|
|
المادية التاريخية الثورية في مواجهة ميتافيزيقا اللاهوت: قراءة مقارنة في أدبيات منظمة -إلى الأمام- وأطروحات عبد السلام ياسين
محسين الشهباني
الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 07:13
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
المادية التاريخية الثورية في مواجهة ميتافيزيقا اللاهوت: قراءة مقارنة في أدبيات منظمة "إلى الأمام" وأطروحات عبد السلام ياسين تمهيد منهجي: قراءة النص كوظيفة طبقية لا يمكن قراءة النصوص الفكرية والإيديولوجية بوصفها مجرد آراء معلقة في الفراغ المعرفي، أو نتاج تأملات تجريدية معزولة عن بيئتها السوسيولوجية؛ إذ إن أي نص إيديولوجي يعكس مصالح مادية واقتصادية واضحة لطبقة اجتماعية بعينها في لحظة تاريخية محددة. تتضح أهمية هذه القراءة عند تناول كتاب الشيخ عبد السلام ياسين "الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية" الصادر عام 1979، وهي اللحظة التاريخية الموسومة ببداية تراجع المد الثوري العالمي وتنامي صعود الرأسمالية التبعية في دول المحيط، بالموازاة مع محاولات الحصار السياسي والبوليسي الشرس الذي طال التنظيمات الماركسية اللينينية بالمغرب (وفي طليعتها منظمة "إلى الأمام"). وضمن هذا السياق التاريخي الدقيق، كانت الوظيفة الموضوعية للنص اللاهوتي الياسيني تتمحور حول سحب الجماهير الكادحة والشبيبة التعليمية والطلابية من ساحة الصراع الطبقي الحقيقي المتعلّق بالبنية التحتية، وعلاقات الإنتاج، وملكية وسائل الثروة، وتوجيهها نحو صراع قيمي عقائدي وأخلاقي غيبي لا يمس البنية الاقتصادية الرأسمالية السائدة ولا يهدد مصالح الحكام والملاكين. وفي المقابل، تفكك أدبيات منظمة "إلى الأمام" هذا المنزع التضليلي بالاستناد إلى الإرث الماركسي اللينيني الصارم، مؤكدة أن النظرية ليست ترفاً أكاديمياً بل دليل عمل ثوري؛ ومهمتها الأساسية تسليح البروليتاريا وحلفائها بالوعي العلمي والأداة التنظيمية الكفيلة بكسر آلة الدولة البرجوازية. ومن ثم، يتأسس هذا التحليل لتفكيك البنية المنهجية والمفاهيمية للخطابين، ورصد التضاد الجذري بين علمية التاريخ المادية وعظية التوفيق المثالية. القسم الأول: المنهج - المادية التاريخية الجدلية مقابل المثالية اللاهوتية 1. أساس تفسير الواقع وصيرورة التاريخ تتبنى منظمة "إلى الأمام" في أوراقها التحليلية (مثل وثيقة "سقطت الأقنعة، فلنفتح الطريق الثوري"، و"الوضع الراهن والمهام العاجلة للحركة الثورية") المبدأ الأول للمادية التاريخية القائل بأن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي، وليس العكس. فالأسلوب الذي ينتج به البشر شروط عيشهم المادية من مأكل وملبس ومسكن، ونمط علاقات الإنتاج التي يدخلون فيها مرغمين، هي المحدد الجوهري والنهائي لأشكال وعيهم وبنايتهم الفوقية السياسية، والقانونية، والفكرية، والإيديولوجية. وبناءً على هذا، فإن الصراع الاجتماعي في المغرب ليس صراعاً غيبياً أو ميتافيزيقياً بين أفكار مجردة كالحق والباطل، بل هو صراع مادي ملموس بين طبقتين أساسيتين: • طبقة تملك وسائل الإنتاج ولا تنتج: وتمثلها البرجوازية الكمبرادورية والملاكون العقاريون الكبار المرتبطون بالإمبريالية العالمية. • طبقة تنتج وتخلق الثروة ولا تملك وسائل إنتاجها: وتتشكل من البروليتاريا (الطبقة العاملة) والفلاحين الفقراء وكادحي المدن والأرياف. إن المنظومات الفكرية والإيديولوجية السائدة (بما فيها الفكر اللاهوتي) يُعاد إنتاجها وتوظيفها ضمن هذا الصراع لخدمة الطبقة المسيطرة وتأبيد هيمنتها وتخدير وعي المستغَلين. وعلى الضفة المقابلة، ينطلق عبد السلام ياسين من البنية النقيضة للمثالية اللاهوتية، ومفادها أن الوعي هو الذي يحدد الوجود، معتبراً في كتابه "الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية" أن التفسير المادية يسقط في "حتمية اقتصادية عمياء" تصادر الروح والفاعلية الإنسانية وتختزل الإنسان إلى "كائن بطني ساذج". ويشيد بديله التنظيمي في وثيقته الاستراتيجية "المنهاج النبوي" (تربية وتنظيماً وزحفاً) على مقولتي "الفطرة" و"القومة"؛ حيث يغدو إصلاح المجتمع مشروطاً مسبقاً بـ"تغيير ما بأنفس الأنفس" كخلاص روحي فردي وغيبي في المقام الأول. ويكشف النقد العلمي صرامة تهافت المقاربة المثالية؛ إذ لا يمكن تغيير وعي وقيم عامل يقضي اثنتي عشرة ساعة يومياً داخل معمل يفتقر لأبسط شروط السلامة والتهوية، وهو يرزح تحت وطأة التفكير في تحصيل قوت عائلته، بمجرد الموعظة، والذكر، والتربية، والإرشاد الأخلاقي. إن وعي الفرد يتغير ويتحرر بنيوياً عندما تتغير شروط عيشه المادية وعلاقاته الإنتاجية الملموسة عبر "تحرير اليد والعمل" أولاً. ومن ثم، تتحول المثالية اللاهوتية بوعي أو بدونه إلى أداة تخدم المصالح الطبقية السائدة؛ نظراً لأنها تطالب المستغَلين بالتركيز على تطهير بواطنهم وتعديل أفكارهم والزهد والصبر على البلاء، بدلاً من قيادة فعل ثوري مادي لتغيير وضعيتهم المادية وتحطيم شروط اضطهادهم، مما يترك جسد العامل وقوة عمله رهينة لآليات النهب البرجوازي اليومي. 2. الموقف من التناقض الاجتماعي ترى المادية الجدلية أن المحرك الأساسي لتطور التشكيلات الاجتماعية هو صراع الأضداد الكامن في صلبها. ففي ظل نمط الإنتاج الرأسمالي التبعي، يبرز تناقض جوهري مستعصٍ على الحل بين الطابع الاجتماعي للإنتاج (آلاف العمال ينتجون معاً في المعامل، المناجم، والضيعات) وبين طابع التملك الفردي الخصوصي البرجوازي (رأسمالي واحد أو شركة تستولي على ثمار هذا المنتوج). هذا التناقض البنيوي لا يمكن فضه عبر التوفيق والتسويات الأخلاقية، بل عبر الانفجار الثوري الذي يطيح بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ويحولها إلى ملكية جماعية مشاعة. بينما يختزل خطاب ياسين هذا التناقض الموضوعي في ثنائيات سلوكية وأخلاقية مجردة مثل (الإيمان ضد الكفر) أو (الاستقامة ضد الانحلال الأخلاقي)، معتبراً الصراع الطبقي "فتنة" تفتت الأمة وتهدد تماسكها، وطارحاً بدلاً عنه صهر الطبقات المتناقضة في بوثقة "الأخوة الإيمانية" والتكافل، والاعتماد على آليات الدعوة والتربية والنزوع نحو الوسطية والتضامن الإنساني. إن هذا الإنكار لصراع الطبقات يقع في صلب الأطروحات التوفيقية والتحريفية على السواء؛ فسواء أُخفي الصراع باسم التعاليم الدينية أو باسم الإنسانية المجردة، فإن النتيجة السياسية والطبقية الواحدة تكمن في كبح جماح الصيرورة التاريخية، ومحاولة طمس التمايزات الطبقية وتأبيد علاقات الاستغلال الرأسمالية ومباركتها أخلاقياً تحت مسميات ومساحيق شتى تخدم المؤجرين وأصحاب الرأسمال مباشرة. القسم الثاني: الاقتصاد السياسي - فائض القيمة كمركز للصراع الطبقي يدخل المنهج العلمي المادي في صلب البنية الاقتصادية ليكشف عما عجزت عنه النظريات البرجوازية واللاهوتية؛ فكارل ماركس لم يقتصر على رصد التفاوت الظاهري والبؤس المعيشي (الفقر، البطالة, الغلاء)، بل صاغ الاكتشاف العلمي لقانون فائض القيمة المفسر لآلية تراكم رأس المال وسرقة العمل غير المدفوع الأجر، واضعاً حداً للتفسيرات السلوكية أو الغيبية. 1. الصياغة العلمية لـ ماركس ولينين تتميز قوة العمل في ظل الرأسمالية بكونها سلعة ذات خصائص فريدة؛ فعندما يشتريها الرأسمالي بموجب أجر يومي، فإنه يستملك قدرتها على العطاء والإنتاج طيلة يوم العمل (ثماني ساعات مثلاً). بيد أن العامل، وخلال الساعات الأولى من عمله (أربع ساعات كنموذج)، ينتج قيمة مادية تعادل تماماً قيمة الأجر الذي يتقاضاه، وهو ما يطلق عليه ماركس "العمل الضروري" لإعادة إنتاج معيشته بيولوجياً واجتماعياً واستمرار طاقته الحيوية. أما الساعات الأربع المتبقية من يوم العمل، فهي تمثل "عملاً فائضاً" مجانياً ينتج فيه الكادح "قيمة زائدة" (فائض القيمة) يستحوذ عليها مالك وسائل الإنتاج دون أي مقابل مادي. إن هذا الفائض المستخلص هو النبع الأساسي للربح، والتراكم، والتوسع الرأسمالي، وليس نتاج مخاطرة أو ذكاء مجرد للرأسمالي. وهو ذاته مكمن الأزمات البنيوية الدورية للنظام؛ فالرأسمالي محكوم بقوانين منافسة شرسة تفرض عليه مراكمة الرأسمال وزيادة معدل فائض القيمة باستمرار لحماية مؤسسته من الانهيار، مما يدفعه بنيوياً لنوعين من الاستغلال: • الاستغلال المطلق: بتمديد وتكثيف ساعات العمل اليومية لزيادة العمل الفائض. • الاستغلال النسبي: بإدخال المكننة والتكنولوجيا لتقليص وقت العمل الضروري، مما يؤؤدي لتشريد جزء من الشغيلة نحو صفوف "الجيش الاحتياطي للعاطلين" لقمع أي حراك تفاوضي أو نقابي حول الأجور. وقد طوّر لينين هذا التحليل مبيناً أنه في الطور الإمبريالي، لم يعد استخلاص فائض القيمة منحصراً في حدود العمال داخل البلد الرأسمالي الواحد، بل امتد عبر الكارتيلات والشركات عابرة القارات لامتصاص عرق وثروات شعوب المستعمرات والبلدان التبعية (مثل المغرب)، محولاً الصراع إلى مواجهة عالمية بين أمم مستغَلة (بفتح الغين) وأمم مستغِلة (بكسر الغين). 2. المقاربة الياسينية في مواجهة القانون الاقتصادي لا يتصدى عبد السلام ياسين لقانون فائض القيمة من داخل المنطق الاقتصادي الرياضي، ولا يسعى لتفنيد آليات تشكل القيمة وتبادل السلع، بل يهرب من صرامة المعادلة الاقتصادية نحو مستويات ثلاثة: • أولاً، مستوى التبسيط والاختزال النفسي: عبر صم التحليل المادي والماركسي بكونه انشغالاً بـ"المادية الساوية" و"عبادة البطن". والهدف من ذلك هو محاولة إفراغ القانون العلمي من محتواه الموضوعي، وتصوير الثورة والصراع الطبقي كأنهما نتاج لمشاعر نفسية ذاتية كالحسد والحقد الطبقي، متناسياً أن الرأسمالية هي التي تشيئ الإنسان وتختزله يومياً إلى "يد عاملة" وكلفة إنتاج مجردة في ورقة الأجور. • ثانياً، مستوى الحلول الإصلاحية التوفيقية: من خلال طرح مؤسسات التكافل الاجتماعي التقليدية كالزكاة، والصدقة، والتضامن الإنساني كبديل وعلاج لواقع البؤس. وتتعامل هذه المقاربة مع فائض القيمة باعتباره "انحرافاً سلوكياً فردياً" أو شحاً أخلاقياً يمكن تهذيبه بالوازع الديني للمؤجر، متجاهلة أنه علاقة إنتاج بنيوية حتمية؛ فالرأسمالي الذي يمتنع عن امتصاص فائض القيمة ويتخلى عن شروط المنافسة مصيره الإفلاس والابتلاع من قِبل رأسماليين أكثر وحشية. إن الأخلاق والنيات الحسنة لا تلغي القوانين الموضوعية لحركة رأس المال، وطرح الزكاة كحل لأزمة الرأسمالية التبعية هو وهم إصلاحي يعالج الأعراض ويترك الجرثومة البنيوية تنمو. • ثالثاً، مسار الفصل التحريفي: عبر محاولة إقامة جدار عازل بين ماركس الفيلسوف النظري الإنساني المقبول في حدود الدرس الأكاديمي، ولينين التطبيقي الثوري المرفوض (الذي يصب عليه جام غضبه)، وذلك بغرض تجريد النظرية المادية من أداتها السياسية والتنظيمية وحبسها داخل رفوف المكتبات كفلسفة تأملية منزوعة المخالب والأنياب. إن مناقشة قانون فائض القيمة في صلب المعادلة المادية يعد إقراراً ضمنياً بعلميته وصحته؛ فدفاع لينين والحركة الماركسية اللينينية بالمغرب (منظمة "إلى الأمام") عن هذا القانون لم يكن ترفاً فكرياً، بل كان تقديماً لخريطة طريق ثورية ترفع وعي العمال بشعار واعي وملموس: "المعامل للمنتجين الحقيقيين والعرَق لأصحابه"، وهو الشعار البنيوي المهدد لوجود البرجوازية. القسم الثالث: نظرية الدولة - حتمية الحسم اللينيني ضد يوتوبيا الشورى يمثل مفهوم الدولة المساحة الأكثر تصادماً وعنفاً في السجال الإيديولوجي؛ كونها تمس مباشرة مسألة الحسم السياسي، والسلطة، وآليات تدبير المجتمع. 1. المنظور الماركسي اللينيني: الدولة كأداة قمع طبقي مقننة الدولة في الفهم المادي واللينيني الصارم (كما صاغه لينين في كتابه العمدة "الدولة والثورة") ليست تجسيداً لـ"العقد الاجتماعي" الليبرالي، ولا تعبيراً مجرداً عن "الوطن" أو "المصلحة العامة" المحايدة؛ بل هي نتاج تاريخي وموضوعي لعدم إمكانية التوفيق بين التناقضات الطبقية. لقد نشأت الدولة تاريخياً عندما انقسم المجتمع البدائي إلى طبقات ذات مصالح متعارضة، لتغدو وظيفتها الأساسية هي قمع الطبقة المستغَلة وحماية علاقات الإنتاج القائمة وشكل الملكية السائد. فدولة الإقطاع ما هي إلا جهاز النبلاء والفرسان لحماية الأرض والعبيد، والدولة البرجوازية ببرلمانها، وجيشها، وقضائها، وسجونها، وشرطتها ما هي إلا اللجنة التنفيذية لإدارة المصالح المشتركة للطبقة البرجوازية وحماية بوابات البنوك والمعامل والملكية الخاصة. وبناءً على الدرس التاريخي والمصيري المستخلص من تجربة "كومونة باريس" عام 1871، فإن أي ثورة sociale حقيقية لا يمكنها الاكتفاء بالاستيلاء على مفاصل الحكومة القائمة وتسييرها، بل يجب عليها حتماً تحطيم آلة الدولة البرجوازية البيروقراطية والعسكرية بالكامل. وتبرز هنا مرحلة "ديكتاتورية البروليتاريا" بوصفها الطور الانتقالي الحتمي نحو الاشتراكية؛ وهي لا تعني دكتاتورية شخص أو تنظيم فوقي، بل تعني سلطة طبقية مباشرة للكادحين، تتسم بملامح مزدوجة: • ديمقراطية واسعة ومباشرة وغير مسبوقة: للأغلبية الساحقة من العمال والفلاحين والفقراء الذين يحكمون مباشرة عبر مجالسهم المنظمة ذاتياً (السوفييتات والنقابات العمالية). • قمع طبقي صارم ومنظم: ضد الأقلية المستغِلة المخلوعة لشل قدرتها على قيادة الثورة المضادة، ومنعها من الإعلام والسياسة، ومصادرة أملاكها حتى يبطل خطر تخريبها للاقتصاد الاشتراكي الناشئ. وأفق هذه الدولة الانتقالية هو الاضمحلال التدريجي؛ فحين تُنتزع الملكية الخاصة وتزول الطبقات نهائياً، تنتفي بالتبعية الحاجة لـ"جهاز القمع الطبقي"، لتتحول الدولة من سلطة سياسية استعلائية فوق المجتمع إلى مجرد إدارة تقنية تشارك فيها الجماهير عفوياً لتسيير الإنتاج وتوزيع الثروات (التحول من حكم الأشخاص القائم على الإكراه إلى إدارة الأشياء). 2. المنظور الياسينية: الدولة كأداة محايدة وأطروحة الحاكم العادل يتعامل عبد السلام ياسين مع الدولة باعتبارها بنية تكنوقراطية ومؤسساتية محايدة، يغيب عنها المنظور الجدلي؛ إذ يرتهن صلاحها أو فسادها بطبيعة السائق (الحاكم) ومدى التزامه القيمي. فإذا كان الحاكم انحرافياً وسلوكياته فاسدة غدت الدولة مستبدة ("ملك عاض وجبري" نتاج انكسار السيرورة التاريخية للأمة)، وإذا كان الحاكم تقياً ومطبقاً للشريعة انصلحت الدولة لتتحول إلى "دولة الشورى والعدل الإلهي". ويشن ياسين هجوماً عنيفاً على مفهوم "ديكتاتورية البروليتاريا" واصفاً إياه بـ"الهستيريا البوليسية الشمولية اللينينية" التي تلغي الحريات، ليطرح بديلاً يوتوبيا يتمثل في دولة شوروية دائمة تلغي الصراع الطبقي بقوة الوازع الديني وأخوة العقيدة، بلا حاجة لاضمحلال الدولة أو تغيير علاقات ملكية وسائل الإنتاج. ويتلقى هذا التصور المثالي نقداً صارماً من ثلاث جبهات علمية لم يتطرق إليها المتن الياسيني: • جبهة التاريخ: حيث أثبتت التجارب أن الرهان على استلام آلة الدولة البرجوازية ومحاولة توظيفها لصالح المضطهدين دون تحطيم بنيتها هو رهان يفضي حتماً إلى احتواء الثورة؛ لأن الآلة مصممة ومبرمجة لحماية مصالح مصمميها وطبقتها السائدة. لقد سقطت كومونة باريس في 72 يوماً لأنها تراجعت عن سحق أجهزة الثورة المضادة بحسم، ونجحت ثورة أكتوبر لأنها دكت تلك الأجهزة وشيدت سلطة البروليتاريا البديلة. • جبهة الطبقات: إن أطروحة "الحاكم العادل" تمثل الأفق المثالي لإيديولوجيا البرجوازية الصغيرة المعزولة عن قوانين الإنتاج؛ فالرأسماليون والشركات الاحتكارية لن يتنازلوا عن معاملهم وأموالهم وبنوكهم طواعية لمجرد سماعهم مواعظ دينية أو خطب إرشادية. الصراع الطبقي قانون موضوعي تحركه المصالح المادية، ولا تلغيه النيات الطيبة أو الوازع الأخلاقي الفردي، ونزع الحسم اللينيني يعني ترك صدور الكادحين عارية أمام فوهات بنادق الجلادين. • جبهة الأفق المستقبلي: يمثل تصور "الدولة الدائمة" عند ياسين رؤية ميتافيزيقية جامدة تناهض منطق الجدل والصيرورة؛ فالدولة ظاهرة تاريخية مشروطة بوجود الطبقات والملكية الخاصة، والإصرار على أبديتها واستقرارها لحكم المجتمع للأبد هو شرعنة وتكريس مبطن لانقسام المجتمع بين مالكين ومحرومين تحت مساحيق دينية، على عكس الأفق التحرري الماركسي-اللينيني القائم على اضمحلال أدوات الإكراه. القسم الرابع: أداة التغيير الميداني - حزب الطليعة الحديدي مقابل الجماعة الدعوية إن التباين المنهجي والمعرفي يفرض بالضرورة اختلافاً حاداً وجذرياً في طبيعة الأداة التنظيمية المنوط بها قيادة الجماهير في الساحة الميدانية والشوارع المغربية. 1. حزب الطليعة اللينيني المنظم تتمسك منظمة "إلى الأمام"، تماشياً مع الأطروحة اللينينية المبلورة في كتاب "ما العمل؟"، بضرورة بناء حزب الطبقة العاملة الطليعي. وهو تنظيم حديدي، سري ومنظم (حسب الشروط السياسية)، يعتمد المركزية الديمقراطية (نقاش حر واسع في القواعد، وقرار موحد وطاعة صارمة في التنفيذ لضمان الفاعلية ضد قمع الدولة الرأسمالية)، ومتسلح بنظرية المادية التاريخية والجدلية، ومتمسك بالهوية الطبقية الصافية (حزب البروليتاريا وحلفائها) رافضاً تمييع الصراع داخل أطر وطنية عامة تجمع المستغِل والمستغَل. تنطلق هذه الرؤية من حقيقة مادية أن الجماهير الشعبية بعفويتها وغضبها قادرة على تفجير إضرابات ومسيرات بطولية، لكنها بلا وعي نظري وبلا قيادة مركزية منظمة يسهل سحقها وتشتيتها وتكسير حراكها من قِبل أجهزة الدولة الممنهجة (التي تملك الإعلام والبوليس والقضاء). إن وظيفة الحزب الطليعي لا تنحصر في الوعظ أو تقديم الخدمات الخيرية، بل في الانغراس العضوي في معارك الكادحين، وقيادة صراعهم السياسي، ورفع وعي الشغيلة من مستوى "وعي في ذاته" (مطالب نقابية وخبزية محدودة لزيادة درهمين يستردها الرأسمالي غداً عبر التضخم والغلاء) إلى مستوى "وعي لذاته" (وعي سياسي ثوري يربط الإضراب في المعمل بالنظام الرأسمالي ككل ويستهدف الإطاحة به وبناء السلطة البديلة). الحزب هو الأركان الصلبة وذاكرة الطبقة المنظمة في فترات المد والجزر الثوري. 2. الجماعة التربوية الدعوية السلوكية على الجانب الآخر، يؤسس عبد السلام ياسين في كتابه "المنهاج النبوي" لأداة تنظيمية بديلة هي "الطليعة المؤمنة" أو "الجماعة". وترتكز هذه الأداة في اشتغالها على خمس خصال أساسية (أولها الصحبة والجماعة وآخرها الجهاد)، معتمدة على آليات الدعوة، والذكر، والتربية الفردية، وتزكية النفس، وبناء "الإنسان الصالح" داخل المجتمع والبنية القائمة كشرط مسبق وجوهري لإصلاح المجتمع والدولة لاحقاً، عبر ما يسميه "الزحف التربوي الهادئ" لإقناع السلطة بالتراجع عن غيها واستبدادها. ويكشف التفكيك النقدي والمادي عن قلب هذه المقاربة للعلاقة الجدلية البنيوية بين الإنسان ومحيطه المادي؛ إذ يستحيل صياغة وبناء "إنسان جديد متوازن وصالح" في ظل استمرار "شروطه الوجودية القديمة" البشعة التي تسحقه، وتكسره، وتشيئه يومياً داخل علاقات الاستغلال؛ فالإنسان يصوغ وعيه انطلاقاً من شروطه المادية، والتربية الفردية بلا تغيير البنية التحتية تشبه محاولة زرع وردة في الصحراء. وتنتهي الجماعة الدعوية، بسبب تجميعها لفئات طبقية متناقضة المصالح (عمال، موظفون، وباطرونا صغيرة) تحت لافتة دينية عامة، إلى تمييع الصراع الطبقي وتحويل بوصلته نحو معارك سلوكية وعقدية فرعية وثنائيات (مؤمن / فاسق) بدلاً من (مستغِل / مستغَل). إن الجماعة الدعوية تغدو في أقصى تطلعاتها أداة ضغط أخلاقي على المنظومة القائمة لتطالب الجلاد بالرحمة والعدل وتدعو العامل بالصبر، تاركة نفسها والجماهير عارية تماماً وتحت رحمة بوليس وجهاز الدولة البرجوازية التي تقمعها، وتحلها، وتحبس قادتها (وهو ما أكدته الوقائع التاريخية لعجز المقاربة الغيبية عن الإجابة عن سؤال أدوات القوة الطبقية وسؤال السلطة)، بينما يمثل حزب الطليعة أداة صراع جذري لكسر المنظومة الرأسمالية واستبدالها بسلطة المنتجين الكادحين. خلاصات حاسمة وسجالية بناءً على هذا التفكيك المنهجي والمفاهيمي الموسع للسجال الفكري والتاريخي بين أدبيات منظمة "إلى الأمام" والمتن الياسيني، يمكن تسجيل أربع خلاصات حاسمة: • على المستوى المنهجي: يمثل خطاب ياسين نموذجاً كلاسيكياً للمثالية اللاهوتية التي تبدأ من الفكرة المجردة لتنتهي عندها، متهربة من التشريح المادي لعلاقات الإنتاج الملموسة؛ وهو تهرب لا يعكس عجزاً معرفياً فحسب، بل يؤدي وظيفة إيديولوجية واضحة لحماية البنية الاقتصادية الرأسمالية من التقويض المادي عبر تحويل الصراع لبواطن الأنفس. • على المستوى الاقتصادي: يتجلى العجز البنيوي للخطاب اللاهوتي في عدم قدرته على دحض وتفنيد قانون فائض القيمة العلمي والمكتشفات الماركسية، والالتجاء بدلاً من ذلك إلى حلول وعظية وتضامنية تقليدية (كالزكاة والصدقة) أثبتت الصيرورة التاريخية عجزها المطلق أمام آليات التراكم والنهب والبطالة والاحتكار الرأسمالي المتوحش. • على المستوى السياسي: يظهر ذعر واضح في أدبيات ياسين من مسألة الحسم الثوري وتأسيس سلطة الكادحين (عبر مهاجمته للينين وسلطة العمال الانتقالية)، محاولاً تجريد الماركسية من جوهرها اللينيني العملي وتحويلها لفلسفة مكاتب؛ لأن مسألة السلطة وتحطيم آلة الدولة البرجوازية هي مسألة حياة أو موت بالنسبة للمضطهدين لكي لا يسقطوا كما سقطت كومونة باريس. • على المستوى التاريخي (انقلاب السحر على الساحر): تبرز مفارقة تاريخية كبرى في كون النص السجالي للشيخ ياسين، والذي سُطر خصيصاً لهدم الماركسية اللينينية وحصار اليسار الجذري في المغرب عام 1979، قد انتهى تاريخياً بتقريب مفاهيمها وشرحها لجمهور واسع من القراء الكادحين؛ فعندما أراد تفنيد قانون فائض القيمة اضطر لتوضيح آليته الاقتصادية العلمية وكيفية امتصاص عرق العمال، وحين هاجم ديكتاتورية البروليتاريا شرح ضرورتها الحمائية ومفهوم الدولة عند لينين، لينقلب السحر على الساحر ويتحول النص السجالي للاماركسية إلى وثيقة تساهم في نشر الوعي بالمنهج المادي الجدلي. الكلمة الفصل وسؤال الكادح المصيري إن الخلاصة السياسية والتاريخية المباشرة للطبقة العاملة، والفلاحين الفقراء، وسائر كادحي ومعطلي المغرب تظل بسيطة، واضحة، وملموسة، ولا تحتاج ترفاً فكرياً: • حين تجوع وتكتوي بنار الغلاء، لا تسأل عن "ضمير الحاكم" أو أخلاق الباطرون؛ بل اسأل: "من يملك المخزن ومن يمسك بزمام الثروة الاقتصادية والسياسية؟" • وحين تُطرد من عملك تعسفياً ويُلقى بك في الشارع، لا تسأل "ما ذنبي الأخلاقي والسلوكي"؛ بل اسأل: "من يملك المعمل ومن يحمي سلطة رأس المال بالقانون وقوة السلاح؟" إن الإجابة عن الشق الثاني من الأسئلة هي البداية الحقيقية لتشكل الوعي الطبقي والعلمي بالواقع؛ والمقاربة الأخلاقية الياسينية اللاهوتية ستجيبك بأن جزءاً من عرقك يذهب للرأسمالي لكنه إذا كان تقياً وصالحاً فسيتصدق عليك ويمنحك الزكاة، وهي بذلك تراهن على وهم تحول الجلاد لقديس رحيم مع بقاء الاستغلال مقنناً بغلاف ديني. بينما المقاربة الماركسية اللينينية لمنظمة "إلى الأمام" ستجيبك بأن كل قيمة عرقك وجهدك تُنتزع منك وتُسرق بشكل منظم عبر قانون فائض القيمة، وحقك كاملاً أن تستردها وتصادر وسائل الإنتاج، لا عبر الصدقة، المنة، أو الانتظارية الغيبية للتمكين، بل بقوة قانونك، وتنظيمك، وعملك الثوري الممنهج، لتتحول من كادح مستلَب ومغترب إلى سيد لمصيرك وممسك بأداة السلطة السياسية. فائض القيمة، وطبيعة الدولة كأداة قمع، ومعارك التنظيم الحزبي الطليعي ليست معادلات معقدة، بل هي الاسم العلمي الدقيق للاستغلال اليومي المعاش والقمع المادي في الحقول، والمعامل، والمناجم، والأحياء الهامشية. وفهم هذه القوانين والمناهج هو الخطوة التنظيمية الأولى والأساسية نحو إنهاء هذا الاستغلال نهائياً. وكما أكد لينين وجسدته مسيرة الحركة الماركسية اللينينية المغربية: فإن الحقيقة صارمة، وعلمية، وثورية دائماً. بقلم : محسين الشهباني
#محسين_الشهباني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما
...
-
اقتصاد الريع الجمعوي-السياسي وحثالة البروليتاريا
-
دروس نصف قرن من النضال منظمة إلى الأمام و حركة 20 فبراير وجي
...
-
حول طبيعة طقس الأضحية في المغرب
-
تمظهرات الصراع الطبقي بالمغرب
-
الدعم العمومي للصحافة بالمغرب بين الولاءات وتكريس هيمنة الدو
...
-
حين تتحول الاحزاب التي تدعي -الثورية- إلى عكاز للرجعية
-
من المدرجات: رمز المقاومة الشعبية ضد الحماية... إلى صناعة ال
...
-
الصمت الطبقي بالمغرب بين التراكم البدائي و القمع الناعم
-
القوى الظلامية والصراع الطبقي في المغرب
-
حول فاتح ماي 2026
-
جدل تصوير دورة مجلس البلدي بأزمور من طرف الباشا يكشف صراع ال
...
-
حول اعتقال محمد السانتوس وبعيدا عن لغة الخشب
-
الامبريالية بالدارجة
-
حتى انا شيوعية
-
كل سنة وانتم على العهد باقون ولطريق الشهداء سائرون.
-
رسالتي ...اليك
-
حزب النهج الديمقراطي وارتمائه في مستنقع الإصلاحية
-
في حوار خاص بمُناسبة ال50 سنة لانطلاق الجبهة الشعبية لتحرير
...
-
انا المتيم بجمالك
المزيد.....
-
بابا الفاتيكان في إسبانيا.. مهاجرون واستقطاب وفضائح مسكوت عن
...
-
نزيف الكنيسة مستمر.. لماذا يفقد الألمان إيمانهم؟
-
مستشار قائد الثورة والجمهورية الإسلامية علي أكبر ولايتي: مخا
...
-
المقاومة الإسلامية: استهدفنا تجمّعاً لآليات وجنود -جيش- الع
...
-
كاتدرائية ساغرادا فاميليا، مهاجرون... ما هو برنامج البابا خل
...
-
مشروع ثقافي جديد بطنجة.. حركة التوحيد والإصلاح تعيد الاعتبار
...
-
أردوغان يعلن اندماج بنوك تركيا الإسلامية ويشيد بالتمويل بالم
...
-
مسئول فلسطيني لـ الشروق: مشروع القانون الإسرائيلي لتقييد الأ
...
-
الوقف السني يوجّه خطباء المساجد للإشادة بملف حصر السلاح
-
المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا بمحلقة أبابيل الانقضاض
...
المزيد.....
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
-
إله الغد
/ نيل دونالد والش
-
في البيت مع الله
/ نيل دونالد والش
المزيد.....
|