أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - فلسطين على حافة التحول الكبير: هل تقود الأزمة المالية إلى إعادة تشكيل السلطة والمجتمع؟















المزيد.....

فلسطين على حافة التحول الكبير: هل تقود الأزمة المالية إلى إعادة تشكيل السلطة والمجتمع؟


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 13:08
المحور: القضية الفلسطينية
    


قراءة اقتصادية وسياسية واستراتيجية في أخطر تصريحات لوزير المالية الفلسطيني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم تكن الأرقام التي كشف عنها وزير المالية والتخطيط الفلسطيني مجرد بيانات مالية أو مؤشرات اقتصادية عابرة، بل جاءت بمثابة جرس إنذار وطني يدق بقوة معلناً دخول الحالة الفلسطينية مرحلة غير مسبوقة منذ قيام السلطة الفلسطينية عام 1994. فعندما تعلن الحكومة أنها تدير شؤون البلاد بما لا يتجاوز 10% من إيراداتها الطبيعية، وأن الاقتصاد الفلسطيني يخسر ما بين مليار ومليار ونصف شيكل شهرياً، وأنها اضطرت إلى اعتماد سياسة "صفر توظيف" لأول مرة منذ ثلاثة عقود، فإننا لا نكون أمام أزمة مالية تقليدية، بل أمام أزمة بنيوية تهدد ركائز الاقتصاد والمجتمع والنظام السياسي الفلسطيني بأكمله.
إن أخطر ما في تصريحات الوزير أنها تعكس انتقال السلطة الفلسطينية من مرحلة إدارة التنمية إلى مرحلة إدارة البقاء، ومن اقتصاد يسعى للنمو إلى اقتصاد يحاول منع الانهيار، ومن موازنة تخطط للمستقبل إلى موازنة طوارئ تتعامل مع الحاضر فقط.
اقتصاد تحت الحصار والانكماش
تشير المعطيات إلى أن الاقتصاد الفلسطيني يتعرض لعملية استنزاف غير مسبوقة نتيجة مجموعة متداخلة من العوامل، في مقدمتها استمرار الحرب على غزة، وتشديد الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، واحتجاز أموال المقاصة، وتراجع المساعدات الخارجية، والانكماش الحاد في النشاط الاقتصادي.
فخسارة ما بين مليار ومليار ونصف شيكل شهرياً تعني عملياً أن الاقتصاد الفلسطيني يفقد سنوياً ما يزيد على 12 إلى 18 مليار شيكل من قدرته الإنتاجية، وهو رقم يعادل نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني.
هذه الخسائر لا تنعكس فقط على خزينة الدولة، بل تمتد آثارها إلى الأسواق التجارية والمصانع وقطاع الخدمات والمصارف والعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ما يؤدي إلى دائرة انكماش اقتصادي متسارعة يصعب كسرها في ظل غياب محركات النمو التقليدية.
من أزمة مالية إلى أزمة حكم
تكمن الخطورة الحقيقية في أن الأزمة المالية لم تعد مجرد مشكلة تتعلق بتأخر الرواتب أو العجز في الموازنة، بل تحولت إلى أزمة تمس قدرة السلطة الفلسطينية على أداء وظائفها الأساسية.
فالسلطة الفلسطينية تستمد جزءاً كبيراً من شرعيتها الداخلية من قدرتها على توفير الخدمات العامة وضمان الاستقرار الإداري والاجتماعي. وعندما تصبح الحكومة عاجزة عن دفع الرواتب كاملة، أو عن تنفيذ مشاريع تنموية، أو عن تعيين موظفين جدد، فإنها تواجه تحدياً يتعلق بقدرتها على الاستمرار بوصفها مؤسسة قادرة على إدارة المجتمع وتلبية احتياجاته الأساسية.
ومن هنا فإن الأزمة الراهنة ليست أزمة مالية فقط، وإنما أزمة حوكمة وإدارة وقدرة على الاستمرار، خاصة في ظل التآكل التدريجي للموارد المالية وتراجع الدعم الدولي والعربي.
تداعيات خطيرة على المجتمع الفلسطيني
إن انعكاسات هذه السياسات على المجتمع الفلسطيني ستكون عميقة ومتراكمة.
فسياسة "صفر توظيف" تعني عملياً إغلاق أحد أهم أبواب التشغيل أمام آلاف الخريجين سنوياً، في وقت تشهد فيه فلسطين أصلاً مستويات مرتفعة من البطالة، خاصة بين الشباب وخريجي الجامعات.
كما أن وقف المشاريع التطويرية الحكومية سيؤدي إلى تراجع النشاط الاقتصادي في قطاعات حيوية مثل المقاولات والإنشاءات والنقل والصناعات المرتبطة بها، ما يعني فقدان آلاف فرص العمل الإضافية.
وفي الوقت نفسه فإن استمرار صرف أنصاف الرواتب أو أجزاء منها يضعف القدرة الشرائية لمئات آلاف الأسر الفلسطينية، ويؤدي إلى تراجع الاستهلاك المحلي، وهو ما ينعكس مباشرة على حركة الأسواق والتجارة والخدمات.
ومع تراجع الدخل وارتفاع معدلات البطالة والفقر، تصبح المخاطر الاجتماعية أكثر وضوحاً، سواء من خلال ارتفاع مستويات الهجرة، أو تزايد الاحتقان الاجتماعي، أو تنامي مظاهر الإحباط وفقدان الثقة بالمستقبل.
القطاع الصحي أمام اختبار البقاء
ورغم تأكيد وزير المالية أن الصحة تمثل أولوية مطلقة، فإن الواقع المالي يطرح تساؤلات جدية حول قدرة القطاع الصحي على الصمود لفترة طويلة.
فالمديونية المتراكمة للمستشفيات الخاصة نتيجة التحويلات الطبية، ومستحقات شركات الأدوية والمستلزمات الطبية، ونقص الكوادر البشرية، وارتفاع تكاليف التشغيل، كلها عوامل تجعل القطاع الصحي أحد أكثر القطاعات عرضة للتأثر بالأزمة المالية.
وتكمن الخطورة في أن أي تراجع في قدرة المنظومة الصحية على تقديم خدماتها سيؤثر مباشرة على الأمن الصحي للمواطنين، ويضاعف من معاناة الفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً المرضى المزمنين وذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن.
هل نحن أمام إعادة تشكيل للسلطة الفلسطينية؟
استراتيجياً، تطرح هذه الأزمة سؤالاً جوهرياً حول مستقبل السلطة الفلسطينية نفسها.
فالسلطة أُنشئت في إطار اتفاق سياسي كان يفترض أن يقود إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، إلا أن الواقع الحالي يشير إلى أن السلطة أصبحت تعمل في ظروف أقرب إلى إدارة أزمة إنسانية واقتصادية مستدامة.
ومع استمرار الضغوط المالية والاقتصادية والسياسية، قد تجد السلطة نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف أولوياتها ووظائفها، بحيث تتحول تدريجياً من سلطة تسعى إلى التنمية وبناء المؤسسات إلى إدارة تركز على الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات ومنع الانهيار الكامل.
وهذا التحول يحمل تداعيات سياسية واستراتيجية عميقة، لأنه يضعف قدرة المؤسسات على التخطيط للمستقبل، ويزيد من اعتمادها على المساعدات الخارجية والتدخلات الدولية.
إسرائيل والرهان على الاستنزاف الاقتصادي
لا يمكن فصل الأزمة الحالية عن السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى استخدام الاقتصاد كأداة ضغط سياسي.
فاحتجاز أموال المقاصة، وتشديد القيود على الحركة والتجارة، وتقليص فرص العمل، وإضعاف البيئة الاستثمارية الفلسطينية، كلها إجراءات تساهم في إضعاف قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود.
ويخشى كثير من الخبراء أن يؤدي استمرار هذا النهج إلى خلق واقع اقتصادي واجتماعي يدفع نحو مزيد من التفكك والاعتماد على المساعدات، بدلاً من بناء اقتصاد قادر على النمو والاستقلال.
الخلاصة: لحظة مفصلية في التاريخ الفلسطيني
إن ما كشفه وزير المالية لا يمثل مجرد أزمة عابرة، بل يعكس لحظة مفصلية في التاريخ الفلسطيني الحديث.
فالمجتمع الفلسطيني يواجه اليوم تحدياً مزدوجاً: الحفاظ على صموده الوطني في مواجهة الاحتلال، والحفاظ في الوقت نفسه على تماسكه الاقتصادي والاجتماعي في مواجهة أزمة مالية خانقة وغير مسبوقة.
وإذا كانت الحكومة نجحت حتى الآن في منع الانهيار الكامل للمؤسسات والخدمات الأساسية، فإن استمرار هذا النهج الدفاعي لن يكون كافياً على المدى البعيد. فالمطلوب لم يعد مجرد إدارة للأزمة، بل رؤية وطنية شاملة للإنقاذ الاقتصادي والإصلاح المؤسسي وتعزيز الاعتماد على الذات، بالتوازي مع تحرك سياسي ودبلوماسي فاعل لإنهاء القيود المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني.
فالتحدي الحقيقي لم يعد كيف ندير العجز، بل كيف نحافظ على بقاء المشروع الوطني الفلسطيني نفسه في مواجهة أخطر أزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية منذ عقود.



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انتخاب حسين الشيخ نائباً لرئيس حركة فتح:
- رسالة مفتوحة إلى معالي الدكتور ماجد أبو رمضان وزير الصحة الف ...
- بين الإنجازات الدبلوماسية وحقوق العمال: أين يقف العامل الفلس ...
- نكسة حزيران 1967: بداية الانهيار والتفكك العربي وانتهاء مرحل ...
- البنى غير الرسمية للنفوذ في المجتمعات والنظام الدولي: قراءة ...
- بين نقص الدواء وحواجز الموت.. إسرائيل تدفع الضفة الغربية نحو ...
- متطلبات المرحلة الفلسطينية: من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة
- ترامب ونتنياهو... حين تتقدم المصالح الأمريكية على الحسابات ا ...
- مخيمات طولكرم ونور شمس: معركة الوجود الفلسطيني في مواجهة مشر ...
- من الخان الأحمر إلى شمال الضفة الغربية: مشروع استيطاني يعيد ...
- تمديد الاحتلال لوجوده العسكري في مخيمي طولكرم ونور شمس: تصعي ...
- جنين في مرمى الاستهداف:؟؟؟ إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية با ...
- المسجد الأقصى بين الوصاية التاريخية ومحاولات إعادة تشكيل الو ...
- انتخابات الكنيست 2026 والفلسطينيون في الداخل: وحدة الصف وتحو ...
- مطلوب إعادة النظر في تطبيق المرسوم بقانون فيما يخص الأسرى وا ...
- الأردن ورفض مشاريع التوطين والتهجير
- المؤتمر الثامن لحركة فتح بين النقد المتأخر ومتطلبات المراجعة ...
- في الذكرى الثمانين لاستقلال الأردن… وحدة المصير وصلابة الموق ...
- الاتفاق الأمريكي – الإيراني المتبلور وإعادة تشكيل الشرق الأو ...
- فتح بين معركة المواقع وأزمة المشروع الوطني


المزيد.....




- مجدداً.. ترامب يطرح موعداً لإعلان -النصر الكامل- على إيران
- الرئيس عون يوجه نداءً نادرًا لإسرائيل وسط تواصل القصف بينها ...
- مباشر: إسرائيل ترفض -تهديدات- إيران وتؤكد أنها -ستواصل التحر ...
- عاجل| ترمب: إسرائيل لن تعود إلى الحرب مع إيران
- القسام تبث مشاهد الإطلاق الأول لصاروخ -عياش 250-
- غوتيريش: 80 موظفا أمميا قُتلوا العام الماضي في غزة
- قد تقاتل لوحدك.. تفاصيل مكالمة ترامب لنتنياهو بشأن إيران
- إسرائيل تعلن اعتراض هدف جوي أطلق من اليمن
- تعليق مهام مدعي عام الجنائية الدولية بسبب مزاعم -سوء سلوك-
- ترامب: حذرت نتنياهو من شن هجمات جديدة على إيران


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - فلسطين على حافة التحول الكبير: هل تقود الأزمة المالية إلى إعادة تشكيل السلطة والمجتمع؟