أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - تفاوت الرواتب و الأجور في العراق: غياب الرؤية الاقتصادية وتكريس الطبقية















المزيد.....

تفاوت الرواتب و الأجور في العراق: غياب الرؤية الاقتصادية وتكريس الطبقية


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 10:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في بلد العجائب والغرائب، لا يستغرب المرء حين يرى تفاوتاً صارخاً في الأجور والرواتب بين أبناء الوطن الواحد، ولا حين يكتشف أن قيمة العمل لا تُقاس دائماً بجهده أو أهميته، بل بموقع صاحبه أو الجهة التي يعمل لديها.
ففي العراق، كثيراً ما نجد موظفين يؤدون أعمالاً متشابهة، لكن الفارق بين رواتبهم قد يصل إلى أضعاف مضاعفة... ؛ وقد نرى عاملاً بسيطاً أو موظفاً خدم الدولة عقوداً طويلة يتقاضى راتباً متواضعاً بالكاد يسد احتياجاته الأساسية، بينما يحصل آخرون على امتيازات ورواتب ومخصصات تفوق ذلك بأضعاف كثيرة، رغم أن مدة خدمتهم أقل بكثير أو أن مسؤولياتهم لا تبرر هذا التفاوت الهائل.
نعم في بلدٍ تزدحم فيه التناقضات كالعراق، لم يعد غريباً أن يرى المرء العجائب في هيكلية أجور ومصادر دخل أبنائه... ؛ فالمشهد الاقتصادي الحالي يضع علامات استفهام كبرى حول فلسفة الدولة المالية، ويسلط الضوء على فجوة عميقة تفصل بين واقع المواطن والسياسات المتبعة.
في بلاد الرافدين، حيث يتجاور المتناقضان ويتصافح المستحيلان ؛ لا تستغرب إن رأيت المهندس الأجنبي يتقاضى راتباً يعادل عشرة أضعاف راتب المهندس العراقي الذي يقف كتفاً إلى كتف معه في الحقل النفطي ذاته، ينهلان من معين الخبرة، ويغرفان من ذات التعب، لكن جرار المال تنحاز لأحدهما وكأن للجواز لغة لا تتقنها الكفاءة. ولا يطالعنّك العجب حين تعلم إن رأيت راتب عامل النظافة الباكستاني أو البنغالي يبلغ ستمائة ألف دينار، بينما لا يتجاوز راتب عامل النظافة العراقي مائة وسبعين ألفاً فقط.
لأنك في بلد الغرباء، بلد الفئة الهجينة التي أُلبست ثوب الوطنية زوراً ... ؛ ولأنك في البلد الذي جعل من اضطهاد أبنائه الأصلاء ومكوناته الراسخة مبدأً لم يحِد عنه الدهر، ترى هذه المفارقات تسير في الشوارع رافعة الرأس لا يردعها رادع، ولا ينكرها منكر... ؛ هي ليست حوادث شاردة ولا أخطاء عابرة، بل هي الوجه الآخر لعملة واحدة سكت دارُ السياسة نقوشها بإزميل المحسوبية ومطرقة الهدر.
نعم , لأنك في بلد لا يمتلك أي رؤية فلسفية اقتصادية يسير على ضوئها.
وإلا بماذا تفسر أن يحصل العاطل عن العمل، وهو جالس في بيته، على راتب أو منحة تقدر بثلاثمائة ألف دينار شهرياً، بينما يحصل عامل النظافة على مائة وسبعين ألفاً؟!
أو أن يحصل موظف قضى أكثر من ثلاثين سنة في خدمة الدولة والحكومة على تقاعد لا يتجاوز ستمائة ألف، بينما يحصل برلماني داوم في مجلس النواب لمدة أربع سنوات فقط – ولو حسبنا دوامه الفعلي لما تجاوز مائة يوم أو أكثر بقليل – على تقاعد يعادل عشرة أضعاف راتب ذلك الموظف؟!
إنها قسمة ضيزى تهدف إلى تفكيك المجتمع وخلق الطبقية المقيتة.
* المفارقة الصارخة: فجوة الأجور بين الكفاءات المحلية والعمالة الوافدة
يواجه الواقع الاقتصادي العراقي اليوم أزمة هويّة حادة تتجسد في منظومة الأجور والرواتب، حيث تحولت هذه المنظومة إلى مرآة تعكس غياب التخطيط الاستراتيجي... ؛ في بلد يزخر بالثروات كالعراق، تبرز مفارقات صارخة تثير الدهشة والاستنكار، وتحول المشهد اليومي إلى ساحة لعدم المساواة بين المواطن الاصيل والوافد والاجنبي والغريب والدخيل .
نعم , تبدأ تجليات هذه المفارقة من كبريات الشركات النفطية؛ إذ يصطدم المهندس العراقي بواقعٍ مرير حين يرى زميله المهندس الأجنبي، الذي يتقاسم معه الموقع والجهد ذاته، يتقاضى راتباً يعادل عشرة أضعاف راتبه... ؛ ولا يتوقف هذا التباين المجحف عند النخب الهندسية فحسب، بل يمتد ليشمل الفئات العمالية البسيطة , كما أسلفنا .
إن هذا التمييز يولد شعوراً بالاغتراب داخل الوطن، وكأن المنظومة السياسية والعقلية الحكومية تكافئ الغريب على حساب المواطن الذي رُبطت مصائره بهوية هذه الأرض وتاريخها.
* تخبط السياسات وغياب الفلسفة الاقتصادية
إن الجذور الحقيقية لهذه الأزمة لا تكمن في شح الموارد، بل تكمن في افتقار الدولة إلى رؤية فلسفية اقتصادية واضحة وموحدة تدير على ضوئها عجلة الإنتاج وتوزيع الثروات.
لقد غرق الاقتصاد في قطاع عام متضخم يضم أكثر من 4.2 مليون موظف حكومي، يضاف إليهم ملايين المتقاعدين والمستفيدين من الإعانات، لتلتهم فاتورة الرواتب والالتزامات السنوية ما لا يقل عن 90 تريليون دينار عراقي من حجم الإنفاق.
هذا التخبط الهيكلي أنتج فوضى في تقييم قيمة العمل؛ فكيف يُفَسَّر اقتصاديًا أن يتقاضى العاطل عن العمل منحة رعاية اجتماعية تصل إلى (300) ألف دينار وهو جالس في بيته، بينما يُكافأ عامل النظافة الذي يقدم جهدًا بدنيًا يوميًا شاقًا بأجر لا يتعدى (170) ألف دينار؟ إن هذا الخلل يزهد الشباب في العمل الفعلي الفردي ويخلق اتكالية تضر بالبنية الإنتاجية للمجتمع.
*الفجوة التقاعدية وصناعة الفوارق الطبقية
تصل ذروة الغبن الاجتماعي والتشويه التشريعي عند المقارنة بين منظومتي التقاعد الوظيفي والسياسي... ؛ فالموظف الحكومي الذي أفنى أكثر من ثلاثين عامًا في خدمة مؤسسات الدولة ينتهي به المطاف براتب تقاعدي ضئيل لا يتجاوز (600) ألف دينار، وهو مبلغ لا يكاد يسد متطلبات العيش الكريم بل هو دون خط الفقر ... .
وفي المقابل، يستحوذ كبار المسؤولين في الرئاسات الثلاث ومجلس النواب وغيرهم من الساسة والقادة والضباط الكبار على نصيب الأسد من الإنفاق؛ إذ تشير البيانات الاقتصادية إلى أن رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث تستهلك وحدها نحو 11.5% من إجمالي كتلة الرواتب في الدولة. ليحصل عضو البرلمان الذي اقتصرت خدمته على أربع سنوات فقط ـ ولم يتجاوز دوامه الفعلي مئة يوم أو يزيد قليلًا ـ على امتيازات ورواتب تعادل عشرة أضعاف راتب الموظف الكادح كما أسلفنا .
* أثر الفجوة: مجتمع مفكك وطبقية مقيتة
إن هذه المفارقات الصارخة ليست مجرد أرقام في جداول الحسابات الحكومية، بل هي "قِسْمَةٌ ضِيزَى" تفتقر إلى أدنى معايير العدالة الاجتماعية والمساواة... ؛ إن استمرار هذه السياسات غير المتوازنة يؤدي مباشرة إلى تفكيك النسيج المجتمعي، وتكريس طبقيّة مقيتة تلتهم الطبقة الوسطى، وتزرع بذور الإحباط بين أبناء الوطن الواحد، مما يستدعي وقفة جادة وإعادة هيكلة شاملة لمنظومة الأجور والرواتب تعيد للمواطن كرامته وللعمل قيمته الاستحقاقية.
*جحيم الأرقام وجنة الوهم: تشريع العبث الاقتصادي في العراق
فإن سألت عن الفلسفة الاقتصادية التي تسيّر هذه المنظومة العجيبة ، أعياك الجواب وغابت الحجة... ؛ بأي منطق، بأي كتاب،بأي فلسفة اقتصادية , بأي عقل نير يُفسَّر أن يحظى العاطل عن العمل، القابع في ظل بيته، بمنحة شهرية قدرها ثلاثمئة ألف دينار، في حين يكدح عامل النظافة تحت وهج الشمس وقسوة التراب لقاء مئة وسبعين ألفاً لا تكاد تسدّ رمقاً؟!
أهي دعوة خفية لتعطيل الهمم، أم هي وصمة في جبين العمل لا يمحوها إلا رفع قيمة البطالة؟!
وتزداد الحيرة مرارة إن تأملت حال الموظف الذي أفنى زهرة عمره وثلاثين حجة في خدمة الدولة، يزرع الدوام إخلاصاً ويحصد التقاعد هزالاً، فلا يتجاوز راتبه التقاعدي الستمئة ألف دينار، بينما يخلد البرلماني إلى راحة أربع سنوات، لا يكاد مجموع دوامه الفعلي فيها يتجاوز المئة يوم أو يزيد قليلاً، ثم يغادر المبنى محمّلاً بتقاعد يربو على عشرة أضعاف ما تقاضاه ذلك الموظف طوال سني خدمته؟!
كأنما الخدمة إثم يستوجب العقاب، والتقاعد جائزة لا يستحقها إلا من قصرت أيامه وخفّت أثقاله.
إنها قسمة ضيزى، جائرة في منطقها، خبيثة في غاياتها، لا تهدف إلا إلى تفكيك عرى المجتمع، وتجريف أساسات التكافل، وصناعة طبقات متناحرة يحكمها الحقد المقيت... ؛ إنها السياسة التي تصنع الغريب ليكون سيداً، وتترك الأصيل ليكون عبداً في دياره، وتُلبس العبث الاقتصادي تاج "الإصلاح" ليظل العراق سوقاً رائجة للمتناقضات، ومسرحاً دامياً لمسرحية اللا معقول.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عرقنة التسميات والعناوين العامة في بغداد
- التجنيس الباطل : ارث الاحتلال الثقيل ولعنة الحكومات المتعاقب ...
- الوطنجية : حين تصبح الوطنية تهمة وشتيمة ؟!
- الطلقة أم السجينة ؟!
- الأمة العراقية بين الدلالة اللغوية والتأصيل الاصطلاحي
- كرامة العراقي فوق الهراوة
- العراق بين الانفتاح الحضاري والتغيير الديموغرافي: جدل الهوية ...
- الايزيديات في اقفاص النيران
- الأمة العراقية : الهوية الوطنية بين التاريخ والسياسة
- هل الأمة العراقية أقدم من النظرية القومية؟
- الإعلان عن وفاة الإله : قراءة في أخطر مقولات نيتشه
- انكسار المرايا : حين يتحوَّل الرفيق إلى غريم
- الإعلام المزيف وصناعة الواقع في عصر هندسة العقول
- حين تتحوّل الجغرافيا إلى عبءٍ تاريخي
- فيزيولوجيا الرؤية: كيف تحوّلت العين إلى منفذٍ لاستنزاف الروح ...
- ذاكرة الخراب : نشأة الجلاد في رحم الفئة الهجينة
- حين يحتقر الفقيرُ الفقيرَ: عقدة الهروب من المرايا
- العراقي والكتاب: من العشق التاريخي إلى النفور المعاصر
- اغتصاب الحق وادعاء الملكية
- إعلان بروكلاميشن في بريطانيا عام 1611


المزيد.....




- سيناتور أمريكي: اتفاق ترامب -استسلام لإيران- لكن -من الجيد أ ...
- تغييرات جذرية في الجغرافيا الإدارية.. ظهور ولايات جديدة في ت ...
- طريقة جديدة لعلاج الملاريا
- شراء الولاء.. المرتزقة والمنشقون في حرب السودان
- حدائق عمودية وزينة.. تركيا تنفق أكثر من 250 مليون دولار على ...
- زلزال بقوة 6,7 درجة يضرب إندونيسيا (فيديو)
- وثائق: البنتاغون أنفق أكثر من 11 مليون دولار لإنشاء مختبرات ...
- الشاي بين الفائدة والضرر.. ما الكمية الآمنة يوميا؟
- طائرات مسيرة في استوديو دوفجينكو.. كشف عرضي يفضح كييف (فيديو ...
- فانس: ترمب قد يكشف تفاصيل الاتفاق مع إيران قبل الجمعة


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - تفاوت الرواتب و الأجور في العراق: غياب الرؤية الاقتصادية وتكريس الطبقية