أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - زيد نائل العدوان - اتباع الإنسان لنظام القوة في الحضارات القديمة:















المزيد.....

اتباع الإنسان لنظام القوة في الحضارات القديمة:


زيد نائل العدوان

الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 08:21
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


إن المتتبع لظاهرة القانون يجدها من أقدم الظواهر التي وُجِدَت في تاريخ البشرية، فالقانون بما هو قانون وُجِدَ منذ بدايات ظهور الحضارات البشرية؛ ذلك أنه لا يمكن لمجتمع أن يعيش دون قانون يحكمه، حتى ولو كان هذا القانون غير مكتوب؛ أي كان قانونًا عرفيًا.
فالمجتمعات منذ القدم وحتى الآن، تعمل على تحكيم قواعد مجتمعية معينة بالنسبة للأفراد؛ بحيث يجب على الأفراد الالتزام بها وعدم محاولة خرقها، كي ينالوا الاحترام المجتمعي؛ هذه القواعد عُرِفَت قديمًا باسم (العرف) وحديثَا باسم (العادات والتقاليد).
فالقانون بما هو معروف حاليًا، أو القانون بتعريفه الحالي، لم يكن موجودًا في الحضارات القديمة؛ أقصد أن القانون باعتباره مجموعة من القواعد المكتوبة المقننة من قبل سلطة ما لم يكن له وجود في العصور القديمة، فبالعصور القديمة كان البشر يحتكمون إلى عادات وتقاليد في فصل النزاعات التي بينهم، حتى وُجِدَ النص القانوني المكتوب فصار البشر يلجؤون إليه كوسيلة لحل النزاعات.
ولكن ومع ذلك، فإن الجماعات البدائية كما أسلفتُ سابقًا كانت تعمل على حفظ القوانين وتطبيقها ولو كانت بشكل عرفي؛ ذلك أنه يوجد فرق ما بين القانون كقواعد مكتوبة والقانون كنظام اجتماعي يحكم المجتمع، ففي الأول يُشتَرَط وجود مؤسسة تقوم على تنظيم هذا القانون وتشريعه وإيجاده، وفي الثانية يكون القانون عبارة عن قواعد يجب على الأفراد الالتزام بها وإلا سيواجهون عقوبات مجتمعية.
وكان هذا الالتزام -أي التزام الأفراد بالقانون- ينبع من إحساس داخلي تزرعه الجماعة في الفرد منذ صغره بوجوب وأهمية احترام الأعراف والعادات والتقاليد، فينشأ الفرد منذ الصغر على الإحساس بالاحترام نحو هذه العادات والتقاليد المختلفة، ويعمل على الالتزام بها حين كبره.
وهذا الالتزام مبعثه مبدأ يدعى عندي بمبدأ (التقابل)، وهو أن الفرد قديمًا كان يلتزم بالعادات والتقاليد كواجب، وفي مقابل ذلك هو يتوقع الحصول على بعض الحقوق المجتمعية مثل الحق في العمل والحق في الأجر...الخ من الحقوق التي كانت منتشرة في المجتمعات البدائية البشرية، فما يبعث الفرد إذًا على أن يلبي هذه الواجبات هو أمله في الحصول على شيء من الحقوق.
وهذا المبدأ بدوره كان يقوم على نظام القوة؛ أي أن الجماعة هي التي تضمن للفرد الحصول على حقه، خصوصًا بالحاكم الذي يمثلها، فمثلًا، لو تم الاعتداء على حق هذا الفرد، فإنه يذهب للحاكم -أي حاكم الجماعة- ويشتكي له، وحاكم الجماعة بما أعطته إياه الجماعة من حق وسلطة يقوم باستيفاء هذا الحق وأخذه من يد المشتكى عليه وإعطاءه للمشتكي.
ولكن هذا المبدأ كان منتقد؛ إذ أن كثير من الحقوق كانت تُهضَم بسبب تسلط ذوي القوة والغلبة على الطرف الأضعف، لذلك نشأت بالحضارات الحديثة ما يسمى بطبقة العبيد؛ وهم الطبقة التي ما استطاعت الدفاع عن حقوقها في مواجهة الطرف الأقوى في المجتمع، هذا بالإضافة إلى أن هنالك نقد آخر لهذا المبدأ، وهو أن مبدأ القوة كان يقوم على أخذ الأفراد لثأرهم عند إيقاع السياسة العقابية على إحدى الأطراف؛ أي أنه لم يكن هنالك دولة تقوم بإيقاع العقاب على الطرف الجاني، إنما كان الأطراف يلجؤون إلى أخذ حقهم بنفسهم مما أنشأ عادة الثأر والانتقام وغير ذلك.
بينما بالنسبة للعلاقات التي كانت موجودة بين الأفراد والجماعات، فهذه العلاقات كان يتلخص محورها حول القوة لا أكثر ولا أقل؛ أي أن الجماعات القديمة الموجودة بالعصور الحجرية والبرونزية عملت على استيفاء حقها بذاتها، ولم تكن الدبلوماسية معروفة فيما بينهم، بل أغلب الظن حسب اكتشافات الأثريين أن القوة كانت هي اللغة الوحيدة المفهومة فيما بين الجماعات القديمة، وذلك أن الإنسان قديمًا كان يظن الدبلوماسية ضعفًا؛ وكان يميل للحرب باعتبارها وسيلة لتأمين الموارد والحاجات الأساسية مثل الأرض لغاية الفلاحة والذهب والفضة لغاية التجارة والقمح لغاية الطعام...الخ من الاحتياجات المختلفة.
وكان الانتقام في الحضارات القديمة لا يقتصر تطبيقه على الأمور الجنائية، بل يمتد كذلك إلى الأمور المدنية، فكان الفرد إذا ما أوقع مخالفة مدنية مثل أن لا يقوم بدفع الدين أو أن لا يقوم بتسليم البضاعة يعرض نفسه للعقوبات الجسمانية من قبل الطرف المقابل.
وتذكر كتب التاريخ أن سبب نظام القوة هذا كان يتمثل في أن الفرد لم تكن بيده وسائل مختلفة ومتغايرة ومتباينة كي يستطيع تحصيل حقه، بل كان الفرد على الأغلب يعيش على مبدأ القوة ويلجأ لها بشكل كامل لعدم وجود مبادئ أخرى؛ فلم يكن في الحضارات الحجرية والبرونزية القديمة قضاء، ولم يكن هنالك وساطة ولا تحكيم...الخ من المبادئ المعروفة بعصرنا هذا، فكان الفرد والجماعة بالتالي يلجآن لهذا الحل كأول وآخر حل دائمًا وأبدًا.
واختلف مع بعض المؤلفين في قولهم بأن عدم وجود قواعد دينية قديمًا كان السبب في لجوء الأفراد للقوة، إذ بنظر هؤلاء المؤلفين فإن غياب الوازع الديني أدى إلى اعتماد القوة كلغة لحل النزاعات، وفي هذا أرد عليهم بأن من يقرأ تاريخ الأديان يكتشف أن الدين منذ القدم كان موجود ومعروف، وكانت القواعد الدينية موجودة ومُعتَرف بها منذ القدم، فهذا الأمر الذي يقولونه غير صحيح البتة.
ومن ثم يقول بعض المؤلفين كذلك أن ما ساعد الجماعات والأفراد في ترك نظام القوة لصالح نظام القضاء -والذي سيظهر فيما بعد- هو محاولة إنهاء قادة الجماعات لهذا الأسلوب لضرره على مصالحهم المختلفة الاقتصادية والسياسية، وفي هذا أرد أن الإنسان بسبب اشتغاله بالعلوم والمعارف وبسبب تمدنه عمل على أن يترك الأساليب الحربية الشرسة وعمل على أن يتحضر، لا بسبب أن قادة الجماعات مصالحهم مهددة بل بسبب أن الإنسان يتمدن مع كل فترة تمر عليه ويتجه للحلول السلمية.
أيضًا، بعض المؤلفين يقولون أن الديانات عندما منحت سلطات لرؤساء الأفراد في معاقبة الجناة سبب ذلك بتحفيف لجوء الأفراد للقوة الشخصية لاستيفاء حقوقهم، وهذا فعليًا أخالفه كذلك، إذ أرى أن قادة الجماعات في الحضارات القديمة مثل الحضارة البابلية والآشورية وإن كانوا يستمدون سلطتهم السياسية من الدين عبر مبدأ (إلهية الحاكم) إلا أنهم فعليًا يستمدون سلطتهم في عقاب الجناة من الجماعة من خلال عقد اجتماعي يتفق فيه الأفراد على التنازل عن حق استيفاء حقوقهم بأيديهم الخاصة مقابل أن يعطوا للحاكم الحق في تحصيل حقوقهم من خلال معاقبة الجناة.
ولكني اتفق مع المؤلفين المختلفين في أن جنوح الإنسان نحو الزراعة والتمدن سبب في تخفيف اللجوء إلى استيفاء الحق من خلال العنف والقوة؛ فالإنسان، وبسبب استقراره زراعيًا ومدنيًا، وكذلك بسبب أن مصالحه لا يمكن أن تستمر وتزدهر في حال الحروب والغارات الدائمة، فضل أن يلجأ لوسائل سلمية مثل القضاء أو الوساطة في حل النزاعات، ولكن هذا لا ينفي في أن الإنسان منذ القدم وحتى اللحظة الراهنة، ما زال يلجأ للحرب في حال شعر بأن مصالحه مهددة.
إذًا، ختامًا، من الممكن القول بأن الإنسان لجأ للقوة كنظام لتحصيل الحقوق، وأن الإنسان مال للجنوح عن هذا النظام كلما تقدم به الزمن وازدهر وتمدن، وأن هذا النظام -بنظري- آيل للانهيار تمامًا؛ حيث ستعيش البشرية بجو يملأه السلام والهدوء، وستنبذ العنف يومًا ما.



#زيد_نائل_العدوان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سرد تاريخي لظهور الرأسمالية في روسيا/ الجزء الأول
- الحكمة في تأملات ماركوس أوريليوس
- تداخل الأسطورة والقانون في الحضارات القديمة
- مقدمة موجزة عن القانون الروماني
- قراءة سريعة في كتاب (الإنسان القانوني)
- النظام الضريبي العادل وأثره في تحقيق التنمية والاستقرار
- وظيفة الضريبة في العصر الحديث
- ماركسية لينين بين الثورة والسلطة
- مقدمة في مفهوم الضريبة
- سرد نثري لأسطورة (لوكي) في التراث الأدبي النرويجي
- القانون والاقتصاد السياسي: كيف يصنع القانون علاقات القوة في ...
- الإشكاليات الناتجة عن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي في البيئة ...
- تحليل قانوني لجريمة التعدي على البيانات الشخصية الالكترونية
- سرد نثري لأسطورة الذئب في التراث النرويجي
- تعقيب على المادة (8) من قانون الأمن السيبراني الأردني
- الحقوق الممنوحة للمرأة في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التم ...
- الحقوق الممنوحة للطفل في الإعلان العالمي لبقاء الطفل وحمايته ...
- في ضرورة وجود القانون
- موجز سريع عن علم (السلامة السيبرانية)
- مقدمة لتعريف الجريمة الالكترونية


المزيد.....




- الجيش الأردني يعلن -اعتراض وإسقاط 5 صواريخ أُطلقت من إيران- ...
- زيلينسكي يطالب بانخراط أوروبي مؤثر في مفاوضات إنهاء الحرب
- ما هي -قوة المهام 59- التي أسهمت في إنقاذ طيارَي الأباتشي؟
- الكويت تعلن -اعتراض أهداف جوية معادية-.. وتوجه رسالة إلى الس ...
- خطط إسرائيلية لاستئناف الحرب على غزة ومحادثات بالقاهرة لتثبي ...
- إيران تستهدف قواعد أمريكية في الخليج والأردن
- مفاوضات على إيقاع العصا والجزرة بين واشنطن وطهران
- اكتمال الرد الأميركي.. خريطة الضربات على إيران
- البحرين: إطلاق صافرات الإنذار والتصدي لهجمات إيرانية
- -غيبوبة خلال أيام-.. تحذير من ترك الإنسولين لـ-الطيبات-


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - زيد نائل العدوان - اتباع الإنسان لنظام القوة في الحضارات القديمة: