محيي المسعودي
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 18:52
المحور:
قضايا ثقافية
(الحرب لا تحدد من هو على حق بل من هو باق على قيد الحياة)
شهدنا خلال العقود الثلاثة الاخيرة موقفا مزريا لأغلب المثقفين والادباء والاعلامين والمشاهير العرب, الذين ظل اغلبهم صامتا او متغافلا عن الحروب الظالمة التي شنتها دولة الاحتلال الصهيوني "اسرائيل" او الغرب او كليهما معا على بلدانهم او بلدان مجاورة لهم , بدءاً بحرب الخليج الثانية التي شنتها امريكا ودول اوروبية وعربية على العراق مرورا باحتلال العراق وليبيا والحرب على اليمن والحرب الصهيونية الامريكية الغربية على لبنان وسورية وصولا للإبادة الجماعية التي ارتكبتها " اسرائيل" والغرب بحق سكان غزة الفلسطينيين وجنوب لبنان وانتهاء بحربي " اسرائيل" وامريكا على ايران وجنوب لبنان .
في كل هذه الحروب ظل المثقف العربي صامتا متغافلا مستكينا في احسن احواله بل, صار بعضهم اداة في التعبئة للحرب ضد بلدانهم او بلدان اشقائهم فصار يتبنى الرواية الحربية والسياسية الغربية المعادية لحقوق شعبه او الشعوب المستضعفة , ويأتي هذا التبني لرواية المعتدي الظالم بسبب الاستلاب الثقافي الغربي لهذا المثقف , وقد يعي بعض المثقفين هذا الاستلاب ولكنه يظل اسيرا له من باب تغطية عورته الثقافية والنفسية التي جعلته يظن ان تبنيه للرواية الغربية العدوانية يمنحه سمة وصفة العارف والمثقف الليبرالي بينما هو يدخل تحت مسمى "عبيد المنازل" كما كان يطلق على العبيد في امريكا, وهوبهذا الموقف يخدم استعمار "كولونيالي" خاصة وهو يسعى الى التطبيع مع كيان يقوم على خرافة من الخرافات الدينية البائدة . ولان اغلب المثقفين العرب بلا وعي حقيقي ولا فكر ثاقب ظل بعضهم صامتا وهو يحرص على مصالحة الضيقة المتمثلة بعضها بالحصول على جائزة ما او عملا ما او دعوة او حتى زيارة ما الى بلد ما قد يحول دونها موقفه المناهض للحرب الظالمة على بلده او بلدان شقيقة لبلده بل او حتى انتقادة لجرائم الابادة الصهيونية .
حتى المؤسسات المدنية التابعة للمثقفين العرب مثل اتحادات الادباء والجمعيات الثقافية والفنية والرابطات والنقابات الاعلامية والصحفية وما شابهها لم تقم باية تظاهرة ثقافية او مهرجان او وقفة حقيقة ومؤثرة ضد الحروب الظالمة التي واجهتها شعوبهم وخاصة في غزة ولبنان بل وجدنا بعضها بافرادها يحرضون ضد مقاومة شعبوهم للعدوان ويدينون مقاومة الشعب الفلسطيني واللبناني للمحتل الذي ارتكب ويرتكب جرائم ابادة ضد الانسانية بحق الشعبين الفلسطيني واللبناني ويحتل اراضيهم .
للاسف , ظل المثقف العربي مختبئا خلف وهم رسخته فيه العولمة الثقافية الغربية التي احدثت تحولاً جذرياً في بنيته الشخصية ووعيه وثقافته وفُرضت عليه الهيمنة الفكرية عبر آليات القوة الناعمة والتدفق المعلوماتي، مما أدى إلى الاستلاب الثقافي الذي تبني – ادوات له - معايير الحداثة الغربية كنموذج وحيد للرقي، وهذي الحال خلقت فجوة بين المثقف العربي وموروثه الشعبي الاجتماعي والديني والاخلاقي والانساني ، ودفعته لمحاكاة الأنماط الغربية دون نقد مبني على اسس وثوابت نابعة من ذاته الاصلية النقية ومن ثقافته العربية ووجدانه الخام قبل وقوعه اسيرا للاغواء الثقافي الغربي وتلوثه به .
ومن هنا نجد ان المثقف العربي قد وقع في مأزق "الأصالة والمعاصرة"، حيث يجد نفسه مشتتاً بين الرغبة في الاندماج الثقافي العالمي وتقديم ابداعاته الخاصة به وبجغرافيته والحفاظ على الهوية الثقافية الوطنية العربية الشرقية التي تنبت في ذاته كما يظن, ولكنه يجتزها كالعشب الضار او الشَعر الزائد دون وعي او بوعي مُضَلِل او تزيفا من اجل مكسب ما .
ولان الهيمنة الثقافية الغربية كانت الاقوى بادواتها واغراءاتها وجدنا المثقف العربي تابعا باهتا للثقافة الغربية وحياتها واعتماده شبه كلي على النظريات النقدية والفلسفية الغربية (مثل التفكيكية وما بعد الحداثة وما بعدها وما كان قبلها ...) في تحليل الواقع العربي، مما جعله يُقدم قراءات مسخ ومشوهة لواقعه ومستقبله وثقافته لانها لم تراعِ خصوصية كينونة المحلي بكل جزئياته . فتغلغلت القيم الفردية والاستهلاكية التي تروج لها العولمة، مما أضعف دور المثقف كحامل لمشاريع التغيير الاجتماعي الكبرى والمشتركة التي تخرج الثقافة في زمن الحروب عن كونها ترفاً فكرياً، بل تصبح خط الدفاع الاهم ولاخطر والأخير عن الحق الانساني في الحياة والعدالة والحرية (العيش الكريم) ويصبح من واجبها كشف ومحاربة الظلم والاستبداد والتضليل الاعلامي الذي يمارسه القوى الظالم على الضعيف والمستضعف المظلوم . بينما يجب ان يكون واجب الثقافة ايضا هو تحريض الشعوب على استنهاض قدراتها الاخلاقية والوجدانية ضد الظلم والوقوف مع المظلوم ضد الظالم عملا بسجية الانسان السوي وبهذا الدور فان الثقافة تحافظ وتحمي الهوية الإنسانية النبيلة وذاكرتها المشرقة .
وبينما تدمر الأسلحة الفتاكة المظاهر المادية – في الحروب - فأنها تدمر معها ايضا القيم والاخلاق السامية والمعتقدات الانسانية الخيرة والنبيلة اذا لم تواجهها قوة رادعة على نفس المستوى او اعلى ، والحال هذه فان الثقافة تسعى لترميم الوجدان الانساني ومنع انكسار الروح المعنوية للشعوب المكلومة وليس الى صياغة رؤية عن ثوابت الإنسانية والاسس المنطقية للوجود البشري على هذه الأرض, ومن هنا يبرز دور المثقف في الانتصار للمظلوم لان المثقف الحقيقي هو "ضمير الأمة بل ضمير الانسانية ولا يمكنه الوقوف على الحياد حين تُنتهك الكرامة الإنسانية لان هذا الوقوف او الصمت يعنى ضمنيا وقوفا مع الظالم ضد المظلوم ما دام الظالم هو الاقوى, كما هي الحال في حروب امريكا والكيان الصهيوني ضد الشعوب المستضعفة كالشعب الفلسطيني والعربي عامة وشعوب اخرى كالشعب الايراني وشعوب امريكا اللاتينية
وهنا يتجلى دور المثقف في التوثيق والشهادة العلنية في الاعلام وتحويل أنين وقضايا المظلومين وفقداناتهم إلى نصوص وقصائد وقصص وروايات وأعمال فنية مختلفة وتقارير اعلامية استقصائة تكشف ظلامة الحروب وبشاعتها وتمنع تزييف الحقائق وتزوير التاريخ وتعمل على رفع الوعي وتبسيط الحقائق وكشف أساليب التضليل التي يمارسها القوي لطمس حق الضعيف, وأنسنة القضية بنقل معاناة الأفراد من مجرد أرقام في النشرات الإخبارية إلى قصص إنسانية تلامس وجدان كل انسان في العالم وتستنهض غيرته وحميته الانسانية .
والمثقف الحقيقي لا يكتفي بدعم المظلوم، بل يمتد دوره لمواجهة الظالم عبر المقاومة الفكرية والاعلامية بتفكيك الخطاب الدعائي للظلم وتعريته أخلاقياً ومنطقيا من خلال المنابر الثقافية الجماهيرية اضف الى ذلك المقاطعة ولو الرمزية ورفض الانخراط في أي محفل او مهرجان يمنح الشرعية للعدوان، وهذا يشكل ضغطاً معنوياً وسياسياً على المعتدي "الظالم" ودعما معنويا فائق التأثير للمظلوم. وقد شهدنا فنانيين غربيين ورياضيين ورجال اعلام مشهورين يفعلون هذا ضد سياسة حكومات بلدانهم المعتدية بحروب على شعوب ضعيفة او مستضعفة , بينما خلت الساحة الثقافية والفنية والاعلامية في البلدان العربية من هكذا شخصيات الا القليل النادر جدا . ربما يبدو مشهد المثقف العربي هزيلا هكذا في البلدان العربية بسبب فقدان هذا المثقف الحرية للتعبير عن نفسه تحت ظل انظمة قمعية تعمل تحت الوصاية الغربية " الصهيونية" ولكن اين المثقف العراقي الذي يرفل في حرية تعبير سقفها السماء!؟ اظنه لم يشف بعد من وباء " نظام صدام " ولكنه استبدل خوفه من النظام بالحرص على مصالحه الشخصية كأن يخسر دعوة الى دبي " في حظن التطبيع" او يخسر عطايا شيوخ وامراء النفط .......
ان المثقف يستطيع تحريك الرأي العام عبر مخاطبة الضمير العالمي وخلق تضامن عابر للحدود يضيق الخناق على سياسات الاستبداد والحروب, فالثقافة سلاح لا يصدأ ابدا ما دام المثقف ينحاز للحق ويسهم في صياغة انتصار أخلاقي يمهد الطريق للانتصاروالمادي واستعادة الحقوق المسلوبة
ولو استذكرنا المثقفين الذين واجهوا آلات الحرب دفاعاً عن الكرامة الإنسانية والعدل، نجد مثلا "برتراند راسل" الفيلسوف البريطاني الذي سُجن لمعارضته الحرب العالمية الأولى، وهو الذي قاد حركات التوعية للاحتجاج ضد التسلح النووي ويرى راسيل ايضا ان القوة العسكرية لا تحقق حلا حقيقيا , وان الحرب لا تحدد من هو على حق بل من هو باق على قيد الحياة
ووجاء الفرنسي "جان بول سارتر" الذي عارض الحروب الاوروبية الظالمة وساند حركات التحرر الوطني بكل قوة، وعرف بمواقفه الصارمة ضد الاستعمار الفرنسي والحروب الإمبريالية في العالم , ولم يختلف كثيرا عنه مواطنه "ألبير كامو" الذي تجرأ و نادى بـ "التمرد" الأخلاقي ضد العبثية والظلم، ورفض العنف كوسيلة لتحقيق الغايات السياسية، خاصة خلال الثورة الجزائرية , وقد أحرج كامو المثقفين الذين برروا العنف والحروب باسم القضايا العادلة، معتبراً أن قتل إنسان واحد من أجل "فكرة" هو جريمة لا تغتفر. وانتقد كامو مواطنه سارتر لانه راي في فلسفته أنه يبرر العنف الشمولي.
ومن اهم هؤلاء كلهم كان الامريكي من اصول فلسطينية إدوارد سعيد الذي كرس فكره للدفاع عن حقوق الشعوب المضطهدة، وفضح الزيف الثقافي الذي يُنشرعن الحروب الاستعمارية , كما برزت في مجتمعنا العربي بضع شخصيات ثقافية تركت اثرها . مثل الشاعر امل دنقل وسميح القاسم ومظفر النواب وقد تميز هؤلاء المثقفون بتقديم السمات النبيلة والضمير الانساني والقيم الأخلاقية الرفيعة على المصالح السياسية، ليؤكدوا أن دور المثقف الحقيقي يبدأ بكلمة "لا" في وجه الظالم.
#محيي_المسعودي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟