أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي جواد - سلسلة فقه الفقر - 4















المزيد.....

سلسلة فقه الفقر - 4


علي جواد

الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 00:11
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


فقه الجهل : التفقه في الدين وحده لا يحافظ على ثروات الشعوب

الحلقات السابقة في سلسلة الفقر هي كما يلي:
الفقر ليس قدر
لفقر يدار بفقه
فقه الغرر يجعلك تموت مجاناً
الأداة التي تجعلك تقتنع بالموت مجاناً هي فقه الجهل

الجهل يقتل عقلك أولاً. لأن المَيْت الواعي أخطر من الحي الغافل.
الجهل ليس مصادفة. الجهل استثمار وهو من أربح أنواع الاستثمار الذي عرفته السلطة وجميع من سبق واعتلى الحكم، وأصبحت من بديهيات قواعد الحكم أن الاقتصاد مبني على معادلة بسيطة وجاهزة يسيطر بها الحاكم على الشعب وعلى الاقتصاد بنفس الوقت وهي معادلة اقتصاد الغباء: المعادلة:
المواطن + الجهل = ربح مضاعف
المواطن + العقل = خسارة للحاكم

لماذا الجهل مربح؟

1- كعامل: لا يطالب بحقوق. لا يعرف قانون العمل. ترمي له فتات فيسكت. بينما المتعلم يسأل: أين عقدي؟ أين تأميني؟ أين إجازتي؟
2- كجندي: لا يناقش الأمر. تقول له "جنة" يركض للموت. بينما المتعلم يسأل: "ما هي الخُطَّة؟ ما نسبة النجاة؟ من هو العدو حقاً؟"
3- كمواطن: لا يحاسب. تعطيه خُطْبة جمعة عن الصبر بدل راتب. تعطيه دعاء بدل مستشفى. المتعلم يفتح ميزانية الدولة ويسأل: "أين تذهب الضرائب؟" الله لا يحب الأغبياء. من الذي أقنعك بالعكس؟ كيف أقنعك أن "الدراويش" هم أحباب الله؟ هذا كذب.

القرآن مدح العقل 49 مرة: {أفلا تعقلون}، {لقوم يتفكرون}، {لأولي الألباب}.ذم الجهل والتقليد: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22].
النبي قال: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم".

السؤال: إذا كان الله يحب العقل، من الذي أقنعك أن الجنة للجهلة؟
الجواب: نفس الفقيه الذي قال لك "الفقراء أحباب الله". يريدك جاهلاً فقيراً ميتاً. لأن الحي المتعلم الغني يسأل. والميت الجاهل الفقير يصفق.

فقيه السلطة اكتشف: عقلك هو العدو. إذا استيقظ عقلك، سقط كرسيه. لذلك حوّل "اقرأ" إلى "احفظ". وحوّل "تفكّر" إلى "اتبَع". وحوّل "الشهادة الجامعية" إلى "شهادة حسن سلوك وطاعة".

طيب، بعد ما قتلوا عقلك بشهادة الطاعة، صار سهل يسرقوا جيبك بشهادة القاضي. كيف؟

القرآن حذر من أخطر تحالف في التاريخ: تحالف المال مع السلطة.{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} (البقرة: 188).التفسير المشهور عند جمهور المفسرين الطبري
، والزمخشري، والرازي
، والقرطبي، وابن كثير، والطوسي، والطبرسي
وغيرهم، فسروا:
"وتدلوا بها إلى الحكام" ترفعوا الأموال إلى الحكام أو القضاة، أو تدفعوا لهم الرِّشى، أو تستخدموا الخصومات والدعاوى القضائية وسيلة للاستيلاء على أموال الناس. والفعل "تدلوا" من الإدلاء، كمن يدلي الدلو في البئر. أي تلقون المال أو تقدمون للحكام لتصلوا إلى غرض غير مشروع. ولهذا نجد بعض المفسرين لا يحصرون المعنى في الرشوة المباشرة فقط، بل يوسعون إلى:
دفع الرشوة للقاضي.
استخدام النفوذ السياسي.
استغلال القضاء مع العلم ببطلان الدعوى.
الحصول على حكم قضائي ظاهره الحق وحقيقته الباطل.

بعض المفسرين قالوا إن المقصود ليس الرشوة فقط، بل رفع النزاعات إلى الحكام مع العلم ببطلان الحق المدعى. أي إن المشكلة ليست إعطاء المال للحاكم، بل استغلال مؤسسة الحكم والقضاء نفسها لأكل أموال الناس.

1. الفخر الرازي
- التفسير الكبير : مفاتيح الغيب، سورة البقرة آية 188
النص: الرازي
يوسع المعنى ويقول إن الآية تشمل "أن يخاصم وهو مبطل، فيدلي بحجته إلى الحاكم ليأخذ به مال غيره". يعني المشكلة في توظيف القضاء نفسه

2- القرطبي - الجامع لأحكام القرآن، تفسير آية 188
النص: القرطبي ينقل قولين. الأول: الرشوة. والثاني: "لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل وبين الإدلاء إلى الحكام بالحجج الباطلة". ويقول: "وقيل: المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها"، لكنه يرجح أن الإدلاء أعم من الرشوة، وأنه يشمل رفع الدعوى الباطلة مع العلم.

3-الطبري
- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، سورة البقرة 188
النص: يفسر {وتدلوا بها إلى الحكام} بـ: "وتخاصموا بها يعني بأموالكم إلى الحكام لتأكلوا فريقا". وينقل عن ابن عباس: "فهذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، فيخاصمهم فيه إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه".
وعن مجاهد: "لا تخاصم وأنت ظالم".
وعن قتادة: "من مشى مع خصمه وهو له ظالم، فهو آثم حتى يرجع إلى الحق... واعلم أن قضاء القاضي لا يحل لك حراما"

4- الزمخشري
- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل
الزمخشري
من أوائل من نبه على أن "الإدلاء" تشبيه بإرسال الدلو، أي ترمي حجتك وخصومتك إلى الحاكم لتتوصل بها إلى أكل مال غيرك. فالتركيز عنده على "توظيف الحَجَّة والقضاء" مش مجرد دفع المال.
5- ابن عطية - المحرر الوجيز نقله القرطبي عنه في تفسيره: "وهذا القول يترجح؛ لأن الحكام مظنة الرشاء إلا من عصم وهو الأقل". ابن عطية يرى أن اللفظين متناسبان: تدلوا من إرسال الدلو، والرشوة من الرشاء.

ولهذا قال الطبري
والقرطبي والرازي
: المقصود لا ينحصر في الرشوة، بل يشمل رفع النزاعات إلى الحكام مع العلم ببطلان الحق المدعى. فالمشكلة ليست إعطاء المال للحاكم، بل استغلال مؤسسة الحكم والقضاء نفسها لأكل أموال الناس."

أي لا يجوز تحويل السلطة القضائية إلى أداة لشرعنه الباطل، وهذا أوسع من مجرد الرشوة. فإن لفظ "الحكام" في الآية الكريمة كان يُستعمل في البيئة العربية الأولى للدلالة على القضاة وأهل الفصل في الخصومات، ولم يكن يعبر بالضرورة عن مؤسسات الدولة الحديثة بمفاصلها المعروفة اليوم. لذلك اتجه المفسرون إلى تفسير الآية في إطار الرشوة واستغلال القضاء للحصول على أحكام باطلة. إلا أن المبدأ الذي تقرره الآية أوسع من مجرد الرشوة القضائية؛ فهي تنهى عن توظيف مؤسسات الدولة التي تملك قوة الإلزام أياً كان صورتها أو عنوانها للاستيلاء على أموال الناس بغير حق. فالقاضي، والوالي، والحاكم، وشيخ العشيرة، وكل من يملك قدرة الحكم والفصل أو الإكراه، لا يجوز أن تتحول سلطته إلى أداة تمنح الشرعية للباطل أو تنقل المال من صاحبه إلى غيره. وعليه، فإن الآية لا تكتفي بتحريم أكل أموال الناس بالباطل، بل تحرم أيضاً استخدام النفوذ والحكم والمؤسسات الحاكمة كوسيلة لإضفاء المشروعية على ذلك الباطل. فالخطر الذي تشير إليه الآية ليس في المال وحده، بل في اقتران المال بالقوة؛

أن المال حين يشتري الدولة يصبح الظلم قانوناً، ويصبح الباطل حقاً في نظر الناس.

التاريخ يعيد نفسه:
في أوروبا قبل 500 سنة، كان الفلاح يزرع ويحصد طول العام. يأتيه جابي الملك يأخذ ثلث المحصول باسم "ضريبة السلطان". ثم يأتيه كاهن الكنيسة يبيع له "صك غفران" ويقول: "ادفع ذهباً نغفر لك ذنوبك. ادفع أكثر نخرج أباك من النار".
الفلاح الجاهل يدفع. لماذا؟ لِئَلّا يقرأ الإنجيل.
أين ذهب المال؟
جزء للملك بنى به قصراً. جزء للبابا بنى به كاتدرائية. والفلاح مات جائعاً وهو يظن أنه اشترى الجنة.
هذا هو {وتدلوا بها إلى الحكام} نسخة القرن 16.

تحالف المال مع السلطة الدينية والسياسية لشرعنه نهب الناس باسم الله.
اسمه القديم: صك غفران. اسمه اليوم: ضريبة دعم المشروعات الوطنية.
الفرق الوحيد: زمان باغوك الآخرة. اليوم يبيعون "المستقبل".فالآية لا تتحدث عن فساد المال فقط، بل عن فساد العَلاقة بين المال والسلطة. منع شراء النفوذ واستعمال النفوذ والحكم أو القضاء أو أي سلطة اجتماعية للاستيلاء على حقوق الآخرين. الآية تحرم استعمال القضاء والنفوذ للاستيلاء على أموال الناس بغير حق. والأهم هو أن الآية الكريمة تقول إن القرآن لا يمنح الحاكم تفويضًا مفتوحًا للتصرف بأموال المجتمع كيف يشاء. لا يظهر من النص القرآني منح طبقة حاكمة أو دينية امتيازًا خاصًا في أموال الناس. ولا يظهر فيه تفويض مفتوح للسلطة. لا يحق لها التصرف في الثروة العامة دون قيود. بل على العكس، تتكرر التحذيرات من أكل الأموال بالباطل ومن توظيف النفوذ لإضفاء المشروعية على ذلك. ومن ثم فإن أي جهاز حاكم، مهما كانت تسميته، يبقى خاضعًا لمبدأ أصيل هو أن المال ليس ملكًا للسلطة، وأن وظيفتها إن تدخلت هي خدمة الحقوق لا الاستيلاء عليها. القرآن لم يمنح الحاكم صك ملكية على أموال الناس. ورغم ذلك، تحول الحكام إلى أوصياء على أموال الناس دون تفويض قرآني صريح. القرآن تحدث كثيرًا عن أموال الناس، وتحدث كثيرًا عن الظلم، لكنه لم يمنح أي حاكم حق التصرف المطلق في ثروات المجتمع، ومع ذلك نشأت عبر التاريخ دول عدّت أموال الناس جزءًا من سلطانها.

حين يسيطر الحاكم على المال، يصبح الفقر سياسة لا قدراً.



#علي_جواد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلسلة فقه الفقر - 3
- سلسلة فقه الفقر - 2
- سلسلة فقه الفقر ج 1
- أمريكا والصين، الأرض كلها أسواقهم وشعوبها سلعتهم
- التاريخ لا يكذب الذكاء الاصطناعي يقرر نهاية المليشيات
- الإسلام دِين تحول إِلى مؤسسات (2)
- الإسلام . . . دِين تحوُّل إِلى مُؤسسَات (1)
- الضربة الإيرانية مناورة أفشلت دولة
- الغباء الاصطناعي هو القمة
- التلوث الاشعاعي في مستشفيات العتبة
- خزانة ملابس ضاع فيها وطن
- العالم يتقاتل من أجل أحتكار لمسة شاشة الموبايل
- الإسلاميون يحرمون العلمانية لكن يأكلون منتجاتها المعدلة وراث ...
- التحريض الإسلامي على الفقر
- تنهار المرجعية الشيعية إذا أقرت الديموقراطية
- الميديا ستُغير الحكومات الإسلامية
- ما فائدة الذهب في الجنة ؟
- ج 2 - الفقهاء يقولون واجبنا إكمال الدين! مع أن القرآن يقول- ...
- ج 1 - الفقهاء يقولون واجبنا إكمال الدين! مع أن القرآن يقول- ...
- هل العدالة أهم من الاديان ؟ ج 6


المزيد.....




- كندا.. مقتل ثلاثة أشخاص بحادث إطلاق نار في حي يهودي
- كندا: ثلاثة قتلى بينهم شرطي ومشتبه به في إطلاق نار بحي يهودي ...
- الأوقاف الفلسطينية تنفي صدور تعليمات لتقييد استخدام مكبرات ا ...
- المسيحيون في فلسطين: ثمانية عقود من الصمود في وجه محاولات ال ...
- شاهدة تروي تفاصيل حادث إطلاق النار في الحي اليهودي بمونتريال ...
- -إسبانيا مسيحية لا مسلمة-.. سجدة لامين جمال تشعل حملة يمينية ...
- اتهامات مثيرة بعد مباراة الجزائر والأرجنتين.. محلل يزعم وجود ...
-   بزشكيان لإردوغان: مذكرة التفاهم ثمرة جهود إخواننا الأعزاء ...
- ممثل قائد الثورة في حرس الثورة حاجي صادقي: الجمهورية الإسلا ...
- بابا الفاتيكان البابا ليو: قادة العالم يؤججون الحروب بدلا م ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي جواد - سلسلة فقه الفقر - 4