|
|
بين الإنجازات الدبلوماسية وحقوق العمال: أين يقف العامل الفلسطيني اليوم؟
علي ابوحبله
الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 12:23
المحور:
القضية الفلسطينية
قراءة في الواقع العمالي الفلسطيني بين التمثيل الدولي ومتطلبات الحماية الاجتماعية بقلم: المحامي علي أبو حبلة أثار الإعلان عن حصول دولة فلسطين على مكانة متقدمة في منظمة العمل الدولية ترحيباً من العديد من الأوساط الرسمية والنقابية، واعتبره البعض إنجازاً مهماً للحركة العمالية الفلسطينية وللحضور الفلسطيني في المؤسسات الدولية. ولا شك أن تعزيز المكانة القانونية والسياسية لفلسطين على الساحة الدولية يمثل مكسباً وطنياً يستحق التقدير، خاصة في ظل المعركة السياسية والدبلوماسية التي تخوضها فلسطين من أجل تثبيت حقوقها الوطنية وانتزاع اعتراف أوسع بمؤسساتها وحقوق شعبها. غير أن أهمية أي إنجاز سياسي أو دبلوماسي تبقى مرتبطة بمدى انعكاسه على حياة المواطن الفلسطيني، وبصورة خاصة على واقع العمال الذين يشكلون إحدى أكثر الفئات تضرراً من الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة. فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس حول أهمية التمثيل الفلسطيني في منظمة العمل الدولية، وإنما حول قدرة هذا التمثيل على ترجمة المكاسب السياسية إلى نتائج عملية تحمي العامل الفلسطيني وتوفر له الأمن الوظيفي والاجتماعي والاقتصادي. أزمة عمالية غير مسبوقة تشهد الأراضي الفلسطينية واحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية منذ عقود، حيث فقد عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين فرص عملهم داخل إسرائيل، فيما ارتفعت معدلات البطالة والفقر بصورة غير مسبوقة، وتراجعت القدرة الشرائية للمواطنين بشكل حاد. وقبل اندلاع الحرب الأخيرة، كان العمال الفلسطينيون العاملون داخل إسرائيل والمستوطنات يشكلون أحد أهم روافد الاقتصاد الفلسطيني، حيث كانت دخولهم السنوية تقدر بنحو 18 مليار شيكل، وهو رقم يفوق في تأثيره العديد من الموارد المالية المتاحة للسلطة الفلسطينية. هذه الأموال لم تكن مجرد رواتب فردية، بل كانت تمثل محركاً رئيسياً لعجلة الاقتصاد الوطني، إذ كانت تنعش الأسواق التجارية، وتحرك قطاعات الخدمات والنقل والإسكان، وتولد إيرادات ضريبية وجمركية تعود بالنفع على الخزينة العامة، الأمر الذي جعل قطاع العمال أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في فلسطين. ومن هنا فإن الأزمة الحالية لا تقتصر على فقدان فرص العمل فحسب، بل تمتد إلى مجمل البنية الاقتصادية الفلسطينية، حيث أدى غياب هذا التدفق المالي إلى حالة من الركود والانكماش انعكست على مختلف القطاعات الإنتاجية والتجارية والخدمية. الاقتصاد الفلسطيني: منظومة مترابطة لا يمكن تجزئتها أثبتت التجربة الفلسطينية أن الاقتصاد لا يمكن التعامل معه بمنطق الملفات المنفصلة. فالأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية ليست فقط نتيجة احتجاز أموال المقاصة أو تراجع المساعدات الخارجية، بل هي أيضاً نتيجة مباشرة لتراجع النشاط الاقتصادي وانكماش سوق العمل. إن أي استراتيجية وطنية للتعافي الاقتصادي يجب أن تنظر إلى العلاقة العضوية بين العمال والتجارة والاستثمار والإيرادات العامة. ولذلك فإن معالجة أزمة الرواتب أو المقاصة بمعزل عن معالجة أزمة البطالة لن تؤدي إلى نتائج مستدامة، لأن الدورة الاقتصادية بأكملها تعتمد على وجود دخل حقيقي لدى المواطنين وقدرة شرائية تحرك الأسواق. أين الحركة النقابية من التحديات الراهنة؟ في ظل هذه التطورات، يبرز تساؤل مشروع حول دور الحركة النقابية الفلسطينية ومؤسساتها المختلفة في الدفاع عن حقوق العمال وحماية مصالحهم. فالحركة النقابية لم تنشأ فقط للمشاركة في المؤتمرات والمنتديات الدولية، بل لتكون صوت العمال أمام الحكومات وأصحاب العمل والمؤسسات الدولية، ولتدافع عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والمهنية. واليوم، ومع اتساع دائرة البطالة والفقر وتراجع مستويات الحماية الاجتماعية، تزداد الحاجة إلى مبادرات نقابية أكثر فاعلية وقدرة على التأثير في السياسات العامة، وإلى رؤية استراتيجية تتجاوز البيانات والتصريحات نحو برامج عملية لمعالجة الأزمات المتراكمة. الضمان الاجتماعي: الملف الغائب الحاضر ومن بين أكثر القضايا التي تستدعي وقفة جادة ومسؤولة قضية الضمان الاجتماعي، التي ما زالت تراوح مكانها رغم مرور سنوات طويلة على الجدل الذي أثير حولها. ففي الوقت الذي يعيش فيه العامل الفلسطيني حالة من انعدام اليقين بشأن مستقبله الوظيفي والاجتماعي، ما زالت منظومة الحماية الاجتماعية الشاملة غائبة أو غير مكتملة، الأمر الذي يجعل آلاف الأسر عرضة للفقر عند فقدان العمل أو الإصابة أو التقاعد. لقد شهد قانون الضمان الاجتماعي نقاشات واسعة واعتراضات من قطاعات مختلفة، بعضها كان مرتبطاً ببنود القانون وآليات إدارته وضمان حماية أموال المشتركين، وبعضها الآخر ارتبط بغياب الثقة بالمؤسسات القائمة على التنفيذ. لكن ما يثير التساؤل اليوم هو: أين وصلت الجهود الرامية إلى تطوير القانون ومعالجة الملاحظات التي أثيرت حوله؟ وما هو موقف المؤسسات النقابية التي طالما رفعت شعار حماية العمال من هذا الملف الحيوي؟ إن غياب منظومة ضمان اجتماعي عصرية وشفافة ومستقلة يحرم العمال الفلسطينيين من أحد أهم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المعترف بها دولياً، ويضعف قدرة المجتمع الفلسطيني على مواجهة الأزمات الاقتصادية المتكررة. ولذلك فإن المطلوب ليس العودة إلى النقاشات القديمة، بل إطلاق حوار وطني مسؤول يضم الحكومة والنقابات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، بهدف الوصول إلى نظام ضمان اجتماعي يحظى بالثقة العامة ويؤمن الحماية الحقيقية للعمال وأسرهم. البعد الاستراتيجي الوطني للقضية العمالية إن قضية العمال في فلسطين لم تعد مجرد قضية نقابية أو مطلبية، بل أصبحت قضية أمن اقتصادي واجتماعي وطني. فاستمرار البطالة بمستويات مرتفعة، وتراجع فرص العمل، واتساع دائرة الفقر، كلها عوامل تهدد الاستقرار المجتمعي وتضعف مقومات الصمود الوطني في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية التي تفرضها سياسات الاحتلال. كما أن تعزيز صمود المواطن الفلسطيني على أرضه لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يتطلب توفير مقومات الحياة الكريمة وفرص العمل والحماية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية المستدامة. ولهذا فإن أي استراتيجية وطنية مستقبلية يجب أن تضع الإنسان الفلسطيني في مركز عملية التنمية، وأن تعتبر الاستثمار في العمل والإنتاج والحماية الاجتماعية جزءاً أساسياً من مشروع التحرر الوطني وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة. نحو رؤية وطنية شاملة إن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء رؤية وطنية شاملة تقوم على:- معالجة أزمة البطالة باعتبارها أولوية وطنية. إعادة تنشيط الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل مستدامة. تطوير منظومة الحماية الاجتماعية وفي مقدمتها الضمان الاجتماعي. تمكين الحركة النقابية من أداء دورها الرقابي والدفاعي. تعزيز الاستثمار المحلي والإنتاج الوطني. ربط التعليم والتدريب المهني باحتياجات سوق العمل. بناء شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والنقابات. وضع استراتيجية اقتصادية تقلل من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي. خاتمة إن تعزيز الحضور الفلسطيني في منظمة العمل الدولية يمثل خطوة مهمة على الصعيد السياسي والدبلوماسي، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن معالجة الأزمات الحقيقية التي تواجه العمال الفلسطينيين. فالإنجاز الحقيقي يقاس بقدرة العامل على تأمين لقمة العيش، وبوجود نظام حماية اجتماعية يحفظ كرامته، وباقتصاد قادر على توفير فرص العمل، وبمؤسسات وطنية تدافع عن حقوقه وتترجم الشعارات إلى سياسات وبرامج ونتائج ملموسة. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج العامل الفلسطيني إلى رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار لقيمة العمل والإنتاج والحماية الاجتماعية، لأن صمود الإنسان الفلسطيني هو الأساس الذي تقوم عليه كل مشاريع التحرر والبناء والتنمية.
#علي_ابوحبله (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نكسة حزيران 1967: بداية الانهيار والتفكك العربي وانتهاء مرحل
...
-
البنى غير الرسمية للنفوذ في المجتمعات والنظام الدولي: قراءة
...
-
بين نقص الدواء وحواجز الموت.. إسرائيل تدفع الضفة الغربية نحو
...
-
متطلبات المرحلة الفلسطينية: من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة
-
ترامب ونتنياهو... حين تتقدم المصالح الأمريكية على الحسابات ا
...
-
مخيمات طولكرم ونور شمس: معركة الوجود الفلسطيني في مواجهة مشر
...
-
من الخان الأحمر إلى شمال الضفة الغربية: مشروع استيطاني يعيد
...
-
تمديد الاحتلال لوجوده العسكري في مخيمي طولكرم ونور شمس: تصعي
...
-
جنين في مرمى الاستهداف:؟؟؟ إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية با
...
-
المسجد الأقصى بين الوصاية التاريخية ومحاولات إعادة تشكيل الو
...
-
انتخابات الكنيست 2026 والفلسطينيون في الداخل: وحدة الصف وتحو
...
-
مطلوب إعادة النظر في تطبيق المرسوم بقانون فيما يخص الأسرى وا
...
-
الأردن ورفض مشاريع التوطين والتهجير
-
المؤتمر الثامن لحركة فتح بين النقد المتأخر ومتطلبات المراجعة
...
-
في الذكرى الثمانين لاستقلال الأردن… وحدة المصير وصلابة الموق
...
-
الاتفاق الأمريكي – الإيراني المتبلور وإعادة تشكيل الشرق الأو
...
-
فتح بين معركة المواقع وأزمة المشروع الوطني
-
النظام الصحي الفلسطيني بين الانهيار وصمت المجتمع الدولي
-
حركة فتح بين ضرورات المراجعة واستحقاقات النهوض الوطني
-
أسطول الصمود يكشف أزمة إسرائيل الأخلاقية والسياسية
المزيد.....
-
الرئيس اللبناني لـCNN: الحرب أو التفاوض.. وعلى إسرائيل وحزب
...
-
في مقابلة نادرة.. مراسلة CNN تلتقي مقاتلًا في حزب الله وتطرح
...
-
ما حجم الأضرار التي خلفها فيضان الفرات في سوريا؟
-
مكافحة إيبولا.. الكونغو في سباق مع الزمن وتحذير من تفشٍ واسع
...
-
مقتل عسكريين من الجيش اللبناني في غارة إسرائيلية
-
بوتين يستبعد لقاء زيلينسكي في أي وقت قريب
-
انفجارات في الخليج وتعثر مساعي إنهاء الحرب في الشرق الأوسط
-
الحرس الثوري يهدد بإعادة إغلاق مضيق هرمز إذا استمر -الأذى- ا
...
-
التضليل ونظريات المؤامرة تعرقل جهود مكافحة فيروس إيبولا في ا
...
-
الكبد الدهني.. الوباء الصامت الذي لا يتحدث عنه كثيرون
المزيد.....
-
خطة ترامب: بين النص والتطبيق
/ معتصم حمادة
-
المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا
...
/ غازي الصوراني
-
إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
/ محمود الصباغ
-
بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف
...
/ غازي الصوراني
-
قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة
/ معتصم حمادة
-
مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني
/ غازي الصوراني
-
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي
...
/ غازي الصوراني
-
بصدد دولة إسرائيل الكبرى
/ سعيد مضيه
-
إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2
/ سعيد مضيه
-
إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل
/ سعيد مضيه
المزيد.....
|