعش وهي تقول في انكسار واضح :
أنا بحبه يابابا ، فوزي زميلي من أيام ما كنّا سوا في الابتدائي ، مافترقناش ولا يوم يابابا ، كان بيجيبلي عسليه وشيكولاته كل يوم بمصروفه ، وكان بيشيل شنطتي لما تكون تقيله ومش قادره أشيلها ، وهو إللي خلاني أحب الحساب ، وبفضل فوزي يابابا كنت بطلع الأولي في الانجليزي ، ورغم إنه كان في كلية تانيه غير الكليه بتاعي كان بيجي يوصلني كل يوم لغاية باب البيت ، وغير كده يابابا فوزي إنسان ناجح ومحترم.
أنا بقلمي من أسقط الدموع بغزارة من عينيها وجعلتها تنتحب وهي تقول :
بحبه ، بحبه يابابا ، وهو بيحبني ، ولما أبوه طلب منه إنه يبعد عني وينساني كان عايز يرمي نفسه في النيل ، بس لما عرف إني هارمي نفسي وراه رجع في كلامه علشان خاطري .
داهمني الصداع مرة أخري وجعلني أتوقف عن الرسم ، وانتابني شك عميق في أن زينب تخفي شيئا بخصوص فوزي ، وربما هي تخشي أن يرفض أبوها زواجها من فوزي إن هي أفصحت له عن هذا الشيء .
تمنيت في هذه اللحظه أن يكف الشيخ سليمان عن أسئلته التي جعلت زينب تنهار هكذا وتكسر قلبي .
أمسكت بالقلم وفي نيتي أن أرسم بعض الخطوط التي تعيد الابتسامة علي وجه زينب وتجعلها تفصح عن هذا الشيء الذي تخفيه ولكي أري كيف سيكون رد فعل الشيخ سليمان .
عند اول خط وضعته علي شفتيها فاجأتني زينب وهي تصرخ في وجه أبيها قائلة :
أنا ذنبي إيه إن فوزي مسيحي ، وهو ذنبه إيه إن أنا مسلمه!! ، ثم قالت له :
أنا عارفه إنك مش هاتوافق ، وهاتقولي إنه كافر ، وإن ارتباطي به في شرعك يُعتبر زنا ، إنما جوازك علي أمي من واحده مسيحية حلال ومنتهي الشرف
المفاجأه أخرست أباها وجعلته وكأنه تلقي ضربة قاصمة علي رأسه ، جحظت عيناه ، وانتفخ وجهه ، وفتح فمه عن آخره ، وراح يتلفت يمينا ويسارا وكأنه يبحث عن شيء يحطم به رأس إبنته.
المفاجأة الأخري التي جعلت ألوان اللوحة تختلط ببعضها هي ظهور فوزي عند الباب ، شاب وسيم ، عيناه واسعتان يُطل منهما خليط من البراءة والقوة والعزيمة والحنان والحب ، يتموج في سمار وجهه زبد فضي مضيء يشبه الموج الخفيف الذي يتهادي علي صفحة النيل ، كان والد زينب في هذه اللحظة قد التقط سكينا وهمّ بأن يغرسه في صدر ابنته ، لكن زينب كانت قد ارتمت في أحضان فوزي الذي قال للرجل : اقتلني أنا ودعها هي تعيش ، حينئذ اضطربت اللوحة أمامي وسقط القلم من يدي ، ولا أعرف من أين كانت تصدر هذه الأصوات الغليظة التي تقول :
كافر....زنا....الرجم...اقتلوهم.....الجحيم....الموت لأعداء الله..كانت هذه الأصوات تكاد تمزق اللوحة ، ولا أعرف كيف اختفي فوزي وكيف استحالت كل ألوان لوحتي إلي لون الدم ، وكأن زينب قد تبخرت ولم يبق منها في فضاء اللوحة غير قرطها وخصلة من شعرها ، ولا أعرف كيف امتلأت لوحتي بهذه الوجوه المخيفة الأمر الذي أرعبني وجعلني أصرخ مستغيثا .
كان الصداع قد حطمني ، ارتميت علي السرير وغرزت وجهي تحت المخدة وروحت أبكي.



#محمد_أبو_قمر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ساندي
- ليلة الدخله
- المراجيح
- بين الدين والسياسه
- ليلة القدر
- لبنان ضحية من ؟؟
- حرب النصوص
- ثلاثة أرباع الدين
- في اللغة المصرية
- روح نيلسون مانديلا
- حقائق وأوهام
- العاشقان
- الخرابه
- جوهره
- عشوائيات دينية
- الهوس بالفصحي
- مشاريع الوهم
- الفصحي مش لغتنا
- قاسم وراشيل
- قراءه بالمقلوب


المزيد.....




- صراع الروايات حول مرتفعات علي الطاهر: الاحتلال يزعم السيطرة ...
- حذف وثائق من حواسيب الشرطة الإسرائيلية مرتبطة بالحفل الموسيق ...
- وفاة الفنان قادر إنانير أحد أبرز نجوم السينما التركية إثر وع ...
- وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س ...
- وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س ...
- من قلب الركام.. شقيقتان تؤسسان -سينما هوس- لإعادة البهجة لأط ...
- من فوهات انفجارات لإطارات أفلام.. شقيقتان تطلقان -سينما هوس- ...
- -المشهد كان أشبه بفيلم رعب-.. ماذا نعرف عن أكبر زلزال يضرب ف ...
- السلطات الإستونية تأمر بإزالة الرموز السوفيتية من المركز الث ...
- -حدث أسطوري-.. بوتين يشيد بمسابقة موسكو للباليه


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد أبو قمر - زينب