أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - من القومية إلى الشوفينية: رحلة الانتماء نحو الكراهية














المزيد.....

من القومية إلى الشوفينية: رحلة الانتماء نحو الكراهية


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 09:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكن القوى التي احتلت هذه المنطقة، قديمًا وحديثًا، تعتمد على التفوق العسكري وحده لضمان استمرار نفوذها، بل أدركت مبكرًا أن الاحتلال الحقيقي لا يكتمل إلا حين ينجح في احتلال الوعي، وتفكيك الروابط التي تجمع الناس، وتحويل التنوّع الطبيعي إلى لعنة سياسية واجتماعية... ؛ فالدول الغازية والاستعمارية لم تكتفِ برسم الحدود، بل أعادت رسم الخرائط النفسية والثقافية لشعوب المنطقة، وزرعت داخلها بذور الشك والكراهية والخوف المتبادل.
وقد وجدت هذه المشاريع الاستعمارية من يخدمها من داخل المجتمعات نفسها؛ أفرادًا ونخبًا ووكلاء انتموا إلى القوميات المستهدفة ذاتها، لكنهم جعلوا من الانتماء القومي أداة للتحريض والانقسام، لا وسيلة للتعارف والتكامل... ؛ وباسم الدفاع عن الحقوق القومية، جرى نسف أسس الوحدة الإنسانية والدينية والوطنية، حتى أصبح الجار خصمًا، والشريك في الوطن مشروع عدو، وتحولت الهويات الفرعية من عناصر غنى ثقافي إلى متاريس متقابلة.
يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال ما يمكن تسميته بـ"نظرية المحاور والصراع الهوياتي"، حيث تُدفع الجماعات المختلفة إلى الاصطفاف داخل محاور متصارعة تقوم على العرق أو القومية أو الطائفة، بدل أن تتأسس على المصالح الوطنية المشتركة والقيم الإنسانية الجامعة... ؛ وبدل أن يكون الاختلاف مصدرًا للإثراء الحضاري، يصبح وقودًا دائمًا للصراع.
إن القومية، بوصفها شعورًا بالانتماء إلى جماعة ثقافية وتاريخية ولغوية وعرقية واحدة ، ليست في ذاتها مشكلة أخلاقية أو سياسية... ؛ فمن حق الشعوب أن تعتز بلغاتها وتراثها وذاكرتها الجماعية، وأن تدافع عن حقوقها المشروعة ضمن إطار العدالة والمواطنة... ؛ غير أن الكارثة تبدأ عندما تتحول القومية إلى أيديولوجيا مغلقة ترى نفسها مركز الحقيقة المطلقة، وتنظر إلى الآخرين بوصفهم أقل شأنًا أو أقل استحقاقًا.
هنا تنتقل القومية من فضاء الاعتزاز المشروع إلى مستنقع الشوفينية.
والشوفينية ليست مجرد حب مفرط للجماعة التي ينتمي إليها الإنسان، بل هي تعصب أعمى يتغذى على شعور بالتفوق الأخلاقي أو العرقي أو التاريخي، ويبرر إقصاء الآخرين أو احتقارهم أو حتى الاعتداء عليهم... ؛ إنها الايدلوجية حين تفقد بوصلتها الأخلاقية، والقومية حين تنسى إنسانيتها.

فالشوفيني لا يسأل إن كانت جماعته على حق أو على خطأ؛ إنها، بالنسبة إليه، على حق دائمًا... ؛ يبرر أخطاءها، ويضخم فضائلها، ويعيد كتابة التاريخ بما يخدم سرديتها، بينما يختزل الآخرين في صور نمطية مشوهة، وينسب إليهم كل الشرور... ؛ وهكذا يصبح الضمير رهينة للهوية، وتتحول العدالة إلى امتياز خاص لا قيمة كونية.
لقد دفعت منطقتنا أثمانًا باهظة نتيجة هذا النمط من التفكير... ؛ فكم من حرب أشعلتها شعارات الهوية؟
وكم من وطن تمزق لأن أبناءه اقتنعوا بأن ما يجمعهم أقل أهمية مما يفرقهم؟
وكم من مشروع نهضوي سقط لأن الولاء للقومية أو الطائفة أو العشيرة تقدم على الولاء للإنسان والوطن؟
إن أخطر ما في الشوفينية أنها تتخفى غالبًا خلف شعارات نبيلة؛ فتتحدث باسم الكرامة القومية وهي تهين كرامة الإنسان، وتدّعي الدفاع عن الحقوق بينما تصادر حقوق الآخرين، وترفع راية الحرية وهي تمارس الإقصاء والتخوين والكراهية.
إن الحاجة اليوم ليست إلى إلغاء الهويات القومية أو إنكار الخصوصيات الثقافية، بل إلى تحريرها من نزعات التفوق والاستعلاء... ؛ فالوطن لا يُبنى على إنكار التنوع، وإنما على إدارته بعدالة... ؛ والانتماء الحقيقي لا يتناقض مع احترام المختلف، بل يكتمل به... ؛ أما الدين، في جوهره الأخلاقي، فقد جاء ليؤكد وحدة الأصل الإنساني وكرامة الإنسان، لا ليكون أداة لتبرير العصبيات الضيقة.
لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الأمم لا تنهض حين تتقاتل هوياتها، بل حين تتصالح مع ذاتها، وتؤمن بأن المواطنة عقد أخلاقي وسياسي يتسع للجميع... ؛ فالعربي والكردي والتركماني والآشوري والأرمني وسائر مكونات هذه الأرض، لم يكونوا عبر قرون طويلة شعوبًا تعيش في جزر معزولة، بل شركاء في صناعة الحضارة واللغة والأسواق والذاكرة والألم والأمل.
إن معركة المستقبل ليست بين قومية وأخرى، بل بين من يؤمن بالإنسان ومن يحوّل الهوية إلى سلاح... ؛ وليست القضية أن نحب قومياتنا، بل كيف نحبها: هل نحبها بوصفها جزءًا من الفسيفساء الإنسانية الكبرى أو الوطنية الجامعة ، أم نحبها بطريقة تدفعنا إلى كراهية الآخرين؟

في اللحظة التي تتحول فيها الهوية القومية إلى صنم، يصبح الإنسان قربانها الأول... ؛ أما حين تتحول إلى جسر للتعارف والاحترام المتبادل، فإنها تستعيد معناها الأسمى: أن تعرف من أنت، دون أن تنكر حق الآخرين في أن يكونوا ما هم عليه.
فالأوطان لا يحميها التعصب، بل العدل... ؛ ولا تصنعها الكراهية، بل الشراكة... ؛ ولا تبني مستقبلها بإحياء غرائز الثأر والهويات القاتلة والعابرة للحدود ، وإنما بإعادة الاعتبار للإنسان والمواطن بوصفه القيمة العليا التي يجب أن تنتصر على كل أشكال الشوفينية والعصبيات الضيقة.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من نقد الفكرة إلى اغتيال صاحبها : ثقافة التخوين والتسقيط في ...
- حيتان الامتيازات... حين تتعدد الامتيازات والصلاحيات والقرارا ...
- العراق أولًا… حين يكون حب الوطن واجبًا أخلاقيًا ووعيًا حضاري ...
- تفاوت الرواتب و الأجور في العراق: غياب الرؤية الاقتصادية وتك ...
- عرقنة التسميات والعناوين العامة في بغداد
- التجنيس الباطل : ارث الاحتلال الثقيل ولعنة الحكومات المتعاقب ...
- الوطنجية : حين تصبح الوطنية تهمة وشتيمة ؟!
- الطلقة أم السجينة ؟!
- الأمة العراقية بين الدلالة اللغوية والتأصيل الاصطلاحي
- كرامة العراقي فوق الهراوة
- العراق بين الانفتاح الحضاري والتغيير الديموغرافي: جدل الهوية ...
- الايزيديات في اقفاص النيران
- الأمة العراقية : الهوية الوطنية بين التاريخ والسياسة
- هل الأمة العراقية أقدم من النظرية القومية؟
- الإعلان عن وفاة الإله : قراءة في أخطر مقولات نيتشه
- انكسار المرايا : حين يتحوَّل الرفيق إلى غريم
- الإعلام المزيف وصناعة الواقع في عصر هندسة العقول
- حين تتحوّل الجغرافيا إلى عبءٍ تاريخي
- فيزيولوجيا الرؤية: كيف تحوّلت العين إلى منفذٍ لاستنزاف الروح ...
- ذاكرة الخراب : نشأة الجلاد في رحم الفئة الهجينة


المزيد.....




- إسرائيل تدرس الانسحاب من مناطق في الجنوب لصالح الجيش اللبنان ...
- سلطنة عُمان تتيح ممرا بحريا مؤقتا لعبور السفن في هرمز
- الشيوخ الأميركي يوافق على قرار يدعو لإنهاء العمليات ضد إيران ...
- أوروبا تختنق بالحر.. وفرنسا تسجل رقما غير مسبوق
- شلل مفاجئ يضرب شبكة القطارات في ألمانيا
- الاتحاد الأوروبي يلتقي طالبان للمرة الأولى منذ عودتها للحكم ...
- زعيم كوريا الشمالية ينقل الردع النووي إلى البحر
- سجال بين إسرائيل ولجنة أممية اتهمتها بـ-استهداف الأطفال الفل ...
- التعادل السلبي يحسم مواجهة إنجلترا وغانا ويضعهما على مشارف ا ...
- إيرباص تحت تدقيق جديد بعد أمر أوروبي بفحص إيه 380 بسبب تشققا ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - من القومية إلى الشوفينية: رحلة الانتماء نحو الكراهية