قحطان جاسم
الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 23:51
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الفصل الثاني
نقطة مقابل نقطة
1. العميل البريطاني
قرابة منتصف تلك الليلة القارسة من الخامس عشر من يناير لعام 1918، كان شابٌّ إسكتلندي وسيم، ملتفٌّ بالفراء، يتلمس طريقه على ضوء فانوس عبر جسر متهدم جزئياً يصل بين فنلندا وروسيا. كانت الحرب الأهلية تستعر في فنلندا، مما أدى إلى توقف حركة القطارات فوق الجسر. وقد وفرت الحكومة الفنلندية "الحمراء" (البولشفية) مرافقا للشاب الإسكتلندي لنقله مع أمتعته إلى الجانب السوفيتي، حيث كان هناك قطار في انتظاره ليقله إلى بتروغراد. لم يكن هذا المسافر سوى "ر. هـ. بروس لوكهارت"، العميل الخاص لمجلس الحرب البريطاني.
كان بروس لوكهارت ثمرةً من ثمار نظام "المدارس العامة" الإنجليزية النخبوية، وقد التحق بالسلك الدبلوماسي في سن الرابعة والعشرين. تميز بالوسامة والذكاء معاً، ولم يمضِ عليه وقت طويل حتى صنع لنفسه اسماً كواحد من أكثر الشباب موهبةً، وممن يُتنبأ لهم بمستقبل واعد في وزارة الخارجية البريطانية. ، شغل في سن الثلاثين منصب نائب القنصل البريطاني في موسكو. كان يتحدث الروسية بطلاقة، وعلى دراية وثيقة بالسياسة الروسية ومكائدها على حد سواء. وقد جرى استدعاؤه للعودة إلى لندن قبل ستة أسابيع فقط من اندلاع الثورة البولشفية.
أما الآن، فقد أُوفد مجدداً إلى روسيا تلبيةً لرغبة شخصية من رئيس الوزراء لويد جورج، الذي تأثر بشكل عميق بما عرفه عن الشأن الروسي من الكولونيل تومبسون أثناء رحلة عودة الأخير إلى وطنه. وكان تومبسون، الرئيس السابق لروبنز، قد ندد بشدة برفض الحلفاء الاعتراف بالنظام السوفيتي. وعقب المحادثة التي دارت بين الكولونيل تومبسون ولويد جورج، وقع الاختيار على لوكهارت للذهاب إلى روسيا بغرض إقامة نوع من علاقات العمل المشترك مع النظام السوفيتي، دون أن تصل تلك العلاقات إلى حد الاعتراف الرسمي الفعلي به.
ولكن، هذا الشاب الإسكتلندي الوسيم لم يكن مجرد مبعوث دبلوماسي، بل كان أيضاً عميلاً لجهاز الاستخبارات الدبلوماسية البريطانية. وكانت مهمته غير الرسمية تتلخص في استغلال حركات المعارضة التي بدأت تظهر بالفعل داخل الحكومة السوفيتية، وتسخيرها لخدمة المصالح والأهداف البريطانية.
وكان "ليون تروتسكي"، مفوض الشعب للشؤون الخارجية السوفيتي الطموح، على رأس هذه المعارضة المناهضة للينين، والذي كان يرى في نفسه خلفاً حتمياً للينين. وعلى مدار أربعة عشر عاماً، كان تروتسكي مناهضاً شرساً للبلاشفة؛ ثم انضم في أغسطس من عام 1917، أي قبل أشهر قليلة من اندلاع الثورة البولشفية، إلى حزب لينين وصعد معه إلى سدة الحكم. كان تروتسكي يعمل، داخل الحزب البولشفي نفسه، على تنظيم ما عُرف بالمعارضة اليسارية ضد لينين. وعندما وصل لوكهارت إلى بتروغراد في مطلع عام 1918، كان مفوض الخارجية تروتسكي متواجداً في "برست ليتوفسك"، بصفته رئيساً لوفد السلام السوفيتي.
وقد أُرسل تروتسكي إلى "برست ليتوفسك" بتعليمات صارمة وقاطعة من لينين لتوقيع معاهدة السلام. وبدلاً من الانصياع لتعليمات لينين، كان تروتسكي يطلق نداءات حماسية ومثيرة للتحريض يوجهها إلى البروليتاريا الأوروبية للانتفاض والإطاحة بحكوماتها. وأعلن أن الحكومة السوفيتية لن تصنع السلام بأي حال من الأحوال مع الأنظمة الرأسمالية. وصرخ تروتسكي قائلاً شعاره الشهير: "لا سلم ولا حرب!". ثم أبلغ الألمان أن الجيش الروسي لم يعد قادراً على القتال، وأنه سيستمر في تسريح جنوده، ولكنه، في الوقت ذاته، لن يوقع معاهدة سلام.
ندد لينين بغضب عارم بسلوك تروتسكي في "برست ليتوفسك"، ووصف مقترحاته، المتمثلة في "وقف الحرب، ورفض توقيع السلام، وتسريح الجيش"، بأنها "ضربٌ من الجنون أو ما هو أسوأ من ذلك". وكما كشف لوكهارت لاحقاً في مذكراته التي حملت عنوان "العميل البريطاني"، فإن وزارة الخارجية البريطانية كانت مهتمة إلى أقصى حد بهذه "الخلافات المستعرة بين لينين وتروتسكي، وهي الخلافات التي كانت حكومتنا تعقد عليها آمالاً عريضة".
انهارت مفاوضات السلام في "برست ليتوفسك" نتيجةً لسلوك تروتسكي. و منذ البداية لم تكن القيادة العليا الألمانية ترغب في التعامل مع البلاشفة؛ ووفقاً للينين، فإن تروتسكي قد قدم خدمة جليلة للألمان ولعب دورا لصالحهم، بل إنه "ساعد الإمبرياليين الألمان فعلياً".
وضع الجنرال الألماني "ماكس هوفمان"، في منتصف إحدى خطب تروتسكي في "برست ليتوفسك"، حذاءه العسكري (بسطاله) فوق طاولة المؤتمر، وأمر المندوبين السوفيت بالعودة إلى ديارهم. عاد تروتسكي إلى بتروغراد، واستهان باعتراضات لينين وتوبيخه له، هاتِفاً باعتداد: "لن يجرؤ الألمان على التقدم!"
شنت القيادة العليا الألمانية، بعد مرور عشرة أيام على انهيار مفاوضات السلام في "برست ليتوفسك"، هجوماً واسع النطاق على طول الجبهة الشرقية بأكملها، ممتداً من بحر البلطيق شمالاً حتى البحر الأسود جنوباً. ففي الجنوب، تدفقت الحشود الألمانية الجرارة عبر سهول أوكرانيا المنبسطة؛ وفي الوسط، اندفع الهجوم الكاسح عبر بولندا متوجهاً نحو موسكو؛ أما في الشمال، فقد سقطت مدينة "نارفا" وباتت بتروغراد مهددة بالاجتياح. وفي كل مكان، تصدعت بقايا الجيش الروسي القديم وتحطمت إرباً، ليخيم شبح كارثة محققة على روسيا الجديدة.
تدفّق العمال المسلحون وقوات الحرس الأحمر خارجين من المدن، بعد أن حشدهم قادتهم البلاشفة على عجل، وشكلوا كتائب عسكرية بهدف صد الزحف الألماني. وهكذا، خاضت الوحدات الأولى من "الجيش الأحمر" الجديد أولى معاركها الفعلية. ، و جرى، في الثالث والعشرين من شباط، عند مدينة "بسكوف"، كبح جماح الألمان وصد تقدمهم، لينجو بذلك معقل الثورة في بتروغراد، مؤقتاً، من السقوط. وعلى الفور، هرع وفد سلام سوفيتي ثانٍ إلى "برست ليتوفسك"، ولكن هذه المرة.. دون تروتسكي.
وكثمنٍ لإقرار السلام، باتت ألمانيا الآن تطالب بفرض هيمنتها المطلقة على أوكرانيا، وفنلندا، وبولندا، ومنطقة القوقاز، بالإضافة إلى الحصول على تعويضات هائلة من الذهب الروسي، والقمح، والنفط، والفحم، والمعادن.
وما إن أُعلنت شروط السلام هذه، حتى اجتاحت روسيا السوفيتية موجةٌ عارمة من السخط والاستنكار ضد "لصوص الإمبريالية الألمانية". وأعلن لينين أن القيادة العليا الألمانية كانت تأمل، من خلال هذا "السلام اللصوصي القائم على السلب"، إلى تمزيق أوصال روسيا السوفيتية وتحطيم النظام السوفيتي برُمته.
وفي تقدير بروس لوكهارت، فإن الإجراء العقلاني الوحيد الذي كان يتعين على الحلفاء اتخاذه في مثل هذا الموقف هو دعم روسيا في مواجهة ألمانيا. و لم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل إن الحكومة السوفيتية لم تبذل أي جهد لإخفاء ممانعتها وترددها في المصادقة على معاهدة صلح "برست ليتوفسك". وبحسب الرؤية التي استشرفها لوكهارت، فإن السؤال المحوري الذي كان يطرحه البلاشفة آنذاك هو: ماذا سيكون موقف الحلفاء؟ هل سيعترفون بالحكومة السوفيتية ويهرعون لمساعدتها، أم أنهم سيتركون الألمان يفرضون "سلامهم اللصوصي" على روسيا؟
كان لوكهارت، في بادئ الأمر، ميالاً إلى الاعتقاد بأن المصالح البريطانية في روسيا تقتضي عقد صفقة مع تروتسكي ضد لينين. فقد كان تروتسكي وأتباعه يشنون آنذاك هجوماً حاداً على لينين، بذريعة أن سياسة السلام التي ينتهجها قد أفضت إلى "خيانة الثورة". وكان تروتسكي يسعى جاهداً لتشكيل كتلة داخل الحزب البولشفي، وصفها لوكهارت بأنها تكتل "الحرب المقدسة"- تهدف إلى الفوز بدعم الحلفاء، وإجبار لينين على التخلي عن السلطة.
ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى غدت العلاقة بين العميل البريطاني ومفوض الشعب للشؤون الخارجية السوفيتي علاقةً وثيقة وحميمة؛ فكان لوكهارت يخاطب تروتسكي تودداً باسمه المجرد: "ليف دافيدوفيتش"، ويحلم، كما ذكر لاحقاً، بـ "تحقيق ضربة كبرى خاطفة بالتعاون مع تروتسكي". غير أن لوكهارت خلص، على مضض، إلى قناعةٍ مؤداها أن تروتسكي ببساطة لا يملك الثقل والقدرة الكافيين للإطاحة بلينين وحل محله. وكما يعبر لوكهارت عن ذلك في مذكراته الموسومة "العميل البريطاني:
لقد كان تروتسكي منظماً فذاً ورجلاً يتمتع بشجاعة جسدية هائلة. ولكن، من الناحية المعنوية والسياسية، كان عاجزاً عن الصمود في وجه لينين تماماً كعجز البرغوث أمام الفيل. إذ لم يكن هناك رجل واحد، في مجلس المفوضين، لا يرى نفسه نداً ومساوياً لتروتسكي؛ في حين لم يكن هناك مفوض واحد لا ينظر إلى لينين كأنه شبه إله، تُقبل قراراته وتُعتمد دون أدنى نقاش.
وإذا كان هناك أي شيء يمكن إنجازه في روسيا، فلن يتأتى ذلك إلا من خلال لينين وحده". وقد وجد لوكهارت أن رايموند روبنز. يشاركه في هذه القناعة نفسها.
قال روبنز:" شخصياً، طالما ساورني شكٌّ وعلامة استفهام حول تروتسكي؛ سؤالٌ حول ما قد يقدم على فعله، وسؤالٌ آخر حول الموقف الذي سيقف عنده في أوقات وأماكن بعينها، وذلك كله بسبب أناه المتضخمة إلى أبعد حد، وغطرسة هذه الأنا، إن جاز التعبير".
كان لوكهارت قد التقى بروبنز بعد وقت قصير من وصوله إلى بتروغراد، وقد أُعجب على الفور بالنهج الصريح والمباشر الذي يتبعه هذا الأمريكي في التعامل مع المعضلة الروسية. فلم يكن لدى روبنز أي تعاطف مع الحجج الذرائعية المختلفة التي يسوقها الحلفاء ضد مسألة الاعتراف بالنظام الجديد. بل إنه صبّ جام غضبه وسخريته على تلك النظرية السخيفة، التي روج لها عملاء القيصر، والتي تزعم بأن البلاشفة يسعون وراء تحقيق انتصار ألماني. راح روبنز يصف للوكهارت ، ببلاغة وفصاحة عاليين، الأوضاع المزرية والظروف المأساوية التي كانت ترزح تحتها روسيا القيصرية القديمة، وفي المقابل، تلك الهبّة المذهلة للملايين من المضطهدين تحت قيادة البلاشفة.
ولإكمال الصورة، اصطحب روبنز لوكهارت إلى مقر "سمولني" ليعاين بنفسه النظام الجديد وهو يمارس سلطته على أرض الواقع. وأثناء طريق عودتهما بالسيارة نحو بتروغراد وسط الثلوج المتساقطة بهدوء، أعلن روبنز بمرارة أن سفارات الحلفاء، بمؤامراتها السرية ضد الحكومة السوفيتية، لا تفعل شيئاً سوى "اللعب لصالح الألمان في روسيا". وأكد أن الحكومة السوفيتية قد جاءت لتبقى، وكلما سارع الحلفاء إلى الاعتراف بهذه الحقيقة، كان ذلك أفضل للجميع.
ولم يمضِ وقت طويل حتى غدا الرجلان صديقين مقربين لا يكاد أحدهما يفارق الآخر؛ فباتا يتناولان طعام الإفطار كل صباح معاً، ويتبادلان المشورة بشأن خطة العمل المقررة لليوم. وكان هدفهما المشترك يتلخص في حث حكومتيهما على الاعتراف بروسيا السوفيتية، ومن ثمَّ الحيلولة دون تحقيق انتصار ألماني على الجبهة الشرقية.
يتبع
2. ساعة الصفر
#قحطان_جاسم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟