أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تيسير حسن ادريس - أَنْقاضُ الرَأْسِمالِيَّةِ .. نَظْرَةٌ فِي الصِراعِ الإِيرانِيِّ-الإِسْرائِيلِيِّ-الأَمْرِيكِيِّ















المزيد.....

أَنْقاضُ الرَأْسِمالِيَّةِ .. نَظْرَةٌ فِي الصِراعِ الإِيرانِيِّ-الإِسْرائِيلِيِّ-الأَمْرِيكِيِّ


تيسير حسن ادريس

الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 18:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المُبْتَدَأُ: -

فِي زَمَنٍ تَتَراصُّ فِيهِ الصَوارِيخُ عَلَى جانِبَيْ الحُدُودِ، وَتَتَساقَطُ فِيهِ المَجازِرُ كَأَرْقامٍ فِي نَشَراتِ الأَخْبارِ، يَظَلُّ السُؤالُ الأَكْثَرُ إِلْحاحاً هُوَ السُؤالُ الأَكْثَرُ تَجاهُلاً: لِماذا؟ لَيْسَ "لِماذا" الأَسْبابُ، بَلْ "لِماذا" البِنْيَوِيَّةُ الَّتِي تَجْعَلُ مِنْ الحَرْبِ قَدْراً مُتَجَدِّداً، وَمِنْ الدِماءِ ثَمَناً يُدْفَعُ بِاِنْتِظامٍ لِلحِفاظِ عَلَى نِظامٍ عالَمِيٍّ يَتَفَسَّخُ وَيَتَعَفَّنُ بِاِضْطِرادٍ.

وَالخَبَرُ: -

(1)
حِينَ نَقْرَأُ الخِطاباتِ الرَسْمِيَّةَ لِكُلٍّ مِنْ طَهْرانَ وَتَلِّ أَبِيبَ وَواشِنْطُن، نَجِدُها مُزْدَحِمَةً بِالشِعاراتِ وَالعَواطِفِ: كَرامَةٌ، أَمْنٌ، وُجُودٌ، دِينٌ. لكِنْ بِنَظْرَةٍ مادِّيَّةٍ جَدَلِيَّةٍ فاحِصَةٍ نَسْتَطِيعُ بِكُلِّ وُضُوحٍ النَظَرَ إِلَى ما وَراءَ الأَقْنِعَةِ. فَالصِراعُ الحالِيُّ، الَّذِي يَلْتَهِمُ جَنُوبَ لُبْنانَ وَقِطاعَ غَزَّةَ وَيُهَدِّدُ بِجَرِّ المِنْطَقَةِ إِلَى حَرْبٍ شامِلَةٍ، لَيْسَ صَدّام حَضاراتٍ كَما يَزْعُمُ صَمْوَئِيلُ هنتنغتون، وَلا هُوَ صِراعُ خَيْرٌ وَشَرٌّ كَما تُرَوِّجُ الدِعايَةُ الإِعْلامِيَّةُ لِطَرَفَيْهِ. إِنَّهُ، فِي جَوْهَرِهِ، أَزْمَةٌ بِنْيَوِيَّةٌ فِي النِظامِ الرَأْسِمالِيِّ العالَمِيِّ، تَبْحَثُ عَنْ مُتَنَفَّسٍ فِي دِماءِ البَشَرِ.

(2)
كُلُّ حَرْبٍ، وَفْقاً التَحْلِيلِ المادِّيِّ الجَدَلِيِّ، تَحْمِلُ فِي جَوْفِها سُؤالاً اِقْتِصادِيّاً خالِصاً. لَيْسَ لِأَنَّ السِياسِيِّينَ أَوْ العَسْكَرِيِّينَ يُخَطِّطُونَ وِفْقاً لِدَفاتِرِ الحِساباتِ فَقَطْ، بَلْ لِأَنَّ حَرَكَةَ رَأْسِ المالِ هِيَ الَّتِي تَرْسُمُ خَرائِطَ الصِراعِ. وَفِي هذِهِ الحَرْبِ، المَمَرّاتُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ طُرُقٍ. "مَمَرُّ الشَمالِ-الجَنُوبُ" الَّذِي يَرْبِطُ المُحِيطَ الهِنْدِيَّ بِرُوسْيا عَبْرَ إِيرانَ، هُوَ شِرْيانٌ أُوراسِيٌّ جَدِيدٌ يَتَحَدَّى قُرُوناً مِنْ الهَيْمَنَةِ البَحْرِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ. فِي المُقابِلِ، تَسْعَى إِسْرائِيلُ، الدَوْلَةُ الَّتِي حَوَّلَتْ نَفْسَها إِلَى شَرِكَةٍ تِقْنِيَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ عِمْلاقَةٍ، إِلَى فَرْضِ "مَمَرِّ الهِنْدِ-الشَرْقِ الأَوْسَطِ-أوروبا" كَبَدِيلٍ تَحْتَ إِمْرَةِ واشِنْطُن. ما يَبْدُو فِي الإِعْلامِ صِراعاً عَلَى النُفُوذِ، هُوَ فِي التَحْلِيلِ المادِّيِّ صِراعاً عَلَى مَنْ يَمْلِكُ حَقَّ تَقْرِيرِ مَسارِ فائِضِ القِيمَةِ فِي القَرْنِ الحادِي وَالعِشْرِينَ.

(3)
مِن هذا المُنْطَلَقِ فَالنَفْطُ وَالغازُ الإِيرانِيّانِ، اللَّذانِ يُحاوِلانِ اِقْتِحامَ الأَسْواقِ الأوروبِّيَّةِ، لَيْسا مُجَرَّدَ سِلَعٍ. هُما أَداةٌ لِتَحْرِيرِ القارَّةِ العَجُوزِ مِن التَبَعِيَّةِ لِلطاقَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ. وَلِهذا، فَإِنَّ ضَرْبَ البِنْيَةِ التَحْتِيَّةِ الإِيرانِيَّةِ أَوْ فَرْضَ عُقُوباتٍ خانِقَةٍ لَيْسَ عِقاباً عَلَى بَرْنامَجٍ نَوَوِيٍّ مُحْتَمَلٍ، بَلْ هُوَ حِمايَةٌ لِاِحْتِكارِ النَفْطِ الصَخْرِيِّ الأَمْرِيكِيِّ وَالغازِ الإِسْرائِيلِيِّ المُكْتَشَفِ حَدِيثاً فِي البَحْرِ المُتَوَسِّطِ. الحَرْبُ إِذَنْ، هِيَ شَكْلٌ مِنْ أَشْكالِ حِمايَةِ الاِحْتِكاراتِ. أَنَّها بكل بساطة ووضوح حَرْبٌ فائِضُ القِيمَةِ الَّذِي يَسِيلُ دَماً.

(4)
إِحْدَى أَذْكَى حِيَلِ الرَأْسُمالِيَّةِ المُعاصِرَةِ هِيَ أَنَّها عَلِمَت خُصُومَها كَيْفَ يُقاتِلُونَ مَجّاناً. المِيلِيشْياتُ فِي العِراقِ وَسُورْيا وَلُبْنانَ، وَالحُوثِيُّونَ فِي اليَمَنِ، وَحَماسُ فِي غَزَّةَ – كُلُّ هذِهِ القُوَى، الَّتِي تَتَّصِفُ بِدَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ مِن الأيديولوجيا وَالمَشْرُوعِيَّةِ الشَعْبِيَّةِ – صارَت فِي التَحْلِيلِ المادِّيِّ "عُمّالاً بِأَجْرٍ" فِي حُرُوبِ النُفُوذِ الكُبْرَى. إِيرانُ تُسْتَخْدَمُ هذِهِ الشَبَكَةَ لِتَوْسِيعِ دائِرَةِ نُفُوذِها بِتَكْلِفَةٍ أَقَلَّ مِن تَكْلِفَةِ جَيْشٍ نِظامِيٍّ، وَالوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ تَسْتَخْدَمُ إِسْرائِيلَ فِي القِتالِ نِيابَةً عَنها بَعْدَ أَنْ أَنْهَكَتْها حُرُوبُ أَفْغانِسْتانَ وَالعِراقِ مُسْتَغِلَّةً حالَةَ الهَلَعِ وَالرَغْبَةِ فِي الأَمانِ الوُجُودِيِّ الَّذِي تَعِيشُهُ مُنْذُ تَأْسِيسِها. النَتِيجَةُ: طَبَقَةٌ كامِلَةٌ مِنْ البَشَرِ، تَحَوَّلَتْ إِلَى سِلاحٍ. هؤُلاءِ المُقاتِلُونَ، الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنْ أَحْياءِ الفَقْرِ المُدْقِعِ فِي الضاحِيَةِ الجَنُوبِيَّةِ لِبَيْرُوتَ أَوْ صَنْعاءَ أَوْ مُخَيَّماتِ غَزَّةَ، يَدْفَعُونَ ثَمَناً لا تَدْفَعُهُ نُخَبُهُمْ السِياسِيَّةُ. إِنَّها ظاهِرَةُ "تَصْدِيرُ الصِراعِ الطَبَقِيِّ" إِلَى الجَبْهاتِ، حَيْثُ يَمُوتُ الفُقَراءُ دِفاعاً عَنْ مَصالِحَ لا تَزِيدُهُمْ إِلّا فَقْراً.

(5)
هكَذا نَصِلُ إِلَى المُفارَقَةِ الأَكْثَرِ سَواداً فِي المَنْطِقِ المادِّيِّ. الرَأْسُمالِيَّةُ، عِنْدَما تَدْخُلُ مَرْحَلَةُ أَزْمَةِ فائِضِ التَراكُمِ (أَيْ عِنْدَما يُصْبِحُ رَأْسُ المالِ مُتَراكِماً بِدَرَجَةٍ لا تَجِدُ لَهُ اِسْتِثْماراً مُرْبِحاً)، تَلْجَأُ إِلَى "الإِبْداعِ المُدَمِّرِ". الحَرْبُ هِيَ أَعْلَى أَشْكالِ هذا الإِبْداعِ. مِلْياراتُ الدُولاراتِ الَّتِي تُنْفِقُها أَمْرِيكا عَلَى دَعْمِ إِسْرائِيلَ، وَمِلْياراتٌ أُخْرَى تُنْفِقُها إِيرانُ عَلَى مِحْوَرِ المُقاوَمَةِ، لا تَذْهَبُ هَباءً. إِنَّها تَمْتَصُّ فائِضَ رَأْسِ المالِ، وَتُعِيدُ تَوْزِيعَهُ عَبْرَ عُقُودِ التَسْلِيحِ، وَإِعادَةِ الإِعْمارِ، وَالتَأْمِينِ، وَالنَقْلِ. عِنْدَما تَقْصِفُ غَزَّةُ ثُمَّ تُعادُ بِناؤُها، يَحْدُثُ ذلِكَ وِفْقَ عُقُودٍ لِشَرِكاتِ مُقاوَلاتٍ أَمْرِيكِيَّةٍ وَإِسْرائِيلِيَّةٍ وَإِماراتِيَّةٍ. عِنْدَما تُدَمِّرُ البُنَى التَحْتِيَّةُ اللُبْنانِيَّةُ، تُعادُ بِناؤُها بِتَمْوِيلٍ خَلِيجِيٍّ وَأوروبِّيٍّ وِفْقَ شُرُوطٍ سِياسِيَّةٍ جَدِيدَةٍ. الحَرْبُ إِذَنْ، هِيَ إِعادَةُ هَيْكَلَةٍ دَوْرِيَّةٍ لِلفَضاءِ الاِقْتِصادِيِّ.

(6)
لا تَقْتُلْ الحُرُوبَ البَشَرَ فَقَط، بَلْ تَقْتُلُ أَيْضاً الاِسْتِقْرارَ الطَبَقِيَّ. فِي إِسْرائِيلَ، كَشَفَت الحَرْبُ عَن شَرْخٍ عَمِيقٍ لا يُمْكِنُ رَأَبُهُ بَيْنَ بُرْجُوازِيَّةِ التَقانَةِ العالِيَةِ (الَّتِي تَرْتَبِطُ مَصالِحُها بِالسُوقِ العالَمِيِّ وَبَقاءِ تَلِّ أَبِيبَ عاصِمَةً لِلاِبْتِكارِ) وَالبُرْجُوازِيَّةُ القَوْمِيَّةِ-الدِينِيَّةِ (المُرْتَبِطَةُ بِالمَشْرُوعِ الاِسْتِيطانِيِّ وَالأَرْضِ). هذا الصِراعُ الداخِلِيُّ، الَّذِي اِنْفَجَرَ فِي شَوارِعِ تَلِّ أَبِيبَ قَبْلَ السابِعِ مِنْ أكتوبر، هُوَ صِراعٌ عَلَى كَيْفِيَّةِ إِعادَةِ إِنْتاجِ النِظامِ الرَأْسُمالِيِّ الإِسْرائِيلِيِّ: هَلْ عَبْرَ الاِنْدِماجُ فِي العَوْلَمَةِ، أَمْ عَبْرَ التَوَسُّعِ الاِسْتِيطانِيِّ المَعْزُولِ؟ أَمّا فِي إِيرانَ، فَالمَشْهَدُ مُخْتَلِفٌ لكِنَّ الجَوْهَرَ واحِدٌ. سَنَواتُ العُقُوباتِ وَالحَرْبِ حَوَّلَت "الحَرَسَ الثَوْرِيَّ" مِن مُؤَسَّسَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ إِلَى طَبَقَةٍ اِقْتِصادِيَّةٍ مُتَكامِلَةٍ. يُسَيْطِرُ الحَرَسُ اليَوْمَ عَلَى قِطاعاتِ النَفْطِ وَالغازِ وَالاِتِّصالاتِ وَالبِناءِ وَالمُقاوَلاتِ الكُبْرَى. الحَرْبُ هُنا، أَدَّتْ إِلَى تَأْمِيمِ فائِضِ القِيمَةِ لِصالِحِ الطَبَقَةِ العَسْكَرِيَّةِ-الاِقْتِصادِيَّةِ عَلَى حِسابِ القِطاعِ الخاصِّ المَدَنِيِّ. الطَبَقَةُ الوُسْطَى الإِيرانِيَّةُ، المُتَعَطِّشَةُ لِلاِنْفِتاحِ، تَدْفَعُ ثَمَنَ الصِراعِ عَبْرَ التَضَخُّمِ وَالغَلاءِ، بَيْنَما تَتَراكَمُ الثَرَواتُ فِي جُيُوبِ مَنْ يُدِيرُونَ الحَرْبَ.

(7)
واحِدَةٌ مِن أَكْثَرِ النَتائِجِ جُرْأَةً فِي التَحْلِيلِ المادِّيِّ، هِيَ أَنَّ الحَرْبَ الحالِيَّةَ تُثْبِتُ أَنَّ "الدَوْلَةَ القَوْمِيَّةَ" فِي الشَرْقِ الأَوْسَطِ أَصْبَحَت شَكْلاً هَشّاً يَتَآكَلُ مِن الداخِلِ وَالخارِجِ. السِيادَةُ الوَطَنِيَّةُ، ذلِكَ المَكْسَبُ التارِيخِيُّ لِلحَرَكاتِ التَحَرُّرِيَّةِ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ، صارَت اليَوْمَ مُجَرَّدَ واجِهَةٍ. فَلُبْنانُ اليَوْمَ لَيْسَ دَوْلَةً بِالمَعْنَى الكْلاسِيكِيِّ، بَلْ هُوَ ساحَةٌ لِإِيرانَ وَإِسْرائِيلُ وَأَمْرِيكا وَفَرَنْسا. كَذلِكَ العِراقُ، هُوَ مَسْرَحٌ لِلصِراعِ الإِيرانِيِّ-الأَمْرِيكِيِّ. وَسُورْيا، بَعْدَ عَقْدٍ مِنْ الحَرْبِ، صارَتْ مُقَسَّمَةً إِلَى مَناطِقِ نُفُوذٍ. هذا التَفَكُّكُ لَيْسَ عَفْوِيّاً، إِنَّهُ مَرْغُوبٌ فِيهِ مِنْ رَأْسِ المالِ العالَمِيِّ. فَالرَأْسُمالِيَّةُ تُفَضِّلُ التَعامُلَ مَعَ "كِياناتٍ مَرِنَة"، مَعَ مَناطِقَ اِقْتِصادِيَّةٍ خاصَّةٍ، مَعَ سُلُطاتٍ مَحَلِّيَّةٍ قابِلَةٍ لِلمُساوَمَةِ، بَدَلاً مِنْ دُوَلٍ قَوْمِيَّةٍ قَوِيَّةٍ يُمْكِنُها فَرْضُ سِياساتٍ وَطَنِيَّةٍ. الحَرْبُ إِذا هِيَ أَداةٌ لِتَفْكِيكِ ما تَبَقَّى مِنْ اِسْتِقْلالٍ وَطَنِيٍّ.

(8)
اِسْتِناداً عَلَى ما تَقَدَّمَ وَإِذا ما كانَت تِسْعِينِيّاتُ وَالفَنِّيّاتُ القَرْنُ الماضِي قَدْ شَهِدَت ذُرْوَةَ النَمُوذَجِ اللِيبِرالِيِّ الجَدِيدِ فِي الشَرْقِ الأَوْسَطِ، مَعَ وَهْمِ أَنَّ السُوقَ وَالدُمَقْرْطَةَ يُمْكِنُهُما فَرْضُ الاِسْتِقْرارِ، فَإِنَّ الحَرْبَ الحالِيَّةَ تُعْلِنُ فَشَلَ هذا النَمُوذَجِ. الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ، الَّتِي حاوَلَت لِعَقْدَيْنِ فُرِضَ مَشْرُوعَ "الشَرْقِ الأَوْسَطِ الجَدِيدِ"، تَجِدُ نَفْسَها اليَوْمَ مُضْطَرَّةً لِلتَعامُلِ مَعَ حَقائِقَ جَدِيدَةٍ: إِيرانُ لاعِبٌ إِقْلِيمِيٌّ لا يُمْكِنُ تَجاوُزُهُ، وَالمُقاوَمَةُ المُسَلَّحَةُ أَصْبَحَت عُنْصُراً بِنْيَوِيّاً فِي المُعادَلَةِ السِياسِيَّةِ، وَالدُوَلُ العَرَبِيَّةُ خاصَّةً الخَلِيجِيَّةَ لَمْ تَعُدْ قادِرَةً عَلَى شِراءِ الأَمْنِ بِالمالِ فَقَطْ. فِي المُقابِلِ، يُبْرِزُ نَمُوذَجَ "رَأْسُمالِيَّةِ الدَوْلَةِ" بِوَصْفِهِ البَدِيلِ. إِيرانُ، رَغْمَ كُلِّ العُقُوباتِ، اِسْتَطاعَتْ أَنْ تَبْنِيَ اِقْتِصاداً صامِداً (وَلَوْ عَلَى حِسابِ الرَفاهِ الشَعْبِيِّ) يَعْتَمِدُ عَلَى التَخْطِيطِ المَرْكَزِيِّ، وَالاِكْتِفاءِ الذاتِيِّ النِسْبِيِّ، وَالتَحالُفاتِ الاِسْتراتِيجِيَّةِ مَعَ الصِينِ وَرُوسْيا. هذا النَمُوذَجُ، الَّذِي يَخْلِطُ بَيْنَ التَأْمِيمِ العَسْكَرِيِّ وَالاِنْفِتاحِ عَلَى رَأْسِ المالِ الآسْيَوِيِّ، يُقَدِّمُ بَدِيلاً لِدُوَلِ المِنْطَقَةِ الَّتِي سَئِمَت الاِبْتِزازَ الغَرْبِيَّ.

(9)
أَحَدُ أَبْرَزِ نَتائِجِ هذِهِ الحَرْبِ هُوَ تَحَوُّلُ شَكْلِ الإِمْبِرْيالِيَّةِ. لَمْ تَعُدْ الإِمْبِرْيالِيَّةُ تَعْنِي بِالضَرُورَةِ دَبّاباتٍ أَمْرِيكِيَّةً تَجْتاحُ العَواصِمَ. لَقَدْ تَطَوَّرَتُ إِلَى شَكْلٍ أَكْثَرَ تَعْقِيداً: "الإِمْبِرْيالِيَّةُ التَعاقُدِيَّةُ". فَإِسْرائِيلُ اليَوْمَ، بِدَعْمٍ أَمْرِيكِيٍّ، لا تَحْتاجُ إِلَى اِحْتِلالِ القاهِرَةِ أَوْ الرِياضِ لِفَرْضِ إِرادَتِها؛ بَلْ تَكْتَفِي بِفَرْضِ "مُعادَلاتٍ أَمْنِيَّةٍ" تُجْبِرُ هذِهِ الدُوَلَ عَلَى التَطْبِيعِ الاِقْتِصادِيِّ، وَشِراءِ الغازِ، وَفَتْحِ المَجالِ الجَوِّيِّ، وَقَبُولِ دَوْرِها كَدَوْلَةٍ تابِعَةٍ فِي شَبَكَةِ الأَمْنِ الإِسْرائِيلِيَّةِ. بِالمُقابِلِ، إِيرانُ تُمارِسُ شَكْلاً مِنْ أَشْكالِ "الإِمْبِرْيالِيَّةِ المُضادَّةِ" عَبْرَ فَرْضِ مُعادَلاتٍ أَمْنِيَّةٍ مُضادَّةٍ تُجْبِرُ الدُوَلَ الأُخْرَى عَلَى القَبُولِ بِدَوْرِها كَلاعِبٍ رَئِيسِيٍّ فِي الطاقَةِ وَالتَسْلِيحِ. النَتِيجَةُ: تَقْسِيمُ المِنْطَقَةِ إِلَى مَناطِقِ نُفُوذٍ صارِمَةٍ، وَإِعادَةُ إِنْتاجِ المَنْطِقِ الكْلاسِيكِيِّ لِلصِراعِ الإِمْبِرْيالِيِّ الَّذِي ظَنَنّا أَنَّهُ اِنْتَهَى مَعَ اِنْتِهاءِ الحَرْبِ البارِدَةِ.

(10)
لكِنَّ التَحْلِيلَ المادِّيَّ لا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَهِيَ عِنْدَ حُدُودِ تَحْلِيلِ رَأْسِ المالِ وَحْدَهُ. الجَدَلِيَّةُ تَعَلَّمْنا أَنَّ كُلَّ نَقِيضٍ يَحْمِلُ فِي داخِلِهِ بِذْرَةَ نَقائِضِهِ. هذِهِ الحَرْبُ، الَّتِي أُنْتِجَتْ مَلايِينَ اللاجِئِينَ وَالنازِحِينَ، خَلَقَتْ ما يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ "جَيْشٌ اِحْتِياطِيٌّ هائِلٌ مِنْ العَمالَةِ" فِي المِنْطَقَةِ. هؤُلاءِ البَشَرُ، الَّذِينَ دَفَعَهُم القِتالُ إِلَى الخِيامِ فِي شَمالِ لُبْنانَ أَوْ جَنُوبِ سُورْيا أَوْ داخِلِ غَزَّةَ المُدَمِّرَةِ، هُم فِي التَحْلِيلِ المادِّيِّ "إِنْسانٌ فائِضٌ" فِي نِظامٍ يَحْتاجُ إِلَى عَمالَةٍ رَخِيصَةٍ لِإِعادَةِ البِناءِ. لكِنْ فِي الوَقْتِ ذاتِهِ، كَشَفَت الحَرْبُ عَن التَناقُضِ الأَعْمَقِ: التَناقُضُ بَيْنَ الطَبَقَةِ السِياسِيَّةِ الحاكِمَةِ (الَّتِي تَسْتَفِيدُ مِن اِسْتِمْرارِ الصِراعِ لِتَعْزِيزِ سَيْطَرَتِها) وَالجَماهِيرِ العامِلَةِ (الَّتِي تَدْفَعُ الثَمَنَ مِنْ أَجْسادِها وَأَحْلامِها). فِي إِسْرائِيلَ، خَرَجَت اِحْتِجاجاتٌ ضِدَّ التَجْنِيدِ الإِجْبارِيِّ لِلحَرِيدِيمِ قَبْلَ الحَرْبِ، وَبَعْدَ الحَرْبِ خَرَجَت اِحْتِجاجاتٌ ضِدَّ فَشَلِ القِيادَةِ فِي إِنْقاذِ الرَهائِنِ. فِي إِيرانَ، الاِنْتِفاضاتُ الشَعْبِيَّةُ المُتَتالِيَةُ كانَت تَعْبِيراً عَنْ اِسْتِنْفادِ الطَبَقَةِ الوُسْطَى وَالعُمّالِ. فِي العالَمِ العَرَبِيِّ، الغَضَبُ الشَعْبِيُّ المُتَصاعِدُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَعاطُفٍ مَعَ غَزَّةَ، بَلْ هُوَ إِعادَةُ اِكْتِشافٍ لِلوَعْيِ الطَبَقِيِّ: الوَعْيُ بِأَنَّ الحَرْبَ تَشُنُّ بِاِسْمِ الشُعُوبِ، وَتَدْفَعُ فاتُورَتَها مِنْ دِمائِها، فَحِينَ تَذْهَبُ أَرْباحُها إِلَى غَيْرِها.

(11)
فِي لُغَةِ الجَدَلِ، كُلُّ وَضْعٍ يَحْمِلُ نَقِيضَهُ، وَصِراعُهُما يُنْتِجُ تَرْكِيباً جَدِيداً. الوَضْعُ الراهِنُ فِي الشَرْقِ الأَوْسَطِ، الَّذِي تَأَسَّسَ بَعْدَ اِتِّفاقِيّاتِ أوسلو وَاِنْهِيارِ الاِتِّحادِ السوفياتِيِّ، دَخَلَ مَرْحَلَةَ النَفْيِ. كُلُّ الثَوابِتِ اِنْهارَتْ: ثابَتْ أَنَّ إِسْرائِيلَ لا تَهْزِمُ، ثابَتَ أَنَّ أَمْرِيكا هِيَ شُرْطِيُّ العالَمِ، ثابِتٌ أَنَّ المُقاوَمَةَ يُمْكِنُ اِحْتِواؤُها، ثابِتٌ أَنَّ الدُوَلَ العَرَبِيَّةَ سَتَبْقَى فِي دائِرَةِ التَبَعِيَّةِ الهادِئَةِ. هذِهِ الحَرْبُ، وِفْقَ نَظَرِ المادِّيَّةِ الجَدَلِيَّةِ، لَيْسَتْ نِهايَةُ التارِيخِ كَما تَخَيَّلَ فوكوياما، بَلْ هِيَ بِدايَةُ عَصْرٍ جَدِيدٍ مِنْ التَناقُضاتِ. عَصْرٌ تَتَعَدَّدُ فِيهِ أَقْطابُ الرَأْسُمالِيَّةِ، وَتَتَشَظَّى فِيهِ السِياداتُ، وَتَتَعَمَّقُ فِيهِ الفَجَواتُ الطَبَقِيَّةُ، وَيُصْبِحُ فِيها الإِنْسانُ العادِيُّ رَهِينَةً لِصِراعاتٍ لا يَدَ لَهُ فِيها وَلا قَرارَ. وَرَغْمَ ذلِكَ فَالمادِّيَّةُ الجَدَلِيَّةُ، لا تَتْرُكُنا نَهْبَ اليَأْسِ وَالقُنُوطِ. بَلْ تَعَلَّمْنا أَنَّ اللَحَظاتِ الأَكْثَرَ قَتامَةً فِي التارِيخِ هِيَ اللَحَظاتُ الَّتِي تَسْبِقُ الوِلادَةَ. إِنَّ اِسْتِمْرارَ الحَياةِ رَغْمَ القَصْفِ، وَتَشَبُّثَ الناسِ بِأَرْضِهِمْ رَغْمَ التَهْجِيرِ، وَرَفْضِ الجَماهِيرِ حَوْلَ العالَمِ لِأَنْ تَكُونَ مُجَرَّدَ وَقُودٍ لِلحُرُوبِ، كُلُّ ذلِكَ هُوَ بَذْرَةُ التَغْيِيرِ القادِمِ. فَفِي النِهايَةِ، الشَرْقُ الأَوْسَطُ لَنْ يَتَحَرَّرَ عِنْدَما يَنْتَصِرُ طَرَفٌ عَلَى آخَرَ، بَلْ عِنْدَما تَتَّحِدُ الطَبَقاتُ العامِلَةُ فِيهِ عَلَى ضِفَّتَيْ الحُدُودِ وَفِي كُلِّ الساحاتِ، لِتَقُولَ كَلِمَتُها الفَصْلُ: لا لِلحُرُوبِ الَّتِي تُمَوِّلُها اِحْتِكاراتُ السِلاحِ، وَلا لِلأَنْظِمَةِ الَّتِي تَبِيعُ الدِماءَ بِاِسْمِ الأيديولوجيا.



#تيسير_حسن_ادريس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جَدَلِيَّةُ -النَقاءِ الثَوْرِيِّ- والواقعية السِياسِيَّةِ-
- صَاحِبُ قَنَاةِ عَزَّامٍ وَالْعَرْضِيُّ بِرَّهُ الْحَلْقَةِ
- تَهافَتَ كودي وَصَنان بول بَعِيرِهِ
- النَخَبُ السُودانِيَّةُ المَصْلُوبَةُ عَلَى جِدارِ الثَرْثَر ...
- النَخَبُ السُودانِيَّةُ المَصْلُوبَةُ عَلَى جِدارِ الثَرْثَر ...
- الحَرْبُ مُنْعَطَفٌ تِكْتِيكِيٌّ أَمْ مُطَبٌّ دْيالِكْتِيكِي ...
- الحَرْبُ مُنْعَطَفٌ تِكْتِيكِيٌّ أَمْ مُطَبٌّ دْيالِكْتِيكِي ...
- الحَرْبُ مُنْعَطَفٌ تِكْتِيكِيٌّ أَمْ مُطَبٌّ دْيالِكْتِيكِي ...
- الحَرْبُ مُنْعَطَفٌ تِكْتِيكِيٌّ أَمْ مُطَبٌّ دْيالِكْتِيكِي ...
- الحَرْبُ مُنْعَطَفٌ تِكْتِيكِيٌّ أَمْ مُطَبٌّ دْيالِكْتِيكِي ...
- تعقيدات المشهد السوداني الماثل نظرة تحليلية 7/7 (7) تناقضات ...
- تعقيدات المشهد السوداني الماثل نظرة تحليلية 6/7 (6) خازوق ال ...
- تعقيدات المشهد السوداني الماثل نظرة تحليلية 5/7 (5) سلة غذاء ...
- تعقيدات المشهد السوداني الماثل نظرة تحليلية 4/7 (4) تحديات ا ...
- تعقيدات المشهد السوداني الماثل نظرة تحليلية 3/7 (3) ثورة 19د ...
- تعقيدات المشهد السوداني الماثل نظرة تحليلية 2/7 (2) التغيير ...
- تعقيدات المشهد السوداني الماثل نظرة تحليلية 1/7 (1) فلاش باك ...
- التحالفات المرحلية التحديات وديالكتيك الضرورة
- هل أسدل الستار وتمت مصادرة ثورة 19 ديسمبر ؟؟
- دروس وعبر في دفتر الثورة السودانية (2/2) تحالف عريض ام تنسيق ...


المزيد.....




- -الجيش الإسرائيلي سينهار من تلقاء نفسه-.. مصدر يكشف لـCNN عن ...
- ترامب يكشف كواليس قرار تمديد -مهلة منشآت الطاقة-: -إيران طلب ...
- ترامب يمدد مهلة استهداف محطات الطاقة الإيرانية حتى 6 أبريل
- سلمان رشدي في كتابه الجديد: الفن أقوى من الطغاة ويخيفهم
- فرنسا ترجح احتمال تقديم ?روسيا المساعدة لإيران في عملياتها ? ...
- فرنسا تقترح تشكيل بعثة دولية -دفاعية- لضمان حرية الملاحة
- هذا هو سيناريو انتهاء الحرب الذي تخشاه إسرائيل
- مجلس التعاون الخليجي: لن نبقى رهينة لسياسات إيران وسنوجد بدا ...
- مع تعميق التوغل الإسرائيلي.. كيف يدير حزب الله معركة الجنوب؟ ...
- مقتل جندي إسرائيلي خلال اشتباكات في جنوب لبنان


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تيسير حسن ادريس - أَنْقاضُ الرَأْسِمالِيَّةِ .. نَظْرَةٌ فِي الصِراعِ الإِيرانِيِّ-الإِسْرائِيلِيِّ-الأَمْرِيكِيِّ