تيسير حسن ادريس
الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 15:53
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المُبْتَدَأُ:
فِي مَراحِلِ ضَعْفِ الدَوْلَةِ وَفَشَلِها كَالَّتِي نَعِيشُها اليَوْمَ؛ تَزْدادُ الحاجَةُ إِلَى مَشارِيعِ تَغْيِيرٍ جِذْرِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، لِلخُرُوجِ مِنْ الأَزْمَةِ وَلَيْسَ إِلَى مَشارِيعَ إِصْلاحِيَّةٍ تَوْفِيقِيَّةٍ تُعِيدُ إِنْتاجَها مُجَدَّداً.
وَالخَبَرُ:
(1)
تَحْتَ وَطْأَةِ زِلْزالِ الحَرْبِ الَّتِي تَعْصِفُ بِالسُودانِ وَتُهَدِّدُ بِاِنْهِيارِ الدَوْلَةِ وَقْعَ جُزْءٍ مِن النُخْبَةِ السُودانِيَّةِ اليَسارِيَّةِ الَّتِي أَعادَت تَوْطِينَ نَفْسِها فِي دُوَلِ الغَرْبِ الرَأْسُمالِيِّ فِي أَحابِيلِ مَشارِيعَ إِصْلاحِيَّةٍ لا تَمُتُّ لِمَنْهَجِ التَحْلِيلِ الطَبَقِيِّ بِصِلَةٍ. حَيْثُ طَفَت عَلَى سَطْحِ فِكْرِ تِلْكَ النُخْبَةِ مُقارَباتٌ عَلَى حُسْنِ نَواياها لا تُقَدِّمُ حُلُولاً واقِعِيَّةً. فَفِي مِثْلِ هٰذه المُنْعَرَجاتِ التارِيخِيَّةِ الخَطِرَةِ كَالَّتِي تَمُرُّ بِها الدَوْلَةُ السُودانِيَّةُ، تَنْمُو عادَةً وَتَتَرَعْرَعُ أَفْكارٌ عُجُولَةٌ تَتَعَجَّلُ الخَلاصَ مِن الواقِعِ الآنِيِّ – واقِعُ الحَرْبِ-وَقَدْ لا تَدْرِي بِأَنَّهُ بِتِلْكَ العَجَلَةِ لا تُعالِجُ جُذُورَ الأَزْمَةِ بَلْ تَأَسَّسَ لِإِعادَةِ اِنْتِهاجِها مَرَّةً أُخْرَى.
(2)
هٰذِهِ النُخْبَةُ الَّتِي شَرَعَت فَجْأَةً فِي "نَقْدِ العُزْلَةِ" الحِزْبِيَّةِ، وَإِعْلانِ ضَرُورَةِ "تَجاوُزِ الأَسْوارِ الأيديولوجِيَّةِ"، عادَةً ما يَنْتَهِي الأَمْرُ بِأَفْرادِها عَلَى مِنَصّاتِ الفِكْرِ الإِصْلاحِيِّ التَسْوَوِيِّ. وَقَدْ ظَهَرَت مُؤَخَّراً نَماذِجُ مُكَثَّفَةٌ لِهٰذِهِ الظاهِرَةِ أَوْساطُ الشُيُوعِيِّينَ السُودانِيِّينَ. هٰذِهِ الظاهِرَةُ لَيْسَتْ سَطْحِيَّةً وَلا عابِرَةً بَلْ تَسْتَبْطِنُ عُمْقاً يَتَطَلَّبُ الوُقُوفَ عَلَى أَسْبابِهِ وَمُسَبِّباتِهِ بِالتَحْلِيلِ المادِّيِّ الجَدَلِيِّ الجادِّ، بَعِيداً عَنْ كَيْلِ الاِتِّهاماتِ وَالذَمِّ وَالقَدَحِ؛ خاصَّةً وَبَيْنَ تِلْكُمِ النُخْبَةُ كَوادِرُ شُيُوعِيَّةٌ لَها تارِيخٌ نِضالِيٌّ طَوِيلٌ يَصْعُبُ نُكْرانُهُ أَوْ القَفْزُ فَوْقَهُ.
(3)
هٰذِهِ الظاهِرَةُ لَيْسَت حِكايَةَ "اِنْحِرافٌ فِكْرِيٌّ"، فَرْدِيٌّ بَلْ هِيَ مَسْأَلَةٌ عُضْوِيَّةٌ مُرْتَبِطَةٌ بِضَغْطِ البِنْيَةِ الطَبَقِيَّةِ عَلَى المُثَقَّفِ الثَوْرِيِّ حِينَ يُغادِرُ قاعِدَتَهُ الجَماهِيرِيَّةَ وَيَحُلُّ مَحَلَّها الوَهْمُ بِدَوْرِ "وَساطَةِ النُخْبَةِ" مِن فَوْقِ مَنَصّاتٍ خارِجِيَّةٍ أَيّاً كانَت فِي نيروبي أَوْ لَنْدَن أَوْ واشِنْطُن. إِنَّ إِعادَةَ التَوْطِينِ فِي الخارِجِ يَبْدُو إِجْراءً بَسِيطاً ظاهِرِيّاً، لٰكِنَّ وِفْقَ التَحْلِيلِ المادِّيِّ الجَدَلِيِّ هُوَ قَطِيعَةٌ وُجَوْدِيَّةٌ مَعَ الأَرْضِيَّةِ الاِجْتِماعِيَّةِ لِلثَوْرَةِ.
(4)
حِينَ تَنْقَطِعُ جُذُورُ المُثَقَّفِ المارْكِسِيِّ عَن التُرْبَةِ الرَطْبَةِ لِلنِضالِ اليَوْمِيِّ لِلعُمّالِ وَالفَلّاحِينَ وَالنازِحِينَ، فَإِنَّهُ -فِي مُحاوَلَةٍ تَعْوِيضِيَّةٍ -يُعِيدُ زَرْعَ نَفْسِهِ فِي تُرْبَةٍ نَخْبَوِيَّةٍ جافَّةٍ، تُنْتِجُ وَعْياً نُخْبَوِيّاً إِصْلاحِيّاً مَهْما كانَت حُسْنُ نَواياهُ. وَهُنا لا بُدَّ مِن الإِشارَةِ إِلَى أَنَّ هٰذا المَصِيرَ لَيْسَ قَدْراً مَحْتُوماً وَمَكْتُوباً عَلَى كُلِّ مارْكِسِيٍّ أَعادَ تَوْطِينَ نَفْسِهِ بِالخارِجِ – كَثِيراً مِن الرِفاقِ يَظَلُّ مُتَماسِكاً وَمُحَصَّناً بِمَنْهَجِهِ المادِّيِّ الجَدَلِيِّ ضِدَّ هٰذا الاِنْحِرافِ-بَلْ تَتَداخَلُ عِدَّةُ عَوامِلَ وَأَسْبابٍ ذاتِيَّةٍ وَمَوْضُوعِيَّةٍ تُحِيطُ بِالفَرْدِ وَتَدْفَعُهُ نَحْوَ هٰذا التَمَوْضُعِ الجَدِيدِ المُناقِضِ لِمَنْهَجِهِ الفِكْرِيِّ وَتَرْبِيَتِهِ التَنْظِيمِيَّةِ.
(5)
يَصْعُبُ عَلَى المَرْءِ النَظَرُ إِلَى مَسْأَلَةِ "إِعادَةِ التَوْطِينِ" عَلَى أَنَّها ظاهِرَةٌ حِيادِيَّةٌ، فَهِيَ تَغْيِيرٌ حادٌّ لِعَلاقَةِ المُناضِلِ بِوَسائِلِ الإِنْتاجِ السِياسِيَّةِ. فَعِنْدَما يَنْتَقِلُ شُيُوعِيٌّ سُودانِيٌّ مِن حَيٍّ شَعْبِيٍّ فِي العاصِمَةِ أَوْ مِن بَلْدَةٍ مُهَمَّشَةٍ فِي أَصْقاعِ السُودانِ إِلَى شَقَّةٍ فِي ضاحِيَةٍ لَنْدَنِيَّةٍ هادِئَةٍ أَوْ غَيْرِها مِن مُدُنِ الغَرْبِ الرَأْسُمالِيِّ، فَإِنَّهُ لا يُغَيِّرُ عُنْوانَهُ فَقَطْ. إِنَّهُ يَدْخُلُ فِي عَلاقاتٍ اِجْتِماعِيَّةٍ جَدِيدَةٍ وَيَتَعامَلُ مَعَ دَوْلَةٍ راعِيَةٍ تَمْنَحُهُ إِقامَةً، وَقَدْ يَعْمَلُ فِي مُنَظَّمَةٍ أُمَمِيَّةٍ أَوْ مُؤَسَّسَةِ "مُجْتَمَعٌ مَدَنِيٍّ" مُمَوَّلَةٍ غَرْبِيّاً. هٰذِهِ العَلاقاتُ الجَدِيدَةُ تُنْتِجُ وَعْياً جَدِيداً، حَتَّى وَإِنْ ظَلَّ يُرَدِّدُ شِعاراتِ الماضِي، خاصَّةً إِذا ما تَمَلَّكَتْهُ فِي عُزْلَتِهِ أَحاسِيسُ وَمَشاعِرُ الاِسْتِعْلاءِ عَلَى حِزْبِهِ وَقِياداتِهِ مَفْتُوناً وَمَزْهُوّاً بِما تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ وَضْعٍ مادِّيٍّ وَمَعارِفَ عِلْمِيَّةٍ وَعَلاقاتِ وَصَلاتٍ جَدِيدَةٍ.
(6)
مِثْلُ هٰؤُلاءِ الرِفاقِ الَّذِينَ هَيْئَةً لَهُم "إِعادَةُ التَوْطِينِ" أَوْضاعٌ مَعِيشِيَّةٌ وَعَمَلِيَّةٌ مُرِيحَةٌ يَبْدَؤُونَ فِي سَماعِ أَصْواتٍ لَمْ يَكُونُوا يَسْمَعُونَها مِنْ قِبَلُ: أَصْواتُ مُوَظَّفِي الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ، مَمُولِي مَشارِيعِ "بِناءُ السَلامِ". هٰذِهِ الأَصْواتُ لا تَتَحَدَّثُ لُغَةَ "تَحْطِيمِ الدَوْلَةِ العَمِيقَةِ" وَلا "تغيير البنية الاقتصادية"، بَلْ تَتَحَدَّثُ لُغَةَ "إِدارَةِ الصِراعِ"، "التَسْوِيَةُ التارِيخِيَّةُ"، "الشَراكَةُ المَدَنِيَّةُ-العَسْكَرِيَّةُ". وَاللُغَةُ لَيْسَتْ مُحايِدَةً؛ أَنَّها حامِلٌ ثَقافِيٌّ تَحْمِلُ فِي داخِلِها عَلاقاتُ القُوَّةِ. وَالمُثَقَّفُ الثَوْرِيُّ الَّذِي يَفْقِدُ قاعِدَتَهُ يَبْدَأُ تَدْرِيجِيّاً فِي اِسْتِبْطانِ هٰذِهِ اللُغَةِ ظَنّاً مِنْهُ أَنَّها "لُغَةٌ واقِعِيَّةٌ" أَوْ "لُغَةُ تَجاوُزِ العُزْلَةِ" المُتَوَهِّمَةِ.
(7)
وَسُرْعانَ ما يَنْتَقِلُ مِثْلُ هٰؤُلاءِ الرِفاقِ تَحْتَ قُوَّةِ الضَغْطِ البِنْيَوِيِّ الجَدِيدِ مِن "نَقْدِ العُزْلَةِ" إِلَى "تَبْرِيرِ الاِنْدِماجِ" فِي بَرامِجَ وَمَشارِيعَ إِصْلاحِيَّةٍ لِتَغْدُوَ مَشارِيعُ التَغْيِيرِ الثَوْرِيَّةُ الجِذْرِيَّةُ -مِن وِجْهَةِ نَظَرِهِم-غَيْرَ واقِعِيَّةٍ وَمَحْضِ عُزْلَةٍ. المُثَقَّفُ المُهاجِرُ يُواجِهُ مُعْضِلَةً وَجُوْدِيَّةً، فَهُوَ لَمْ يَعُدْ قادِراً عَلَى المُشارَكَةِ فِي النِضالِ اليَوْمِيِّ المُباشِرِ (مُظاهَراتٌ، إِضْراباتٌ، عَمَلٌ تَنْظِيمِيٍّ سِرِّيٌّ). وَكُلُّ ما تَبَقَّى لَهُ هُوَ "النَشاطُ الرَمْزِيُّ": كِتابَةُ بَياناتٍ، حُضُورُ مُؤْتَمَراتٍ، لِقاءاتٌ نَخْبَوِيَّةٌ فِي فَنادِقِ الخَمْسَةِ نُجُومٍ.
(8)
هٰذا النَشاطُ الرَمْزِيُّ، لِكَيْ يَبْدُوَ "فاعِلاً"، يَحْتاجُ إِلَى جُمْهُورٍ وَشُرَكاءَ. وَمَنْ هُم الشُرَكاءُ المُتّاحُونَ فِي فَضاءِ المَنافِي؟ هُم بِالضَبْطِ أَحْزابُ الوَسَطِ اللِيبْرالِيِّ، أَصْحابُ المَشارِيعِ الإِصْلاحِيَّةِ الناعِمَةِ وَالخَشِنَةِ عَلَى حَدٍّ سِوَى وَمُمَثِّلِي البِعْثاتِ الدبلوماسِيَّةِ وَالمُنَظَّماتِ الدَوْلِيَّةِ. لا يُوجَدُ فِي مِنَصّاتِ فَنادِقِ الخارِجِ المُتْرَفَةِ عامِلٌ أَوْ فَلّاحٌ أَوْ نازِحٌ. وَمِنْ ثَمَّ، يَضْطَرُّ المُثَقَّفُ الثَوْرِيُّ لِلجُلُوسِ مَعَ مَنْ هُوَ مُتاحٌ، وَيَبْدَأُ تَدْرِيجِيّاً بِتَبْرِيرِ هٰذِهِ الجَلْسَةِ بِلُغَةِ "الضَرُوراتِ التَكْتِيكِيَّةِ الَّتِي تُبِيحُ المَحْظُوراتِ"، ثُمَّ بِلُغَةِ "تَجاوُزِ الجُمُودِ"، وَ "فَكُّ العُزْلَةِ" حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِ الحالُ إِلَى تَبَنِّي بَرامِجِ الشُرَكاءِ الجُدُدِ (وَقْفِ الحَرْبِ دُونَ مِساسٍ بِعَلاقاتِ الإِنْتاجِ وَالتَمَلُّكِ الَّتِي أَفْرَزَتْ هٰذِهِ الحَرْبَ) وَلا بَأْسَ أَنَّ غَلَفَ كُلِّ هٰذا الزَيْفِ بِبَعْضِ الشِعاراتِ اليَسارِيَّةِ المُتَبَقِّيَةِ فِي الذاكِرَةِ.
(9)
هٰذا بِالضَبْطِ ما يُفَسِّرُ جَدَلِيّاً بِـاِنْقِلابِ الكَمِّ إِلَى كَيْفَ، فَفِي حِينِ يُصْبِحُ حُضُورُ الاِجْتِماعاتِ النَخْبَوِيَّةِ هُوَ "كُلُ" النَشاطُ السِياسِيُّ المُتاحُ، فَإِنَّ مُحْتَوَى ذٰلِكَ النَشاطِ يَتَحَوَّلُ حَتْماً إِلَى نَخْبَوِيٍّ إِصْلاحِيٍّ. وَنَقْدُ "العُزْلَةِ" المُتَوَهِّمَةُ يُصْبِحُ هُنا أيديولوجِيَّةً لِإِنْكارِ هٰذا التَحَوُّلِ الدْراماتِيكِيِّ المُؤْسِفِ. وَتَنْطَلِقُ مِنْ بُعْدِ حَمَلاتِ اِتِّهامِ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ الَّذِي بَقِيَ فِي الداخِلِ (فِي الأَحْياءِ الشَعْبِيَّةِ وَتَكايا سَدِّ الرَمَقِ، تَحْتَ القَصْفِ) بِـ "العُزْلَةِ"!!، يا لَبُؤْسِ مُفارَقَةِ أَنْ يُتَّهَمَ مِن ما زالَ مُتَمَسِّكاً بِالعَمَلِ وَسَطَ الجَماهِيرِ عِوَضاً عَنْ التَفاوُضِ النَخْبَوِيِّ (بِالعُزْلَةِ).
(10)
مِن الواضِحِ أَنَّ "إِعادَةَ التَوْطِينِ" تُنْتِجُ وَعْياً تَوْفِيقِيّاً السَبَبَ لَيْسَ "ضَعْفَ إِرادَةِ" هٰؤُلاءِ الرفاق، بَلْ أَنَّ إِعادَةَ التَوْطِينِ عمليا تَجْعَلُ المَرْءَ رَهْناً لِشُرُوطِ المُضِيفِ الَّذِي قَدْ يَكُونُ شَرِيكاً مُباشِراً فِي الحَرْبِ عَلَى بِلادِهِ. كَيْفَ يُمْكِنُ لِمارْكِسِيٍّ أَنْ يُحَلِّلَ وَيَنْتَقِدَ الجُيُوشَ الَّتِي تُقْصِفُ بِالمَسِيراتِ أَحْياءَ عاصِمَتِهِ إِذا كانَ يَعِيشُ فِي كَنَفِ دَوْلَةٍ تَخُوضُ حُرُوباً بِالوَكالَةِ؟ الحَلُّ الأَسْهَلُ أَمامَهُ هُوَ "التَرْكِيزُ عَلَى التَوافُقِ المَدَنِيِّ" وَتَجَنُّبُ "التَحْلِيلاتِ الجُيُوسِياسِيَّةِ المَكْشُوفَةِ". وَهٰذا هُوَ بِالضَبْطِ ما يَفْعَلُهُ هٰؤُلاءِ الرِفاقُ فِي مُقارَباتِهِمْ الجَدِيدَةِ. تَسْمَعُهُمْ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ "أَوْلَوِيَّةِ وَقْفِ الحَرْبِ" كَعُنْوانٍ عابِرٍ فَوْقَ الطَبَقاتِ، وَلا يَتَحَدَّثُونَ أَبَداً عَمَّنْ يُمَوِّلُ الحَرْبَ وَمَنْ يَسْتَفِيدُ اِقْتِصادِيّاً مِنْ اِسْتِمْرارِها (شَرِكاتِ النَفْطِ، تُجّارِ السِلاحِ، أُمَراءِ الحَرْبِ). الصَمْتُ عَنْ هٰذِهِ القَضايا لَيْسَ سَهْواً، بَلْ هُوَ نَتِيجَةٌ طَبِيعِيَّةٌ لِمَوْقِعٍ اِجْتِماعِيٍّ جَدِيدٍ لَمْ يَعُدْ يَسْمَحُ بِنُطْقِ الحَقِيقَةِ كامِلَةً.
(11)
بَعْضٌ مِنْ هٰؤُلاءِ الرِفاقِ يَتَسَتَّرُونَ خَلْفَ لافِتاتٍ فِي مَرْحَلَةِ الِاِنْتِقالِ كَآلِيَّةٍ لِإِضْفاءِ الشَرْعِيَّةِ عَلَى التَحَوُّلِ تُتِيحُ لِصاحِبِها التَحَدُّثَ بِاِسْمِ "الْيَسارِ المُسْتَنِيرِ" دُونَ تَفْوِيضٍ حِزْبِيٍّ، وَدُونَ مُساءَلَةٍ مِنْ قاعِدَةٍ جَماهِيرِيَّةٍ. هٰذا هُوَ حُلْمُ كُلِّ مُثَقَّفٍ إِصْلاحِيٍّ: أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَصَّةٌ خاصَّةٌ بِهِ، لا يَخْضَعُ فِيها لِأَيِّ اِنْضِباطٍ جَماعِيٍّ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَظَلُّ يَحْتَفِظُ بِـ "المِصْداقِيَّةِ اليَسارِيَّةِ" الَّتِي اِكْتَسَبَها فِي فَتَرَاتِ نِضالِهِ السابِقَةِ.
(12)
المادِّيَّةُ الجَدَلِيَّةُ تُعْتَبَرُ هٰذا التَوَجُّهَ شَكْلاً جَدِيداً مِن أَشْكالِ المُثاقَفَةِ البُرْجُوازِيَّةِ الصَغِيرَةِ. فَالمُثَقَّفُ المارْكِسِيُّ الَّذِي فَقَدَ صِلَتَهُ العُضْوِيَّةَ بِالطَبَقَةِ العامِلَةِ وَأَضاعَ بِوَصْلَتِهِ الطَبَقِيَّةِ يُحاوِلُ أَنْ يُعَوِّضَ هٰذِهِ الخَسارَةَ بِـ "رَأْسِ مالٍ رَمْزِيٍّ" (مَجَلَّةً، مِنَصَّةً، مَقالاتٍ)، يَجْتَهِدُ أَنْ تَبْدُوَ مُسْتَقِلَّةً وَلٰكِنْ فِي واقِعِ الأَمْرِ يُصْبِحُ رَهْناً لِجِهاتِ التَمْوِيلِ وَالإِعْلامِ الَّتِي تَدْعَمُهُ وَتُنْشَرُ لَهُ. وَمَنْ يَقْرَأُ مُساهَماتِ هٰؤُلاءِ الرِفاقِ لَنْ يَجِدَ سِوَى حَدِيثٍ عامٍّ عَن "العَدالَةِ الاِجْتِماعِيَّةِ" وَ"حُقُوقِ الإِنْسانِ" وَلَنْ تَجِدَ ذَكَراً لِقَضايا تَأْمِيمِ المَصارِفِ أَوْ التَحْذِيرِ مِن مَصْيَدَةِ روشتة صُنْدُوقِ النَقْدِ. وَهٰذا لا يُمْكِنُ اِعْتِبارُهُ تَطَوُّراً فِكْرِيّاً، بَلْ هُوَ اِنْحِدارٌ مُؤْسِفٌ مِنْ المارْكِسِيَّةِ إِلَى أَخْلاقِيّاتٍ لِيبْرالِيَّةٍ، تُزَيِّنُها اِسْتِعاراتٌ ثَوْرِيَّةٌ تُعَرِّي وتكشف أَكْثَرَ مَنْ تخفي وتَسَتُّرٍ.
(13)
المُفارَقَةُ الكُبْرَى أَنْ يَتَّهِمَ هٰؤُلاءِ الرِفاقُ رفاقهم فِي الداخِلِ بِـ "العُزْلَةِ"، بَيْنَما هُمْ يُعانُونَ عُزْلَةً مُزْدَوِجَةً تَتَمَثَّلُ فِي عُزْلَةٍ مَكانِيَّةٍ (بَعِيداً عَن الجَماهِيرِ الَّتِي تَكْتَوِي بِنارِ الحَرْبِ وَالجُوعِ) وَعُزْلَةٍ طَبَقِيَّةٌ حَيْثُ (يَتَحاوَرُونَ مَعَ نَخْبٍ فِي فَنادِقَ مُحَصَّنَةٍ). الحِزْبُ الشُيُوعِيُّ السُودانِيُّ، رَغْمَ كُلِّ هَزائِمِهِ وَضَعْفِهِ، ما زالَت خَلاياهُ حَيَّةً تَنْشَطُ فِي أَحْياءِ المُدُنِ، وَتَجَمُّعاتِ الحِرْفِيَّيْنِ وَعُمّالِ اليَوْمِيَّةِ وَفِي مُخَيَّماتِ النازِحِينَ. هٰذِهِ الخَلايا قَدْ تَكُونُ مُنْهَكَةً، مُحاصَرَةً، جائِعَةً، لٰكِنَّها تُمَثِّلُ اِتِّصالاً عُضْوِيّاً حَقِيقِيّاً بِالجَماهِيرِ. أَمّا مِنَصّاتُ الخارِجِ فِي نيرُوبِي وَبَرْلِين وَغَيْرِهِما، فَتُمَثِّلُ العُزْلَةَ بِعَيْنِها (نَخْبِ تَحاوُرٍ نَخِبٍ عَنْ مَصِيرِ الشَعْبِ السُودانِيِّ دُونَ وُجُودٍ أَوْ تَمْثِيلٍ حَقِيقِيٍّ لِهٰذا الشَعْبِ.
(14)
المادِّيَّةُ الجَدَلِيَّةُ تَعَلَّمْنا أَنَّ الوُجُودَ يُحَدِّدُ الوَعْيَ. مَنْ يُعِيدُ تَوْطِينَ نَفْسِهِ فِي الخارِجِ، وَيَدْخُلُ فِي عَلاقاتٍ يَوْمِيَّةٍ مَعَ مُؤَسَّساتِ الغَرْبِ الرَأْسُمالِيَّةِ وَأَذْرُعِها المَحَلِّيَّةِ، لا يُمْكِنُهُ أَنْ يُنْتِجَ وَعْياً ثَوْرِيّاً، بِغَضِّ النَظَرِ عَنْ نَواياهُ الشَخْصِيَّةِ. إِنَّهُ مَحْكُومٌ بِأَنْ يُنْتِجَ وَعْياً إِصْلاحِيّاً، لِأَنَّ هٰذا الوَعْيَ هُوَ الَّذِي يَتَوافَقُ مَعَ وَضْعِهِ الاِجْتِماعِيِّ الجَدِيدِ. لَيْسَ عَيْباً أَنْ يَعْتَرِفَ المَرْءُ بِهٰذا، لٰكِنَّ العَيْبَ أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي التَحَدُّثِ بِاِسْمِ الثَوْرَةِ وَهُوَ يُمارِسُ الإِصْلاحِيَّةَ، وَأَنْ يَتَّهِمَ رِفاقَهُ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا وَيْلاتِ الحَرْبِ وَالتَهْجِيرِ وَالفَقْرَ بِـ "العُزْلَةِ" لِأَنَّهُ هُوَ اِخْتارَ مَنْفىً آمِناً.
(15)
وَالخُلاصَةُ المَرَّةَ تَهْمِسُ فِي أُذُنِ هٰؤُلاءِ الرِفاقِ مُناشَدَةً: إِذا أَرَدْتُمْ أَنْ تَبْقَوْا ثُوّاراً، فَاِلْزَمُوا ناصِيَةَ الجَماهِيرِ، وَاِصْطُلُوا بِجَحِيمِ واقِعِها. وَإِذا اُضْطُرِرْتُمْ لِلخُرُوجِ، وَهٰذا لَيْسَ جُرْماً أَوْ عَيْباً فَلا تُحَوِّلُوا مَنافِيَكُمْ إِلَى مِنَصّاتٍ تُرَوِّجُ لِأَوْهامِ التَسْوِياتِ الفَطِيرَةِ. مِن العَيْبِ اِتِّهامُ مَنْ بَقِيَ فِي النارِ وَسَطَ الجَماهِيرِ بِالعُزْلَةِ لِأَنَّكُمْ أَنْتُم مَنْ اِخْتارَ رَغْبَةً أَوْ قَسْراً الرُكُونَ إِلَى الظِلِّ. وَما جَرَى بِالأَمْسِ فِي نِيرُوبِي وَما سَيَجْرِي غَداً فِي أديس أبابا أو أَيِّ بُقْعَةٍ مِن بِقاعِ العالَمِ لَنْ يَكُونَ بِتَأْكِيدِ مَشْرُوعٍ وَطَنِيّاً لِإِنْقاذِ السُودانِ، بَلْ هِيَ مَحْضُ مَشارِيعَ دَوْلِيَّةٍ-إِقْلِيمِيَّةٍ تَنْشِدُ مَصالِحَها الَّتِي بِكُلِّ تَأْكِيدٍ خَصْماً عَلَى مَصالِحِ الشَعْبِ السُودانِيِّ وَ "هُبُوطاً ناعِماً" يُعِيدُ إِنْتاجَ ذاتِ النَخَبِ الَّتِي فَشِلَتْ فِي 2019 وَ2021. وَأَخِيراً نَحْنُ نَرْبَأُ بِكُمْ كَرِفاقٍ أَنْ تَتَحَوَّلُوا لِأَدَواتٍ لِتَجْمِيدِ الثَوْرَةِ بَدَلاً مِنْ تَأْجِيجِها.
تَيْسِيرُ حُسَن إِدْرِيسَ
25/05/2026م
#تيسير_حسن_ادريس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟