قحطان جاسم
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 23:26
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
4.عدم الإعتراف .
أبرق السفير فرانسيس في الصباح، بعد تشكيل الحكومة السوفيتية، ملاحظة إلى صديقه ما دين سومرز، القنصل الاميركي العام في موسكو: "إن الأخبار تقول، أن مجلس بتروغراد للعمال والجنود قد عين حكومة تضم لينين رئيسا للوزراء، وتروتسكي وزيرا للخارجية، والسيدة أو الآنسة كولونتاي وزيرة للتعليم. يا له من أمر فظيع! - لكنني آمل أن تُبذل الجهود بطريقةٍ ، بحيث كلما أصبح الوضع أكثر إثارة للسخرية، سارعوا إلى إيجاد وسيلة ضده".
و أبرق السفير إلى واشنطن باعتباره رأيه، بان عمر النظام السوفيتي الجديد سيكون مسألة أيام فقط. وحث وزارة الخارجية على عدم الاعتراف بالحكومة الروسية حتى يتم الاطاحة بالبلشفيك ويحل محلهم "روس وطنيون"....
دخل رايموند روبنز، في الصباح ذاته، مكتب العقيد تومبسون في مقر الصليب الاحمر الامريكي في بتروغراد.
قال روبنز: " يجب ان نتحرك بسرعة! ان هذه الفكرة القائلة بان كيرينسكي سيقوم ببناء جيش في مكان ما، وان القوزاق قادمون من منطقة الدون والحرس الابيض ينزلون من فنلندا، هي محض هراء! لن يصلوا الى هنا ابدا. فهناك الكثير جدا من الفلاحين المسلحين بالبنادق يقفون في طريقهم! كلا، ان هذه المجموعة التي تدير العرض في سمولني ستستمر في ادارته لفترة اطول بكثير!
أراد روبنز الحصول على إذن من قائده للذهاب إلى سمولني فوراً وإجراء مقابلة مع لينين. قال روبنز في إشارة إلى البلشفيك: "هؤلاء القوم في مجملهم أناس طيبون وجديرون بالاحترام. إن بعضنا قد انخرط في السياسة وتعامل مع زعماء سياسين أمريكيين، وإذا كان هناك من هو أكثر فساداً أو أسوأ في سمولني مما هم عليه بعض فاسدينا، فعندها يكونون حقا حفنة من المحتالين، وهذا كل ما في الامر!"
أظهر العقيد تومبسون إلى روبنز، بدلا من أن يرد على ذلك، بعض الأوامر التي كان قد تلقاها لتوه من واشنطن؛ فقد كان عليه العودة للتشاور فورا. و كان تومبسون شخصيا متفقا مع روبنز على أن البلشفيك يمثلون جماهير الشعب الروسي، وانه عندما يعود الى امريكا، سيحاول اقناع وزارة الخارجية بذلك. وفي هذه الاثناء، توجب على روبنز الذي تمت ترقيته الى رتبة عقيد، لتولي رئاسة بعثة الصليب الاحمر الامريكي في روسيا. صافح العقيد تومبسون مساعده السابق وتمنى له حظا سعيدا...
لم يضع روبنز أي وقت؛ فقد توجه بسيارته إلى سمولني وطلب مقابلة لينين.
قال روبنز بصراحة: "لقد كنتُ مؤيدا لكيرينسكي، لكنني أعرف الجثة حين أراها، وأنا أعتبر الحكومة المؤقتة ميتة. أريد أن أعرف ما إذا كان الصليب الأحمر الأمريكي يستطيع خدمة الشعب الروسي دون الإضرار بمصالحنا الوطنية. أنا ضد برنامجكم السياسي الداخلي، لكن ما يحدث في شأن روسيا الداخلي ليس من شأني. لو كان كورنيلوف، أو القيصر، أو أي شخص آخر يتسنم السلطة، لكنتُ أتحدث معه الآن!" نال هذا الأمريكي الديناميكي والصريح إعجاب لينين على الفور، فحاول أن يشرح لروبنز طبيعة النظام الجديد.
أعلن لينين قائلا: "يقولون إني ديكتاتور. أنا كذلك في الوقت الحالي. أنا ديكتاتور لأني أستند إلى إرادة جماهير الفلاحين والعمال. وفي اللحظة التي أكف فيها عن تنفيذ إرادتهم، سينتزعون السلطة مني، وسأصبح حينها عاجزا تماما مثل القيصر".
أما فيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية للحكم السوفيتي، فقد استطرد لينين قائلا: "سوف نتحدى العالم بجمهورية للمنتجين. نحن لا نضع في السوفييت أي شخص يكتفي بمجرد امتلاك الأسهم أو الملكية؛ بل نضع فيه المنتجين. فسيتم تمثيل حوض فحم دونيتس من قبل منتجي الفحم، والسكك الحديدية من قبل منتجي النقل، والنظام البريدي من قبل منتجي وسائل الاتصال تلك، وهكذا دواليك".
قدم لينين إلى روبنز وصفا لمرحلة جوهرية أخرى من البرنامج البلشفي إلى روبنز: وهي حل "المسالة القومية". ففي ظل حكم القيصر، كانت المجموعات الوطنية المتعددة في روسيا تُقمع بلا رحمة وتُحول الى شعوب خاضعة. وقال لينين ان كل هذا يجب ان يتغير؛ فمعاداة السامية وغيرها من التحيزات البدائية التي استغلها النظام القيصري لضرب المجموعات ببعضها البعض يجب ان تزال. كما يجب تحرير كل قومية واقلية وطنية في روسيا تحريرا كاملا، ومنحها حقوقا متساوية وحكما ذاتيا اقليميا وثقافيا. واخبر لينين روبنز ان الرجل الذي سيتولى التعامل مع هذه المشكلة المعقدة وبالغة الاهمية هو يوسف ستالين.
سأل روبنز لينين عن فرص بقاء روسيا في الحرب ضد المانيا.
اجاب لينين بصراحة تامة: ان روسيا قد خرجت بالفعل من الحرب. ولا يمكن لروسيا ان تقف في وجه المانيا حتى يتم تشكيل جيش جديد - جيش احمر. وهذا الأمر سيستغرق وقتا. يجب يُعاد تنظيم كامل الهيكل المهترئ للصناعة والنقل في روسيا من القمة الى القاعدة.
استطرد لينين قائلا، أن الحكومة السوفيتية ترغبُ الاعتراف والصداقة من قبل الولايات المتحدة. وكان يدرك وجود التحيز الرسمي ضد نظامه؛ لذا عرض على روبنز برنامجا عمليا للحد الادنى من التعاون. تتعهد الحكومة السوفيتية، مقابل الحصول على مساعدات تقنية امريكية، باخلاء كافة الامدادات الحربية من الجبهة الشرقية، حيث لا يمكن منع وقوعها في ايدي الالمان بطريقة اخرى.
أبلغ روبنز الجنرال وليام جودسون، الملحق العسكري الامريكي ورئيس البعثة العسكرية الامريكية في روسيا، بمقترح لينين؛ وتوجه الجنرال جودسون الى سمولني لوضع تفاصيل الاتفاق. قدم جودسون طلباً إضافياً يقضي بعدم تسليم مئات الآلاف من أسرى الحرب الألمان الموجودين في أيدي الروس إلا بعد انتهاء الحرب. وقد وافق لينين على ذلك.
أبلغ الجنرال جودسون السفير فرانسيس بأنه سيكون من مصلحة الولايات المتحدة الاعتراف بالحكومة السوفيتية. قال الجنرال جودسون: "إن السوفيت هي حكومة الأمر الواقع، ويجب إقامة علاقات معها". لكن السفير الأمريكي كانت لديه أفكار أخرى، وكان قد نقلها بالفعل إلى واشنطن.
وصلت برقية بعد بضعة أيام من وزير الخارجية لانسينغ Lansing ، تخطر السفير فرانسيس بأن على الممثلين الأمريكيين "الامتناع عن كافة الاتصالات المباشرة مع الحكومة البلشفية". وأضافت البرقية بلهجة حازمة: "أبلغ جودسون بذلك". وبعد فترة وجيزة، أُرسلت برقية ثانية تستدعي الجنرال جودسون للعودة إلى الولايات المتحدة.
فكر روبنز في تقديم استقالته احتجاجا على سياسة وزارة الخارجية. ولكن، ويا للمفاجأة، طلب منه السفير فرانسيس البقاء في منصبه والحفاظ على اتصالاته في سمولني.
قال السفير فرانسيس لروبنز: "اعتقد انه ليس من الحكمة ان تقطع علاقاتك بشكل مفاجئ ومطلق، اعني، بمعنى آخر، أن تتوقف عن زياراتك الى هناك". واضاف: "علاوة على ذلك، اريد ان اعرف ماذا يفعلون، وسأكون انا حائط الصد بينك وبين النار".
لم يكن روبنز يعلم ذلك، ولكن السفير فرانسيس كان بحاجة الى كل المعلومات التي يمكنه الحصول عليها حول الحكومة السوفيتية لإسباب خاصة به.
5. الدبلوماسية السرية
أرسل السفير فرانسيس إلى واشنطن، في الثاني من ديسمبر ١٩١٧، أول تقرير سري له حول أنشطة الجنرال أليكسي كاليدين، زعيم ( أتامان) قوزاق الدون. وصف فرانسيس الجنرال "كالدين بأنه القائد الأعلى للقوقاز، الذين يبلغ تعدادهم 200000 رجل". كان الجنرال كاليدين قد نظم جيشا أبيض مضادا للثورة بين القوزاق في جنوب روسيا، وأعلن "استقلال الدون"، وكان يستعد للزحف نحو موسكو للإطاحة بالحكومة السوفيتية. وكانت مجموعات سرية من الضباط القيصريين في بتروغراد وموسكو تعمل كجواسيس مناهضين للسوفيت لصالح كاليدين، وكانوا يحافظون على اتصالاتهم مع السفير فرانسيس.
بناء على طلب فرانسيس، أرسل مادين سومرز، القنصل العام الأمريكي في موسكو، تقريرا أكثر تفصيلا حول قوة الجنرال كاليدين إلى وزارة الخارجية بعد بضعة أيام. كان سومرز، الذي تزوج من ابنة نبيل قيصري ثري، يحمل تحيزا ضد النظام السوفيتي يفوق حتى تحيز السفير نفسه. ووفقا لتقرير سومرز إلى وزارة الخارجية، كان كاليدين قد حشد حوله بالفعل جميع العناصر "النبيلة" و"الشريفة" في جنوب روسيا.
أبرق وزير الخارجية لانسينغ إلى السفارة الأمريكية في لندن موصيا بتقديم قرض سري لتمويل قضية كاليدين. وأوضح الوزير أن هذا القرض يجب أن يتم من خلال وساطة الحكومة البريطانية أو الفرنسية.
" "لست بحاجة لأن أؤكد لكم"، أضاف الوزير لانسينغ، "على ضرورة العمل بسرعة، وإقناع من تتحدثون معهم بأهمية، ألا يصبح معروفا، أن الولايات المتحدة تفكر في إبداء التعاطف مع حركة كاليدين، ناهيك عن تقديم المساعدة المالية".
وصدرت التعليمات للسفير فرانسيس بضرورة توخي أقصى درجات الحذر في تعاملاته مع وكلاء كاليدين في بتروغراد، حتى لا يثير شكوك البولشفيك
على الرغم من الاحتياطات الدقيقة، اكتشفت الحكومة السوفيتية المؤامرة، حيث كانت في حالة تأهب قصوى لاحتمال تدخل الحلفاء في روسيا. و نددت الصحافة السوفيتية في منتصف ديسمبر، بالسفير الأمريكي، لتدبيره مؤامرات سرية مع كاليدين. نفى فرانسيس ببرودٍ أي معرفة له بقائد القوزاق. وأبرق فرانسيس إلى الوزير لانسينغ في ٢٢ ديسمبر قائلا: "أنا بصدد إصدار بيان للصحافة ، أعلن فيه بنص واضح، نفي أيّ صلة أو معرفة بحركة كاليدين، موضحا أن تعليماتكم محددة وحازمة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ومؤكدا أنني التزمت بها بدقة"
كان على الحكومة السوفيتية، بسبب عزلتها نتيجة عداء الحلفاء، وضعفها الشديد الذي حال دون مواجهة آلة الحرب الألمانية الضخمة بمفردها، حماية نفسها بأفضل ما يمكنها. كان التهديد الأكثر إلحاحاً هو ألمانيا. ولإنقاذ روسيا الجديدة، ومن أجل كسب الوقت لإجراء إعادة تنظيم شاملة وإنشاء جيش أحمر، اقترح لينين توقيع سلام فوري على الجبهة الشرقية.
قال لينين لأتباعه، بعد أن قام بمراجعة مستفيضة للظروف المروعة في قطاعات النقل والصناعة والجيش في روسيا: "سيتعين علينا إبرام السلام بأي حال. نحن بحاجة إلى أن نصبح أقوياء، وهذا يتطلب وقتاً... إذا بدأ الألمان في التقدم، فسنضطر إلى توقيع أي نوع من السلام، و حينها سيكون فحسب السلام أسوأ".
بناء على إصرار لينين، غادر وفد سلام سوفيتي على عجل إلى بريست ليتوفسك، مقر قيادة الجيش الألماني الشرقي، للاطلاع على شروط السلام الألمانية.
التقى ممثلو بريطانيا وفرنسا في باريس، في ٢٣ ديسمبر ١٩١٧، أيّ في اليوم التالي للجلسة الأولى لمؤتمر بريست ليتوفسك التمهيدي للسلام، وأبرموا سراً اتفاقية لتقسيم روسيا السوفيتية. حملت الاتفاقية عنوان "الاتفاق الفرنسي الإنجليزي بتاريخ ٢٣ ديسمبر ١٩١٧، الذي يحدد مناطق العمل الفرنسية والإنجليزية". و كان من المقرر بموجب شروطها، أن تحصل إنجلترا على "منطقة نفوذ" في روسيا، تمنحها نفط القوقاز والسيطرة على أقاليم البلطيق؛ بينما تحصل فرنسا على "منطقة" تمنحها حديد وفحم حوض دونيتسك والسيطرة على شبه جزيرة القرم. لقد شكلت هذه المعاهدة الأنجلو-فرنسية السرية، بشكل حتمي، السياسة التي ستتبعها هاتان الدولتان تجاه روسيا طوال السنوات العديدة القادمة.
#قحطان_جاسم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟