أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل عبد الأمير الربيعي - العاشقة والسكير: سردية المنفى والتجربة الإنسانية














المزيد.....

العاشقة والسكير: سردية المنفى والتجربة الإنسانية


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 03:03
المحور: الادب والفن
    


ليست ناهدة جابر جاسم اسماً عابراً في المشهد السردي العراقي، بل هي تجربة إنسانية وأدبية تشكلت عند تقاطع الذاكرة والمنفى والنضال. فمنذ سنوات شبابها الأولى اختارت طريقاً مختلفاً عن السائد، فتمردت على القيود الاجتماعية التي كانت تحاصر المرأة في بيئتها الفراتية المحافظة، ثم وجدت نفسها في قلب الأحداث السياسية العاصفة التي شهدها العراق خلال العقود الماضية.
هذا المسار الحياتي الحافل بالتحولات لم يبقَ مجرد ذكريات شخصية، بل تحول إلى مادة أدبية أغنت تجربتها في القصة والرواية والشعر. ولهذا تبدو كتاباتها امتداداً لسيرة حياة عاشت تفاصيلها بكل ما فيها من حب وخسارة وأمل وخيبة ومنفى.
في مجموعتها القصصية ((العاشقة والسكير)) الصادرة عام 2015، تقترب ناهدة من أسئلة المرأة والحرية والهوية والاغتراب، وتكتب عن الإنسان وهو يواجه هشاشته في عالم متقلب. ولا تنشغل القصص ببناء حبكات معقدة بقدر انشغالها بالتقاط اللحظات الإنسانية الحاسمة، حيث تتداخل السيرة الذاتية بالتخييل، والواقع بالحلم، والذاكرة بالحاضر.
العنوان نفسه يحمل دلالته الرمزية؛ فالعاشقة تمثل التوق الدائم إلى الحب والاكتمال، بينما يجسد السكير صورة الانكسار والتشظي والبحث العبثي عن الخلاص. وبين هذين القطبين تتحرك شخصيات المجموعة وهي تواجه أقدارها في المنافي البعيدة.
وتتكون المجموعة من ثماني قصص قصيرة تتناول موضوعات اجتماعية وإنسانية متنوعة، وتتميز بلغتها السلسة وقدرتها على استحضار التفاصيل اليومية بوصفها مدخلاً إلى قضايا أعمق تتعلق بالوحدة والحنين والخذلان والعلاقة الملتبسة بين الماضي والحاضر.
وتعد قصة (الأرملة) واحدة من أبرز قصص المجموعة وأكثرها كثافة من الناحية الشعورية. تدور أحداثها في الدنمارك، حيث ترسم الكاتبة عالماً يختلط فيه الحنين بالفقدان، وتتحول الطبيعة المحيطة إلى مرآة تعكس الحالة النفسية للشخصية الرئيسة. فالأشجار العارية والسماء الباردة ليست مجرد عناصر مكانية، بل مكونات فاعلة في بناء الجو العام للنص.
تستعيد البطلة ذكرياتها مع زوجها الراحل الذي كان يجمع بين القسوة والعاطفة، بين العنف والمودة، في تناقض يطبع علاقتهما بطابع مأساوي معقد. فهو الرجل الذي كان يجرحها في لحظات الغضب، ثم يعود ليغمرها بمظاهر الحب والحنان، لتظل عالقة في دائرة من المشاعر المتضاربة لا تستطيع الفكاك منها.
ومع تصاعد الأحداث تلتقي البطلة بعازف موسيقي يختلف عن زوجها في نظرته إليها، إذ يمنحها الثقة ويشجع موهبتها الفنية، في الوقت الذي كان زوجها يقلل من شأنها ويزرع الشك في قدراتها. ومن خلال هذه العلاقة الجديدة تطرح الكاتبة أسئلة عميقة عن الحاجة الإنسانية إلى الاعتراف والاحتواء العاطفي.
وتبلغ القصة ذروتها عندما تتداخل مشاعر الفقد مع الرغبة في استعادة الحياة من جديد. وهنا تتجلى مهارة الكاتبة في توظيف الصورة الشعرية، كما في عبارتها: (بدأت خيوط الشمس تذبل، وظفائر القمر تنير سماء أكبر وأدفأ غابة في مدينة روسكيلد)، وهي صورة تمنح النص بعداً جمالياً وتكشف عن الحس الشعري الكامن في كتابتها السردية.
لا تكتفي القصة برصد مأساة امرأة فقدت زوجها، بل تتجاوز ذلك إلى تأمل معنى الفقد ذاته، وكيف يستمر الراحلون في الحضور داخلنا حتى بعد رحيلهم. ولذلك تنتهي القصة على إيقاع إنساني مؤثر، يوحي بأن الموت لا يحدث مرة واحدة، بل قد يتكرر في الذاكرة كلما حاول الإنسان أن يبدأ حياة جديدة.
إن قراءة (العاشقة والسكير) تكشف عن كاتبة تكتب من قلب التجربة، وتستند إلى ذاكرة مثقلة بالأحداث والتحولات. وربما لا تكمن أهمية هذه المجموعة في اكتمالها الفني بقدر ما تكمن في صدقها الإنساني وقدرتها على نقل معاناة جيل كامل عاش الحروب والمنافي والأحلام المؤجلة.
وهكذا تبدو ناهدة جابر جاسم صوتاً أدبياً خرج من رحم التجربة العراقية القاسية، حاملاً معه أسئلة الإنسان والمرأة والمنفى، ومؤكداً أن الكتابة ليست ترفاً جمالياً، بل محاولة دائمة لفهم الذات ومقاومة النسيان.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إدغار موران.. قرنٌ من الفكر في مواجهة تعقيد العالم
- نظرية نوري جعفر في الإبداع وآليات الدماغ
- أصحاب الظل في زمن التسويق الثقافي أو (المسوگجية)
- قراءة في كتاب (نوري جعفر: رجل النهضة والإصلاح) للأستاذ ياسر ...
- يونس بحري.. من إذاعة برلين إلى مقبرة الغزالي
- وطنٌ بين الذاكرة والخذلان
- سوسيولوجيا التحول الثقافي في العراق الحديث
- عزيز السيد جاسم سيرة التحوّل ونهاية التغييب
- التربية بوصفها مشروعاً نهضوياً في فكر د. نوري جعفر (1914-199 ...
- حين ينتصر الضمير على السلطة
- إخوان الصفا ومعطيات علم النفس والأعصاب الحديثة
- إنانا: من آلهة الحب إلى ضحية التحول الذكوري في التاريخ الإنس ...
- نوري جعفر بين الإهداء لمؤلفه والنص الإنساني العميق
- نوري جعفر سبق العالم في الذكاء الاصطناعي
- تأملات العلامة نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (2-2)
- تأملات العلامة نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (1-2)
- تأملات د. نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (1-2)
- المنعكسات الشرطية بين تجارب بافلوف وفلسفة نوري جعفر
- إيفان بافلوف في فكر نوري جعفر الفسيولوجي والسلوك الإنساني
- نوري جعفر والفكر البشري بين طبيعته وتطوره


المزيد.....




- بسبب جدارية تاريخية.. فنان أمريكي يقاضي -فيفا- ويطالب بـ 25 ...
- السينما الفلسطينية في شيفيلد.. مشاريع جديدة وأفلام تنافس على ...
- الروائي محمد تركي الدعفيس: المنفى يخلّف ندوبا والحنين محرض د ...
- بمساعدة الذكاء الاصطناعي.. الموسيقي صامويل سميث يهزم -باركنس ...
- لسان آدم وأصل الحضارة: هل اللغة العربية هي المنطلق الأول للأ ...
- زخاروفا: الاستهداف المتعمّد للمواقع الثقافية أو تدميرها بشكل ...
- الرسوم الدراسية العالقة تحاصر أحلام الخريجين في غزة
- كريم عبدالعزيز يبدأ تصوير فيلم -الفيل الأزرق 3-
- إحصائيات تشير لتصدر فيلم -7DOGS-.. ومحمد رمضان يواصل الحديث ...
- فرنسا: فيلم -معركة ديغول- يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل عبد الأمير الربيعي - العاشقة والسكير: سردية المنفى والتجربة الإنسانية