قحطان جاسم
الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 02:06
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
2. ساعة الصفر
كان الوضع الذي يواجه الحكومة السوفيتية في أوائل ربيع عام 1918 على النحو التالي: كانت ألمانيا تستعد للإطاحة بالحكومة السوفيتية بالقوة إذا رفض الروس المصادقة على معاهدة صلح "برست ليتوفسك"؛ بينما كانت بريطانيا وفرنسا تدعمان، وفي الوقت نفسه، سراً قوى الثورة المضادة التي كانت تتجمع في أرخانجلسك ومورمانسك وعلى نهر الدون؛ بينما كان اليابانيون، بموافقة الحلفاء، يخططون للاستيلاء على فلاديفوستوك وغزو سيبيريا.
وفي مقابلة مع لوكهارت، أخبر لينين العميل البريطاني أن الحكومة السوفيتية ستنتقل إلى موسكو خوفاً من هجوم ألماني على بتروغراد. وأكد أن البلاشفة سيقاتلون إذا لزم الأمر، حتى لو اضطروا إلى التراجع إلى نهر الفولغا وجبال الأورال، لكنهم سيقاتلون وفقاً لشروطهم الخاصة؛ إذ إنهم "لن يكونوا مخلب قط للحلفاء". وأوضح لينين للوكهارت أنه إذا استوعب الحلفاء هذا الأمر، فإن هناك فرصة ممتازة للتعاون، لا سيما وأن روسيا السوفيتية كانت في حاجة ماسة إلى المساعدة لمقاومة الألمان.
وأضاف لينين بنبرة صارمة: " و أنا مقتنع تماماً، في الوقت نفسه، بأن حكومتكم لن ترى الأمور بهذا المنظور أبداً؛ فهي حكومة رجعية، وسوف تتعاون مع الرجعيين الروس".
أرسل لوكهارت فحوى هذه المقابلة عبر برقية إلى وزارة الخارجية البريطانية. و تلقى، بعد بضعة أيام، رسالة مشفرة من لندن؛ فقام بفك شفرتها على عجل وقراءتها. كانت الرسالة تنقل وجهة نظر "خبير عسكري" يرى أن كل ما تحتاجه روسيا هو "نواة صغيرة ولكن حازمة من الضباط البريطانيين" حيث ستقوم بتولي قيادة "الروس الموالين" الذين سيضعون حداً للبلشفية في القريب العاجل.
وفي الثالث والعشرين من شباط، كتب السفير فرنسيس رسالة إلى ابنه جاء فيها :
"إن نيتي هي البقاء في روسيا لأطول فترة ممكنة. فإذا ما عُقد صلح منفرد، كما أعتقد أنه سيحدث؛ فلن يكون هناك أي خطر من وقوعي في أسر الألمان. ومع ذلك، فإن مثل هذا الصلح المنفرد سيكون بمثابة ضربة قاسية للحلفاء، وإذا رفض أي جزء من روسيا الاعتراف بسلطة الحكومة البلشفية في إبرام مثل هذا الصلح، فسوف أسعى جاهداً للاستقرار في ذلك الجزء وتشجيع التمرد".
انضم السفير فرنسيس، بعد كتابة هذه الرسالة، إلى السفير الفرنسي "نولينز" ودبلوماسيين آخرين من دول الحلفاء في بلدة "فولوجدا" الصغيرة، الواقعة بين موسكو وأرخانجلسك. وكان من الواضح أن حكومات الحلفاء قد اتخذت قرارها بالفعل بعدم التعاون بأي شكل من الأشكال مع النظام السوفيتي.
وبناءً على طلب عاجل من "روبنز"، وافق لينين على صياغة مذكرة رسمية موجهة إلى حكومة الولايات المتحدة. ورغم أنه كان يحمل أملا ضئيلا في تلقي رد إيجابي؛ إلا أنه كان مستعداً لخوض المحاولة.
وقد سُلِّمت المذكرة رسمياً إلى "روبنز" لنقلها إلى حكومة الولايات المتحدة، وجاء في جزء منها:
" في حال (أ) رفض المؤتمر العام لعموم روسيا للسوفيت المصادقة على معاهدة السلام مع ألمانيا، أو (ب) إذا خرقت الحكومة الألمانية معاهدة السلام واستأنفت الهجوم من أجل مواصلة غاراتها اللصوصية...
(1) هل يمكن للحكومة السوفيتية الاعتماد على دعم الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا العظمى، وفرنسا في نضالها ضد ألمانيا؟ (2)
(2) ما هو نوع الدعم الذي يمكن تقديمه في المستقبل القريب، وبأي شروط؟ (هل هو معدات عسكرية، إمدادات نقل، أم مستلزمات معيشية؟)
(3) ما هو نوع الدعم الذي يمكن تقديمه بشكل خاص وتحديداً من طرف الولايات المتحدة؟..."
كان من المقرر أن يجتمع المؤتمر العام لعموم روسيا للسوفيت في الثاني عشر من مارس لمناقشة المصادقة على معاهدة صلح "برست ليتوفسك". وبناءً على طلب من "روبنز"، وافق لينين على تأجيل انعقاد المؤتمر إلى الرابع عشر من مارس، وبذلك منح "روبنز" و"لوكهارت" يومين إضافيين لإقناع حكومتيهما باتخاذ إجراء حاسم.
أرسل لوكهارت، في الخامس من مارس عام 1918، برقية استعطافية أخيرة وموسعة إلى وزارة الخارجية البريطانية، يناشد فيها بضرورة الاعتراف بالحكومة السوفيتية، وجاء فيها: "إذا كان قد أتيحت للحلفاء فرصة حقيقية في روسيا منذ قيام الثورة، فإن الألمان هم من منحوهم إياها بموجب شروط السلام الباهظة والمجحفة التي فرضوها على الروس... وإذا كانت حكومة صاحب الجلالة لا ترغب في رؤية ألمانيا مهيمنة ومسيطرة في روسيا، فإنني أرجوكم وأتوسل إليكم بكل إخلاص ألا تفوتوا هذه الفرصة"
لم يأتِ أي رد من لندن، بل كل ما وصل كان رسالة من زوجة لوكهارت تحثه فيها على توخي الحذر، وتحذره من أن ثمة شائعة تتردد داخل أروقة وزارة الخارجية بأنه قد أصبح "أحمر"...
وفي الرابع عشر من مارس، انعقد المؤتمر العام لعموم روسيا للسوفيت في موسكو. ناقش المندوبون، طوال يومين بلياليهما، مسألة المصادقة على معاهدة "برست ليتوفسك". وكانت المعارضة التابعة لتروتسكي حاضرة بكل قوتها، محاولة تحقيق مكاسب سياسية من وراء معاهدة السلام غير الشعبية؛ غير أن تروتسكي نفسه، كما يصفه روبنز، كان " عابسا.. بقي في بتروغراد ورفض الحضور".
وقبل ساعة واحدة من منتصف الليل في الليلة الثانية للمؤتمر، أشار لينين بيده إلى روبنز، الذي كان يجلس على الدرجة الأسفل من المنصة.
"ماذا سمعت من حكومتك؟"
"لا شيء!"
" وماذا سمع لوكهارت؟"
"لا شيء!"
هز لينين كتفيه وقال لروبنز: "أنا ذاهب الآن إلى المنصة. سألقي كلمة لتأييد المصادقة على المعاهدة، وسوف تتم المصادقة عليها".
تحدث لينين لمدة ساعة كاملة، ولم يحاول أبداً تصوير هذا السلام على أنه أي شيء آخر سوى كارثة حلت بروسيا. وبمنطق واضح وجلي، أشار إلى ضرورة أن تحصل الحكومة السوفيتية، المعزولة والمهددة من كل جانب، مهلة لالتقاط الأنفاس مهما كان الثمن.
وهكذا، تم إبرام والمصادقة على معاهدة "برست ليتوفسك".
وجاء في بيان أصدره المؤتمر:
"في ظل الظروف الراهنة، بعد أن تُركت الحكومة السوفيتية للجمهورية الروسية، تعتمد على قواها الذاتية فحسب، باتت عاجزة عن الصمود أمام الهجوم المسلح للإمبريالية الألمانية، وهي مضطرة، من أجل إنقاذ روسيا الثورية، إلى قبول الشروط المفروضة عليها".
3. نهاية المهمة
أرسل السفير فرنسيس برقية إلى وزارة الخارجية الأمريكية في الثاني من آيار عام 1918، جاء فيها: "لقد حبّذ روبنز، وربما لوكهارت أيضاً، الاعتراف بالحكومة السوفيتية، ولكنكم وجميع الحلفاء عارضتم دائماً هذا الاعتراف، كما أنني رفضت باستمرار التوصية به، ولا أشعر بأنني قد أخطأت في ذلك".
تلقى روبنز ثلاث رسائل من وزارة الخارجية الأمريكية، بينما كان يسافر عبر روسيا على متن خط سكة حديد سيبيريا للابحار على سفينة من "فلاديفوستوك"، وكانت كل واحدة من تلك الرسائل تحمل التعليمات ذاتها: كان عليه ألا يدلي بأي تصريح علني من أي نوع.
قدم روبنز، بعد عودته إلى واشنطن، تقريراً إلى الوزير "لانسينغ" Lansing، يدين فيه بشدة فكرة أي تدخل عسكري من جانب الحلفاء ضد روسيا السوفيتية. وأرفق روبنز بتقريره برنامجاً مكتوباً ومفصلاً لتطوير العلاقات التجارية الروسية الأمريكية؛ وهو البرنامج الذي كان لينين قد سلمه شخصياً إلى روبنز قبيل مغادرته موسكو، على أن يتم تسليمه إلى الرئيس "ويلسون".
بيد أن برنامج لينين لم يصل إلى ويلسون أبداً. وحاول روبنز نفسه مقابلة الرئيس، ولكن دون جدوى؛ إذ جرى اعتراض طريقه وإعاقته عند كل منعطف. وحينما حاول إيصال رسالته إلى الصحف، عمدت الصحافة إما إلى تجاهل ما كان يقوله أو تشويهه... واضطر روبنز إلى الدفاع عن نفسه أمام لجنة تابعة لمجلس الشيوخ كانت تحقق في قضايا "البلشفية" و"الدعاية الألمانية".
وأعلن روبنز قائلاً: "إذا كنت لكوني قلت الحقيقة، ولم أكذب وأفترِ على الناس، ولم أقل إنهم عملاء لألمانيا ولصوص وقتلة ومجرمون بالكامل، أصبح بلشفياً؛ فليكن! لكنني كنت أملك أفضل نافذة وإطلالة مقارنة بأي ممثل آخر للحلفاء في روسيا، وكنت أحاول الحفاظ على واقعيتي وموضوعيتي. إنني أود قول الحقيقة بشأن الرجال والحركات، بلا هوى وبلا ضغينة، حتى وإن كنت أختلف معهم... .إنني راغب تماماً في أن يحصل الشعب الروسي على نوع الحكومة التي يريدها، سواء كان ذلك يناسبني، أو كان يتوافق مع مبادئي أم لا... وإنني لأعتقد أن معرفة ما حدث بالفعل في روسيا هي مسألة في غاية الأهمية والخطورة، وأن من واجبنا وواجب بلادنا أن نتعامل مع هذا الأمر بصدق وإنصاف، بدلاً من الانسياق وراء الهوى أو الاستناد إلى تصريحات مجافية للحقيقة... إنني لن أتوقع أبداً أن نتمكن من طمس الأفكار وسحقها بالحراب... فالرد الوحيد على الرغبة في حياة إنسانية أفضل، هو تقديم حياة إنسانية أفضل".
بيد أن صوت روبنز الصادق قد غرق واختفى في غمرة المد المتصاعد من التضليل والتحيز.
وبحلول صيف عام 1918، ورغم أن الولايات المتحدة كانت في حالة حرب مع ألمانيا وليس مع روسيا، كانت صحيفة "نيويورك تايمز" تصف البلاشفة بالفعل بأنهم "أعداؤنا الأكثر خباثة"، وبأنهم "وحوش ضارية كاسرة". وكان القادة السوفيت يُدانُونَ على نطاق واسع في الصحافة الأمريكية باعتبارهم "عملاء مأجورين" للألمان. وكانت عبارات مثل "جزارين"، و"قتلة ومجانين"، و"مجرمين مخمورين بالدماء"، و"حثالة البشر" من بين المصطلحات النموذجية التي استخدمتها الصحف الأمريكية للإشارة إلى لينين وأعوانه. وفي الكونغرس، كانوا يُنعتون بـ "تلك الوحوش الملعونة".....
ظل السفير فرنسيس في روسيا حتى تموز من عام 1918. وكان يصدر بصفة دورية بيانات وبلاغات يدعو فيها الشعب الروسي إلى الإطاحة بالحكومة السوفيتية.
وكذلك بقي بروس لوكهارت في روسيا؛ وقال لاحقاً: "كان ينبغي علي أن أستقيل وأعود إلى وطني". وبدلاً من ذلك، استمر في منصبه كعميل بريطاني.
واعترف لوكهارت لاحقاً في كتابه (عميل بريطاني): "وقبل أن أدرك ذلك تقريباً، وجدت نفسي قد انخرطت في حركة كانت موجهة - مهما كان هدفها الأصلي- ليس ضد ألمانيا، بل ضد حكومة الأمر الواقع في روسيا"
يتبع
الفصل الثالث
سيد الجواسيس
#قحطان_جاسم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟