أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - رياض سعد - الطلقة أم السجينة ؟!














المزيد.....

الطلقة أم السجينة ؟!


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 09:26
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


في صباحٍ قائظ من صيف العراق، كان عليٌّ ابن التاسعة عشرة يقف على ضفة دجلة قرب تكريت... ؛ لم يكن يفكر بالحرب ولا بالموت؛ كان يفكر بأمه التي تنتظر عودته، وبأخته الصغيرة التي وعدها أن يجلب لها حقيبة مدرسية جديدة، وبأبيه الذي كان يردد دائماً: "الوطن يستحق التضحية يا علي ."
نعم , لم يكن علي قد تجاوز التاسعة عشرة من عمره، لكن ملامحه كانت تحمل خطوطًا أكبر من سنواته؛ خطوطًا رسمها قلق الأمهات العراقيات وخوف الآباء من غدٍ لا يأتي أبدًا.
ففي الصيف القاتل من عام 2014، وجد نفسه ببدلته العسكرية في قاعدة "سبايكر" بتكريت، يرتجف لا خوفًا من الموت، بل شوقًا لمدينة "الديوانية" البعيدة، حيث تنتظره والدته لتزفّه عريسًا بعد أن تنتهي دورته العسكرية .
كان علي يمثل جيلًا عراقيًا كاملًا؛ جيلٌ وُلد في الحروب، ونشأ في الحصار، وترعرع على أصوات الانفجارات... ؛ جيلٌ وجد نفسه ضحية لتركة سياسية ثقيلة، وصراعات طائفية غُذيت لسنوات حتى تحولت إلى وحش كاسر يلتهم أبناء الوطن الواحد.
لم يكن علي يرى في تكريت أرضًا غريبة، بل جزءًا من خريطة بلاده التي يحفظها بقلبه، لكن السياسة والطائفية قررتا أن تجعلا من جغرافية الوطن حقولًا للموت.
سقطت القاعدة ( سبايكر ) ، ومعه سقطت آلاف الأحلام... ؛ أُسر الشاب الاسمر مع المئات من رفاقه، ساروا مطأطي الرؤوس تحت أشعة الشمس الحارقة، يسوقهم فتيةٌ ورجال من ابناء الفئة الهجينة الحاقدة والذين تشربت عقولهم الحقد والكراهية والبغضاء ... ؛ يرتدون السواد وكأنهم غرباء عن هذه الأرض ومياه نهرها.
وحين أحاط به مجرمو تنظيم داعش مع مئات الشباب، أدرك أن الطريق الذي كان يظنه عودةً إلى البيت قد تحول إلى طريقٍ آخر لا عودة منه.
في اللحظات الأخيرة، عُزلعلي... ؛ وقف أمامه أحد جلادي تنظيم "داعش"، عيناه تلمعان بنشوة القوة الزائفة، حاملًا بيده سكينًا وفي الأخرى مسدسًا، يختصر في ملامحه أقسى دلالات الوحشية التي أنتجتها سنوات التخريب الاجتماعي والفكري.
دارت بينهما المحاورة الأخيرة، محاورة تختزل قهر إنسان بريء أمام آلة دمار هجين أعمى:
* الجلاد: راح تموت.
* أحمد (بنبرة توسل بائسة، يبحث عن قشة أمل وسط الطوفان): ما بيها تسهيل امر؟
* الجلاد (بجمود وطائفية مقيتة كفّرت الآخر واستباحت دمه): لو تنطينا مليارات ما تصير ويانا، انت مرتد... ؛ تريد طلقة لو سجينة؟
ساد صمتٌ ثقيل.. , كان عليّ يعلم أن الكلمات لن تغيّر شيئاً، وأن الحكم قد صدر قبل أن يتكلم.
* أحمد (بقلب مكسور، يفضل الموت السريع على العذاب، ملتفتًا بنظره نحو نهر دجلة القريب): لو شاديلي عبوة وذابيني بالشط احسن لي!
لم تكن الكلمات مجرد حديث عابر؛ كانت إدانة صارخة... ؛ "مابيها تسهيل أمر؟" هي العبارة العراقية البسيطة التي طالما استخدمها العراقيون في دوائرهم الرسمية، وفي حياتهم اليومية لتخطي العقبات، لكنها هنا تحولت إلى رجاء أخير أمام جدار طائفي وسياسي واجرامي صلد لا يعرف المرونة ولا الإنسانية ولا الغيرة ولا النخوة العراقية .
ثم سأله القاتل الارهابي :
تريد طلقة لو سجينة؟
أطلق الجلاد رصاصته، وسقط علي.. , سقطت معه ضحكة أمه، وانكسر ظهر أبيه، وغرقت في نهر دجلة أحلام شاب كان كل ذنبه أنه أراد أن يحمي وطنًا خذلته السياسة، ونهشته الطائفية، واستباحت دماءه أيادٍ مجرمة هجينة .
تلونت مياه دجلة باللون الأحمر، لتبقى فاجعة "سبايكر" جرحًا غائرًا في الذاكرة العراقية، وشاهدًا على كلفة الدماء التي يدفعها الفقراء دائمًا ثمنًا لصراعات الكبار.
لكن الحكاية لم تنتهِ هناك.
فبعد سنوات، نسي الناس أسماء كثير من القتلة والذباحة ، وضاعت وجوههم في ظلام التاريخ، بينما بقي وجه ذلك الفتى حاضراً في ذاكرة العراق... ؛ بقيت كلماته الأخيرة شاهداً على لحظةٍ اختُبر فيها الإنسان بأقسى ما يمكن أن يختبر به: أن يقف أعزل أمام الكراهية.
لم يكن عليّ يمثل طائفةً ولا مدينةً ولا عائلةً فحسب؛ كان يمثل جيلاً كاملاً وجد نفسه بين فكيّ التطرف والطائفية والعنف السياسي... ؛ جيلاً دفع ثمن صراعاتٍ لم يصنعها، وأحلامٍ لم يُتح له أن يحققها.
لقد أراد القتلة والذباحة أن يحولوا أبناء الوطن إلى هوياتٍ متناحرة، وأن يقسموا العراقيين إلى معسكراتٍ من الخوف والدم... ؛ لكن المأساة كشفت حقيقةً أخرى: أن الموت كان يستهدف العراق كله، وأن الضحية حين تسقط لا تسأل عن مذهبها، بل عن أمٍ ستبكيها، وبيتٍ سيفتقدها، ومستقبلٍ انطفأ قبل أن يبدأ.
وهكذا رحل الفتى ابن التاسعة عشرة، وبقي السؤال معلقاً فوق ضفاف دجلة:
كم حلماً غرق مع أولئك الشباب؟
وكم وطناً يُقتل حين تُقتل إنسانية الإنسان؟
لقد خسر عليّ حياته في ذلك اليوم، لكن العراق ربح اسماً جديداً في سجل الذاكرة؛ اسماً يذكر الأجيال بأن الطائفية حين تتحول إلى سلاح، والتطرف حين يرتدي ثوب الدين، لا يقتلان الأفراد فحسب، بل يقتلان معنى الوطن نفسه.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمة العراقية بين الدلالة اللغوية والتأصيل الاصطلاحي
- كرامة العراقي فوق الهراوة
- العراق بين الانفتاح الحضاري والتغيير الديموغرافي: جدل الهوية ...
- الايزيديات في اقفاص النيران
- الأمة العراقية : الهوية الوطنية بين التاريخ والسياسة
- هل الأمة العراقية أقدم من النظرية القومية؟
- الإعلان عن وفاة الإله : قراءة في أخطر مقولات نيتشه
- انكسار المرايا : حين يتحوَّل الرفيق إلى غريم
- الإعلام المزيف وصناعة الواقع في عصر هندسة العقول
- حين تتحوّل الجغرافيا إلى عبءٍ تاريخي
- فيزيولوجيا الرؤية: كيف تحوّلت العين إلى منفذٍ لاستنزاف الروح ...
- ذاكرة الخراب : نشأة الجلاد في رحم الفئة الهجينة
- حين يحتقر الفقيرُ الفقيرَ: عقدة الهروب من المرايا
- العراقي والكتاب: من العشق التاريخي إلى النفور المعاصر
- اغتصاب الحق وادعاء الملكية
- إعلان بروكلاميشن في بريطانيا عام 1611
- سيكولوجيا الوهم.. لماذا لا يخبرنا الدماغ بفراغه؟
- حين تُدار الأوطان بالثقة العمياء لا بكفاءة الخبراء
- القانون في العالم العربي: بين غربة النص وتعدد مراكز القوة وه ...
- سيكولوجيا الحضور والغياب: عندما تذبل المشاعر في مرايا الاختف ...


المزيد.....




- مسؤول أمريكي: قواتنا أسقطت مسيرتين ?هجوميتين أطلقتهما إيران ...
- رسائل تستغرق أياما.. بلومبرغ تكشف طبيعة التواصل بين واشنطن و ...
- السفير الروسي: ظاهرة الترامبية طويلة الأمد وترامب قادر على إ ...
- مصدر إيراني ينفي اعتماد أي نص لمذكرة التفاهم الأولية مع الول ...
- الصين تفرض عقوبات على وزير الدفاع الفلبيني وعائلته
- أوروبا تغلق ثغرات اللجوء.. قواعد جديدة تدخل حيز التنفيذ
- مسؤول أميركي: إسقاط مسيّرتين إيرانيتين فوق هرمز
- خطة أميركية جديدة.. ترحيل إيرانيين إلى دولة أفريقية
- السجن 30 عاما لرئيس كوريا الجنوبية السابق بتهمة الخيانة
- الاتفاق الأميركي الإيراني المرتقب.. أبرز البنود والتفاصيل


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - رياض سعد - الطلقة أم السجينة ؟!