أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - زيد نائل العدوان - تداخل الأسطورة والقانون في الحضارات القديمة















المزيد.....

تداخل الأسطورة والقانون في الحضارات القديمة


زيد نائل العدوان

الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 14:02
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


من قديم الزمان، وُجدَت الأسطورة في الديانات المختلفة والمتعددة بأشكال شتى، إذ من أساطير الخلق مرورًا بأساطير الإنسان وصولًا لأساطير الموت، تميز كل بلد من البلدان، وكل حضارة من الحضارات بأسطورة مختلفة عن الآخر؛ بحيث وإن اشتركت الأسطورة مع الآخر في عدة أمور، إلا أنها تختلف معها في أمور أخرى.
ومن اللافت قوله، أن الأسطورة لا تقتصر فقط على المجال الغيبي أو الماورائي، بل تتعدى ذلك لكي يصل أثرها إلى المجال القانوني؛ بحيث أن الأساطير تنشأ بطريقة معينة شريعة قانونية مختصة بها تنظم أمور أتباعها.
أي ما أقصده هو أن الأسطورة عندما تنشأ عادةً، تنشأ وحولها أتباع يؤمنون بها، هؤلاء الأتباع يؤمنون غالبًا بأن السماء والإله الرئيسي في الأسطورة يقوم بتنظيم البشر والمجتمع من كافة النواحي؛ فيقوم الأتباع بابتداع (قانون خاص)؛ بحيث يكون هذا القانون منظم للمجتمع الذي تنتشر به الأسطورة، وعادةً، ما يكون هذا القانون مستمد من الأسطورة، كما أنه يراعي الوضع المجتمعي للمجتمع الذي نشأت به الأسطورة.
ولكي أوضح كلامي، أقول أن ما سبق هو من خصائص الأسطورة، والتي يمكن شرحها وتلخيصها بالتالي:
1. هذا القانون منظم للمجتمع الذي تنتشر به الأسطورة: فمثلًا، الأساطير الرومانية نشأ أو اقترن بها القانون الروماني، وهذا القانون الروماني قام بتنظيم أحوال المجتمع الروماني من زواج وطلاق ومعاملات وبيع وشراء.
2. هذا القانون مستمد من الأسطورة: فلو كانت الأسطورة وحشية مثلًا، لرأينا أن القانون يشجع على الوحشية والقتل، ولو كانت الأسطورة تغرق في الغيبيات والماورائيات، لرأينا أن القانون المُستَمد من الأسطورة يغرق في الغموض واللاوضوح.
3. هذا القانون يراعي الوضع المجتمعي الذي نشأت به الأسطورة: فالمجتمع أيضًا يعكس على الأسطورة كما تعكس الأسطورة عليه؛ فمثلًا، المجتمع الروماني عكس وضعه على القانون الروماني فكان القانون الروماني يميز بين المواطنين والطبقات؛ ذلك أن المجتمع الروماني مجتمع طبقي في القدم بامتياز، فانعكس هذا على القانون الروماني وكذلك انعكس على الأساطير الرومانية فكانت الآلهة في روما مثلًا تتفاوت في أهميتها وتتداخل في طبقات مختلفة.
وهذا يعرج بنا على فكرة أخرى وهي أن الأسطورة تمتد لتصبح قانونًا ثابتًا؛ بل حتى تدخل نفسها في الطبقات القانونية للقانون الذي تؤثر به فيصبح من غير المسموح انتقادها ولا التعرض لها البتة، وهذا بحد ذاته يكشف لنا عن أهمية ومكانة الأسطورة بشكل عام.
ومن ثم، من الممكن أن تتمثل الأسطورة كذلك بطريق الطقوس، فالطقوس الأسطورية والدينية بشكل عام تُعتَبر "قانون" بحد ذاته لا يجوز التعرض له ولا يجوز تغييره أو تناوله بأي طريقة سلبية، لذلك، لا يتمثل القانون فقط في هيئات ومؤسسات وقوانين عملية وواقعية، بل من الممكن أن نقول أن القانون قديمًا كان عبارة عن طقوس تجرى، فهذه الطقوس تخضع لخصائص القوانين، من أنها ثابتة ولا تتغير ومن أنها موجودة بقوة وحاضرة في روح الجماعة ومن أنه من الممنوع التعرض لها، فهي بنظري تُعتَبر "قانون معنوي"؛ ينطبق على الجماعات التي كانت تعتنق الأسطورة قديمًا.
فالقانون لا يشترط فيه دومًا أن يتخذ صورة مادية؛ أي لا يُشتَرط في القانون أن يُطبَق في مؤسسات وأقضية ومحاكم وغير ذلك، بل يكفي لوجوده أن يتمثل في أمر تحتكم له الجماعة في تصوراتها حول الكون، وأن يكون هذا الأمر من الصعب المساس به، كما يكون لهذا الشيء سطوة وقوة وشوكة أدبية على روح الجماعة التي تؤمن به.
وبالتالي، يصبح الإله الرئيسي في هذه الأسطورة أو في المجتمع الذي وُضِعَ فيه الأسطورة هو المشرع الأساسي لهذا القانون، ويكتسب صفة تشريعية قانونية، ويصبح المجتمع يميل لإن يرسخ قوانينه هذه من خلال مؤسسات قانونية مادية، فيظهر القضاة وتنشأ المحاكم...الخ من المظاهر القانونية، ولا أدل على ذلك من القانون الروماني، فالقانون الروماني كان في بادىء الأمر مجموعة من الأساطير التي يؤمن الرومان أن (جوبيتر) هو من أوجدها، ثم تحولت هذه الأساطير لتشريعات تنظم حياة الرومان، ثم اتخذت هذه التشريعات أشكال مادية فأصبح هنالك قضاة رومان ومحاكم رومانية...الخ.
ويصير هذا المشرع -أي الذي يشرع القوانين- مقدس؛ بحيث يتخذ في وجدان الجماعة وفي فكرها صورة رجل حكيم لديه خبرة طويلة، وربما من المجدي أن نتحدث عن الربط بين الحكمة والتشريع، فمثلًا، في الحضارة اليونانية القديمة، كان (زيوس) كبير الآلهة معروف بالحكمة، وكان هو من يُنسَب إليه تشريع القوانين، وكذا الأمر بالنسبة لجوبيتر في روما، وكذا الأمر بالنسبة لمردوخ في بابل، ولأودين في النرويج، وهكذا، يصبح كل إله مشرع للقوانين متصف بالحكمة.
حتى العرب قديمًا، كانت تلجأ للحكماء كي يفصلوا فيما بينهم بخصوص النزاعات، فالحكمة إذًا مرتبطة بالقانون ارتباطًا وثيقًا، ولا تنفك عنه بتاتًا؛ ولذلك فإن أول رجال مشرعين وقانونيين في العالم كانوا رجال دين أو أشخاص يشتغلون بالماورائيات؛ ذلك أن المجتمعات كانت تنظر لهم بوصفهم حكماء، وكانت المجتمعات إذًا تأخذ بأقوالهم من أفواههم وتعدها ميزان توزن به الأمور المختلفة.
وكانت الشريعة الدينية تتمثل بالنص الديني المقدس لدى الأفراد، والذي لم يكونوا فقط يعتبروه نصًا عاديًا، أو محاولة لفهم قوانين الكون، بل كانوا يعتبروه فيما يتعدى ذلك؛ إذ أن النص الديني كانوا يحتكمون إليه كعرف يعيشون به حياتهم ويسقطونه على أسلوب ممارستهم للأمور، فلا يغدو النص الديني مجرد نص يُقرَأ بل يصير كذلك نصًا معاشًا.
هذا مع العلم أن بعض الحضارات والبلدان كانت لا تميل إلى الفرضية الميتافيزيقية هذه؛ أقصد فرضية وضع إله مشرع للقوانين والتشريعات المختلفة، فمثلًا، الصين كانت تعتبر الإله (مفهوم) كما في ديانة الطاو أكثر مما هو كائن يشرع القوانين المختلفة التي تحكم الجوانب المتعددة للحياة الإنسانية، ولكن، ورغم ذلك، إلا أن هذه الحضارات طورت مفهومًا آخرًا للقانون لا يعتمد على "الشخصية الميتافيزيقية" وهو القانون الطبيعي.
فبهذا المنحى من القانون، فإن الفرد يلتزم بعدة قوانين تحكم التعامل الإنساني في المجالات المتغايرة؛ بحيث أن هذه القوانين هي قوانين مستمدة من الطبيعة نفسها، فالصينيون لاحظوا أن هنالك قوانين تحكم الطبيعة نفسها وأسموا هذه القوانين (الطاو)؛ وجعلوا من الالتزام بهذه القوانين معيارهم الأساسي، رغم أن بعض المدارس الصينية، مثل الكونفوشسية عملت على إرساء قوانين وتشريع تعليمات وأنظمة كي تحفظ الدولة وتسير أمورها، خصوصًا بعد ما عُرِفَت به من نزعة نحو السياسة كحركة فلسفية.
إذًا، ما أريد قوله هو أن القانون والأسطورة تتداخل؛ بحيث تصبح الأسطورة تشرع قوانين؛ من خلال اعتقاد أفرادها أن الإله الخاص بالأسطورة يريد منهم تشريع هذه القوانين، كما أن للأسطورة قديمًا تأثير كبير على القانون، فلا يمكن فصل الأسطورة إذًا عن القانون.



#زيد_نائل_العدوان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقدمة موجزة عن القانون الروماني
- قراءة سريعة في كتاب (الإنسان القانوني)
- النظام الضريبي العادل وأثره في تحقيق التنمية والاستقرار
- وظيفة الضريبة في العصر الحديث
- ماركسية لينين بين الثورة والسلطة
- مقدمة في مفهوم الضريبة
- سرد نثري لأسطورة (لوكي) في التراث الأدبي النرويجي
- القانون والاقتصاد السياسي: كيف يصنع القانون علاقات القوة في ...
- الإشكاليات الناتجة عن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي في البيئة ...
- تحليل قانوني لجريمة التعدي على البيانات الشخصية الالكترونية
- سرد نثري لأسطورة الذئب في التراث النرويجي
- تعقيب على المادة (8) من قانون الأمن السيبراني الأردني
- الحقوق الممنوحة للمرأة في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التم ...
- الحقوق الممنوحة للطفل في الإعلان العالمي لبقاء الطفل وحمايته ...
- في ضرورة وجود القانون
- موجز سريع عن علم (السلامة السيبرانية)
- مقدمة لتعريف الجريمة الالكترونية
- تصنيف الجرائم الالكترونية وفق قانون الجرائم الالكترونية الأر ...
- نقد منهجية التعليم القانوني
- ملاحظات في الأنثربولوجيا القانونية/ الجزء الثاني


المزيد.....




- اعتقالات تطال نساء أفغانيات على خلفية قواعد اللباس.. حملة لط ...
- تفاؤل حذر بين المهاجرين في أمريكا بعد قرار قضائي ينهي تجميد ...
- مقيد اليدين والقدمين.. تفاصيل صادمة عن ظروف اعتقال الطبيب حس ...
- وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: نؤكد ضرورة تنفيذ مهام ميث ...
- لافروف: الأمين العام الحالي للأمم المتحدة يتواطأ علنًا مع ا ...
- مئات يتظاهرون تكريما للتلميذة الفرنسية المقتولة -ليهانا-
- شهيدان وجرحى في غارات إسرائيلية استهدفت خيام النازحين بخانيو ...
- اعتداءات للمستوطنين في نابلس وحملة اعتقالات تطال مواطنين بال ...
- مفاوضات القاهرة: ما معوقات بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق ...
- إيرانيون يتظاهرون خارج ملعب كأس العالم قبل مباراة إيران


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - زيد نائل العدوان - تداخل الأسطورة والقانون في الحضارات القديمة