كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي
(Kamal Ghobrial)
الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 09:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هل دبي وأخواتها مجرد "مراكز تسوق عملاقة وأبراج زجاجية جاذبة للأموال"، أم أن هناك عمقاً ثقافياً وفلسفة حداثية حقيقية تقود هذا المشهد؟
للإجابة عن هذا السؤال بشكل موضوعي، لا يمكننا تبني نظرة أحادية (إما هذا أو ذاك).
النموذج الإماراتي في جوهره هو صيغة هجينة تدمج بين البراجماتية الاقتصادية الصارمة (جذب الاستثمارات)، وبين هندسة اجتماعية وثقافية تسعى لتقديم نسخة "مُعولمة" ومتسامحة من الهوية العربية الإسلامية.
نحاول فيما يلي استعراض أبعاد هذا النموذج من خلال زواياه المختلفة:
نموذج الإمارات: بين براغماتية الاقتصاد وهندسة الحداثة الثقافية
عند تتبع مسيرة دولة الإمارات العربية المتحدة منذ تأسيس الاتحاد عام 1971، نجد أنفسنا أمام ظاهرة استثنائية في التاريخ الحديث. ففي غضون عقود قليلة، تحولت المنطقة من مجتمع يعتمد على صيد اللؤلؤ والتجارة التقليدية، إلى لاعب جيوسياسي واقتصادي بارز على الساحة الدولية. هذا التحول السريع جعل النموذج الإماراتي محط أنظار الباحثين. حيث يراه البعض واحة للحداثة والتعايش في منطقة مضطربة، بينما يختزله آخرون في كونه مجرد "رأسمالية فائقة النجاح". ومغناطيس للشركات العابرة للقارات، دون تيار فكري حداثي مصاحب للمسيرة ودافع لها.
فما هي الحقيقة؟
أولاً: الجاذبية الاستثمارية... البنية التحتية كمنطلق
لا يمكن لأي مراقب منصف أن ينكر أن الجانب "الاقتصادي والاستثماري" هو المحرك الفائق للنموذج الإماراتي.
الإمارات لم تنتظر الطفرة النفطية لتشكل مستقبلها، بل استغلت العوائد لبناء استراتيجية "ما بعد النفط" مبكراً جداً، وتحديداً في دبي.
بيئة تنظيمية مرنة: أسست الدولة مناطق حرة تتيح التملك الأجنبي بنسبة 100%، وسنت قوانين وتشريعات مرنة تواكب العصر (مثل قوانين العمل الجديدة، والإقامات الذهبية طويلة الأمد).
اللوجستيات العالمية: تحولت موانئ مثل "جبل علي" ومطارات مثل "مطار دبي الدولي" إلى شرايين رئيسية للتجارة العالمية، لتربط الشرق بالغرب في شبكة لا تنام.
التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: استثمرت الدولة بشكل هائل في التكنولوجيا الاستباقية، ووضعت استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي لتصبح بيئة تجريبية (Sandbox) كبرى للشركات التقنية العالمية.
من هذا المنظور، نعم؛ الإمارات هي نموذج جاذب للاستثمارات العالمية بأعلى درجات الكفاءة.
ولكن، هل يتوقف الطموح هنا؟
ثانياً: الحداثة الثقافية... صناعة "القوة الناعمة" والانفتاح
هنا يكمن الجانب الأكثر عمقاً في التجارة الإماراتية. القيادة السياسية أدركت مبكراً أن الاقتصاد وحده، بدون حاضنة ثقافية واجتماعية منفتحة، لا يمكنه الصمود في عصر العولمة.
الاستثمار يحتاج إلى "بشر"، والبشر يحتاجون إلى بيئة تشعرهم بالأمان والحرية الشخصية والتنوع.
لذلك، قادت الإمارات ما يمكن تسميته بـ "هندسة التسامح والانفتاح":
العقد الاجتماعي والتنوع الديموجرافي:
تعيش في الإمارات أكثر من 200 جنسية وثقافة مختلفة. هذا التنوع لم يُترك للصدفة، بل تمت إدارته عبر قوانين صارمة تجرّم خطاب الكراهية والتمييز العنصري أو الديني، مما خلق بيئة "سلام مجتمعي" غير مسبوقة في الشرق الأوسط.
مأسسة التسامح والسلام: الإمارات هي الدولة الأولى التي استحدثت "وزارة للتسامح والتعايش". وتوّجت هذا النهج بحدث تاريخي تمثل في توقيع "وثيقة الأخوة الإنسانية" بين البابا فرنسيس وشيخ الأزهر أحمد الطيب في أبوظبي (2019)، والتي نتج عنها تأسيس "بيت العائلة الإبراهيمية" (الذي يضم مسجداً وكنيسة وكنيساً في مجمع واحد)، وهي رسالة سياسية وثقافية بالغة الدلالة على رغبة الدولة في قيادة تيار الاعتدال في المنطقة.
الحواضن الثقافية العالمية: الاستثمار في متاحف عالمية مثل "لوفر أبوظبي" ومتحف المستقبل، واستضافة معارض دولية كبرى مثل "إكسبو دبي"، والاهتمام بالفنون والآداب، كلها أدوات لنقل المجتمع من الاستهلاك الاقتصادي إلى الإنتاج والتفاعل الثقافي العالمي.
مفهوم الحداثة هنا: هي حداثة لا تقطع مع الموروث العربي والإسلامي، بل تحاول تصليحه وتقديمه بقالب متصالح مع قيم العصر، مثل تمكين المرأة، ودعم الابتكار، والانفتاح على الآخر.
ثالثاً: الجدلية والنقد... التحدي الحقيقي للنموذج
رغم هذه النجاحات، يواجه النموذج الإماراتي نقاشات نقدية من بعض الأكاديميين والمحللين الغربيين والعرب:
1 الموازنة بين الليبرالية الاقتصادية والمحافظة السياسية:
يرى البعض أن الانفتاح الثقافي والاقتصادي في الإمارات لا توازيه حركية سياسية بالمعنى الغربي (أحزاب، برلمانات بكامل الصلاحيات التشريعية)، بل يعتمد على نظام "حكم أبوي ذكي (رشيد)" (Smart Paternalism)، يقدم الكفاءة والرفاهية والأمن مقابل الاستقرار السياسي.
2 ثقافة الاستهلاك الفائق: يجادل نقاد بأن الحداثة في دبي أحياناً تميل إلى "المشهدية" (Spectacle) والاستهلاك. حيث تطغى المظاهر المادية والأبراج شاهقة الارتفاع على العمق المعرفي والثقافي الأصيل.
ومع ذلك، يرد المدافعون عن النموذج بأن "الأمن والرفاهية والتسامح" في منطقة احترقت بنيران الحروب الأهلية والأيديولوجيات المتطرفة، هي بحد ذاتها "مشروع حداثي إنساني" يستحق التقدير، وأن لكل منطقة سياقها التاريخي والاجتماعي الخاص الذي يحدد شكل حداثتها.
خلاصة: وجهان لعملة واحدة
في النهاية، لا يمكن الفصل بين الجاذبية الاستثمارية والانفتاح الثقافي في الإمارات؛ فهما وجهان لعملة واحدة.
الاستثمارات العالمية لا تتدفق إلى بيئة منغلقة أو متطرفة، وثقافة الانفتاح والسلام لا يمكن تمويلها واستدامتها بدون اقتصاد قوي ومرن.
الإمارات قدمت أطروحة عملية مفادها: "الاستقرار + الانفتاح الاقتصادي + التسامح الديني والاجتماعي = الازدهار".
إنها تجربة صاغت مفهوم الحداثة الخاص بها، ليس عبر تبني الليبرالية السياسية الغربية بحذافيرها، بل عبر تقديم نموذج "الدولة القوية الناجحة تنموياً"، التي توفر لمواطنيها والمقيمين فيها جودة حياة وأماناً وانفتاحاً إنسانياً فريداً في جغرافيتها المعقدة.
وهنا نصل إلى السؤال الجوهري والمحك الحقيقي لتقييم المآل النهائي لهذه التجربة: هل يمكن لدبي وأخواتها أن يتحولوا إلى مركز إشعاع تنويري وحداثي يترك أثراً مستداماً في محيطه الإقليمي، أم أن التجربة ستظل محصورة في إطار "التنمية الاقتصادية الصارمة" وتقديم الحد الأدنى من التسهيلات الثقافية والقانونية اللازمة لإدارة الأعمال واستقطاب المغتربين؟
أفق المستقبل: بين الإشعاع التنويري والحدود البراجماتية:
إن الإجابة عن هذا التساؤل ترتبط بمدى قدرة النموذج الإماراتي على الانتقال من مرحلة "استيراد الحداثة واستهلاكها"، إلى مرحلة "توطينها وإنتاجها معرفياً".
لا شك أن الإمارات نجحت في خلق "بيئة عازلة"، وسياجاً قانونياً مرناً، يمنح الفرد حريته الشخصية والاجتماعية الكاملة، وهو ما يمثل بيئة جاذبة ومبهرة لمن يأتي إليها من مجتمعات إقليمية مأزومة أو منغلقة.
لكن هذا النمط من "الحداثة الإجرائية" والمنضبطة بالقانون قد يظل في نظر البعض مجرد حزمة من التسهيلات الحياتية (Lifestyle الحداثي) المصممة لخدمة ماكينة الاقتصاد، ودون أن تتحول بالضرورة إلى حراك فكري وفلسفي ينتج تياراً تنويرياً شاملاً يعيد صياغة العقل العربي.
ومع ذلك، فإن قراءة الواقع بدقة تشير إلى أن هذا "الحد الأدنى" من الانفتاح والقانون يمتلك في أحشائه ديناميكية ذاتية للتأثير والعدوى الإيجابية في المحيط الإقليمي. فالإمارات، بتقديمها نموذجاً حياً وملموساً للدولة الناجحة المستقرة القائمة على العلمانية الإجرائية والتعددية، قد نسفت السرديات الشعاراتية والأيديولوجية المأزومة التي هيمنت على المنطقة لعقود. إنها تقدم "برهاناً عملياً" لجيرانها بأن الانفتاح والاعتلاء فوق الصراعات الطائفية والدينية هو الطريق الوحيد لبناء المستقبل، وهو ما نرى انعكاساته الواضحة اليوم في محاولات دول كبرى بالمنطقة لإعادة صياغة قوانينها واقتصاداتها ومجتمعاتها مقتفيةً أثر التجربة الإماراتية.
في المحصلة، قد لا تكون دبي وأخواتها مراكز لتوليد النظريات الفلسفية التنويرية بالمعنى التقليدي (كمدارس التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر)، لكنها تصيغ "تنويرياً واقعياً ومادياً" يتحدث لغة الأرقام، والإنجاز، وجودة الحياة، والتسامح المعيش المشهود يومياً.
إنها تجربة تثبت أن شروط الحداثة والتنمية لا تتجزأ. وأن فتح الأبواب أمام رأس المال العالمي يستدعي بالضرورة فتح العقول أمام قيم الاختلاف، والسلام، والإنسانية المشتركة.
وسواء اعتبرناها حداثة شاملة أو براغماتية اقتصادية، فإنها تظل حجر الزاوية الذي يحرك المياه الراكدة في الشرق الأوسط، ويدفع بقطار التحديث الإقليمي إلى الأمام.
#كمال_غبريال (هاشتاغ)
Kamal_Ghobrial#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟