أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - قحطان جاسم - شاكر الناصري في -كوابيس سيرة النحس-: الكتابة هي فعلُ خلاصٍ أخير















المزيد.....

شاكر الناصري في -كوابيس سيرة النحس-: الكتابة هي فعلُ خلاصٍ أخير


قحطان جاسم

الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 22:50
المحور: الادب والفن
    


صدر كتاب "كوابيس سيرة النحس" عام 2025 عن دار "المفكر للكتب"، وهو الإصدار الثالث للكاتب شاكر الناصري. يأتي هذا العمل كخلاصة لسيرة ذاتية مكثفة، يدوّن فيها الكاتب محطات من حياته بأمانةٍ قاسية وعمقٍ إنساني لافت. ليست السيرة الذاتية عند شاكر الناصري مجرد استرجاعٍ بارد للوقائع، بل هي محاولة "أنسنة" للزمن وترميمٌ للحطام. في مواجهة العجز الفظيع والألم الذي ينهش جسده اليوم، يرفع شاكر قلمه كمتراس آخر من أجل الحياة، معلناً في افتتاحية كتابه: "أكتب لأنجو، ولكي لا يموت من مات مرتين". إنها صرخة الكائن الذي أدرك أن الورق يمكن أن يكون ملاذاً ممكناً لتخليد الحكاية والأحداث. ولهذا، فإذا كان الموت في المرة الأولى قدراً (نحساً)، فإنه في المرة الثانية سيكون "موت الذاكرة"، وهو ما يرفضه الناصري بكل ما أوتي من نبض.
وكما كتبت سيمون دي بوفوار بما معناه، في كتاباتها عن الذاكرة والموت: "الكلمات هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ ما فاتنا، لكي نمنح الماضي جسداً لا يبليه المرض"؛ إنها إعادة الحق في الكلام، والحق في أن يكون الألم شهادة إنسانية، ورفض مسبق للنسيان. والكتابة هي أيضاً، على رأي إميل سيوران: "انتقامٌ من الواقع". وعليه ينتقم شاكر الناصري في كتابه من مرضه ومن انكساراته، ليحول ذلك النحس إلى نصٍ أدبيٍ معبر يتجاوز حدود الجسد المتألم.
و ينقلنا شاكر إلى تلك العوالم "المنحوسة" التي مر بها وشكلت حياته، والتي لم تكن مجرد صدفة عابرة، بل كانت ظلاً يلاحق سيرة حياتية مثقلة بالانكسارات والانتصارات الصغيرة. الكتابة هنا ليست ترفاً، بل هي "مورفين" الروح؛ حيث يحاول الكاتب أن يستعيد ملامحه من بين براثن المرض، ليقدم لنا شهادة حية على إرادة الإنسان.
يذكرنا شاكر، برغم الألم و الكوابيس، بأن "النجاة" ممكنة عبر الحكاية. فمن يقرأ "كوابيسه" لن يرى مريضاً يئن، بل سيرى مقاتلاً يحيك من أوجاعه ليمنحنا نحن القراء الدهشة ويحفز فينا الغضب و يحضنا على التذكر. يكتب الفرد سيرته ليقول للعدم: "لقد كنتُ هنا، وهذا هو أثري». وكما كتب الناقد والاديب الفرنسي سانت بوف (1804–1869) في " كتابة أحاديث الاثنين " : إن السيرة الذاتية هي نافذة نفتحها في جدار الزمن، لكي يرى من يأتي بعدنا أننا لم نكن مجرد أرقام، بل كنا جروحاً وآمالاً". إنها عملية " تطّهر"، بالنسبة لصاحب السيرة ؛" حيث يعيد ترتيب ركام السنين ليجد فيها خيطاً من المعنى، أما بالنسبة للآخرين، فإن السيرة هي "بوصلة" في تيه الوجود. نحن لا نقرأ "حياة الآخر لنعرف ماذا فعل، بل لنعرف كيف واجه ما فُرض عليه، وكيف استطاع أن يحول "النحس" الشخصي إلى تجربة إنسانية عميقة".
يقر شاكر بمرارة بأن الكتابة "عن الآخرين وسرد قصصهم أسهل بكثير من استنطاق الروح الموشومة بالالم عبر كتابة السيرة الذاتية وتفاصيلها المفرح والمحزن فيها". فالكتابة هنا "ألم حقيقي" يتجلى وهو يعيد سرد كوابيس سيرة النحس عن الحرب، ونذالة البعض، ومواجهة سلطة مجرمة، والسجن ، والهروب عبر البلدان. وفي خضم هذا التجلي، يضعنا الناصري أمام اكتشافٍ وجودي باهر يفرضه في نهاية المطاف: «أما – أو" . " أما أن تتخلص من كل الأعباء التي تئن تحت وطأتها عبر مواجهتها وتدوينها، أو أن تواصل الأنين ومسلسل الذعر الذي يصيب شظاياه أقرب الناس إليك".
ولهذا لا يكتفي شاكر الناصري بسرد مأساته الشخصية، بل يستحضر وجوهاً حفرت سماتها العميقة في تضاريس وجدانه، فيبرز رياض ورحيم وعلاء كشركاء في المصير والموت في ملاجئ "العمارة" و"البصرة"، ويطل خريبط وسالم بملامح طيبة الجنوب المسحوقة، بينما يأتي الفلسطيني "زمن عبد الله" ليعكس تداخل المآسي العربية واغتراب الإنسان داخل حربه وخارج وطنه. هؤلاء لم يكونوا مجرد زملاء، بل كانوا "مرايا" إنسانية يرى فيها بوضوحٍ جارح انعكاس انكساراته الخاصة وتطلعاته الموؤودة.، وكأن قصصهم هي التوثيق الحقيقي لضياع جيلٍ كامل لم يتبقَّ منه سوى هذه الذكريات الموشومة بالدم والتراب. و في "حاج عمران"، حيث تلامس قمم الجبال حدود السماء والموت معاً، يكتب واصفا مشهد الجندي الذي يلوح بكفه المقطوعة كبشارة نجاة و كأنها تسجيدا لمقولة نيتشه: "من يمتلك سبباً يعيش لأجله، يمكنه تحمل أي حال". يصرخ الجندي بتهكمٍ مرير:" لقد أفلتُّ من الموت.. أما أنتم فكلكم ستموتون هنا "، (ص. 33) لقد أراد شاكر من سرد هذا المشهد المأساوي أن يرينا كيف تُمسخ القيم الإنسانية في الحرب، لدرجة تصبح فيها "الفجيعة الجسدية" هي الملاذ الأخير للفرار من الموت.
يصف شاكر وضعه عندما كان طالباً في إعدادية الناصرية (1980-1981)؛ حيث بداية الحرب ، و حيث "يخيم الإحساس بأن الحرب ستلتهم الأعمار والأحلام معاً". لم تكن المدن سوى" ثكنات عسكرية، وشوارعنا ساحات لنقاط التفتيش والملاحقات، والتصفيات والإعدامات الفورية" لكل من يحاول الفرار من هذا القدر المحتوم." لقد تحولت البلاد الى جمهورية الذعر والسجن الكبير بموازاة أزيز الرصاص، فقد تصاعد "طوق الذعر"، الذي فرضته السلطة وأجهزتها الأمنية، حتى تحول العراقيون إلى كائنات ينهشها الخوف من أقرب المقربين، وتحول العراق إلى "سجنٍ كبير". ص. 18. فمن اجل رفد محرقة الحرب، غيرت سلطة البعث شروط القبول الجامعي، وبدلاً من الاحتفاء بتفوقه الدراسي (1982-1983)، يساق قسرا كغيره من الشباب اليافعين، إلى "قواطع الجيش الشعبي للتدريب" في كردستان. كانت هذه "القواطع" هي البوابة التي عبر منها جيل كامل من مقاعد العلم إلى خنادق الموت، حيث صودر حقه في التعليم الجامعي، أو التمتع بالحياة، ليصبح وقوداً في جبهات القتال، في جريمة اغتيال معلن للمستقبل.
في خنادق الموت عام 1985، يكتشف شاكر الناصري أن الحرب ليست بطولات تُروى، بل هي "عفن ملاجئ وقمل ورائحة جثث". لقد سلبوا منه الجامعة ليقدموا له بدلاً منها كوابيس لا تنتهي، و "عنجهية الضباط" و "موتا رخيصا" تحت قذائف المدفعية. يصف كل ذلك بصدقٍ جارح، محولاً "نحسه" الشخصي إلى وثيقة إدانة ضد الحرب التي تنهش الأحلام. و كأن شاكر يريد إعادة صياغة ما كتبه أوسكار وايلد في رسالته المؤثرة من (سجن ريدينغ) " من الأعماق": المأساة ليست في أن نعاني، بل في ألا نجد معنى لمعاناتنا"، فهو بفعله هذا يمنح معاناته ومعاناة جيله معنىً أبدياً؛ جاعلاً من الذاكرة "وشماً" لا يمحوه الغياب. إنها حياةٌ تُسرد لا لكي تُبكي القارئ، بل لكي تمنع "من مات مرتين" من أن يُنسى في زحام التاريخ. ص. 23
حتى في لحظات "الهدوء الكاذب" في "أبو الخصيب" بالبصرة، كان القبح يتربص بهم. يوثق شاكر ص 56 كيف استباح "آمر سرية المغاوير" وجنوده بيوت الأهالي النازحين، حيث نهب الجنود الممتلكات والكتب والمخطوطات، إرضاءً لآمريهم ص 77، في مشهد يختصر كيف تتحول الحرب إلى وحش ينهش كل شيء.
يختتم شاكر الناصري سيرته (كوابيس سيرة النحس) بحقيقةٍ فلسفية موجعة: إن الحرب لا تنتهي بمجرد توقف القصف. فقد ظلت الحرب بالنسبة له "موشومة" في ذاكرته كجروح مفتوحة، انتقلت معه من خنادق "حاج عمران" و"أبو الخصيب" و" العمارة" لتستوطن غرفته في الدنمارك. وكأننا به يجسد مقولة كيركگورد: "الحياة لا تُفهم إلا بالعودة إلى الوراء، ولكنها يجب أن تُعاش بالتطلع إلى الأمام". لقد وجد شاكر نفسه تحت وطأة كوابيسه مجبراً على العودة إلى الوراء ليفهم "النحس" الذي طارده و جيله بلا رحمة.
إن عرضه لهذه الكوابيس اليوم، وهو يواجه آلامه الراهنة، هو فعلُ تمردٍ نبيل. لكي يترك لنا نحن القرّاء أمانةً ثقيلة: أن نتذكر ان انعدام الحرية و القمع السياسي و الحرب انتهاك لكرامة الإنسان مرتين؛ مرة عندما يعيشها الفرد، ومرة عندما ترفض أن تغادر الذاكرة. ومن هنا تكتسب هذه السيرة أهميتها بكونها سرداً مضاداً للسردية التي أسس لها نظام البعث و المطبلين له، أو ما يسميه شاكر "فيلق المرتزقة" من الإعلاميين والأدباء والشعراء. إنها شكوى احتجاج عميقة ومكتومة ضد انتهاك ما هو إنساني، ومحاولة جادة لتنقية الذاكرة الجمعية من زيف الأبواق السلطوية، وإعادة الاعتبار للفرد في مواجهة ماكنة القمع والنسيان.



#قحطان_جاسم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في ذكرى رحيل فيلسوف الوجودية سورن كيرككورد
- آلام الحرب وفضاعة الماضي في قصص -بيت التراب- للقاصّة العراقي ...
- كتابة على جدران المدن المستباحة -10- أيّة قُبلة هذه تشيع الف ...
- الدهشة الشعرية في قصيدةٍ للشاعر العراقي صلاح فائق !
- الشاعر العراقي عبود الجابري والكتابة بعيون طفل..!
- -كلّ هذا البريق وتتشبث بالوضوح ؟-
- رواية -أبواب ضيقة- للروائية سلوى جرّاح: بين السيرة الذاتية و ...
- - قصيدة - - قصة قصيرة
- العدد الجديد من مجلة -الثقافة العراقية- ؛ بقعة ضوء في ظلام ح ...
- - إلتماعات في عتمة -
- مقدمة لكتاب مترجم -قصائد مختارة للشاعرة الدانماركية لولا باي ...
- اكتشاف متأخر
- اليكِ..بمثابة اعتذار متأخر جدا..!
- بين الفكر اللاهوتي الغربي والركام اللغوي الديني الاسلامي الم ...
- قصائد مختارة للشاعرة الدانماركية لولا بايدل
- - أناشيد الخيبة
- - رغم كل ذلك-
- الكتابة النقدية وسلوك الحوار
- -..! وانت تعدّ البراهينَ التي أخفاها الحمقى -
- صدور الديوان الثالث - آن الذهول - مع مختارات منه.


المزيد.....




- وفاة أيقونة موسيقى الأفلام الهندية بعد مسيرة حافلة بأكثر من ...
- تقديرات إسرائيلية: الجولة القادمة مع إيران مسألة وقت وفشل في ...
- جامعة غزة المؤقتة: محاولة لإحياء المسيرة الأكاديمية من وسط ا ...
- الرباط.. إطلاق سلسلة دورات تكوينية حول -الطرق الخلاقة لإيصال ...
- ترامب يحتفل بعيد ميلاده الـ80 بنزال للفنون القتالية
- أدب الموانع.. -معلق- يوثق رحلة فلسطيني لاستعادة -الروح- بجوا ...
- نص سيريالى (زمن يَرتَدِي وَجهِي وَيهدِم أوْطاني) محمد أبوالح ...
- أزمة -الجناح الروسي- تعصف ببينالي البندقية 2026
- أمين المجلس الإعلامي للحكومة الإيرانية محمد كلزاري: الفرق ا ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - قحطان جاسم - شاكر الناصري في -كوابيس سيرة النحس-: الكتابة هي فعلُ خلاصٍ أخير