تيسير حسن ادريس
الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 02:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المُبْتَدَأُ: -
تَعِيشُ مِنْطَقَةُ الشَرْقِ الأَوْسَطِ عُمُوماً وَمِنْطَقَةَ الخَلِيجِ عَلَى وَجْهِ الخُصُوصِ مَخاضاً عَسِيراً؛ بِاِنْدِلاعِ الحَرْبِ الأَمْرِيكِيَّةِ الإِسْرائِيلِيَّةِ عَلَى إِيرانَ؛ هِيَ مَرْحَلَةُ حَرِجَةِ حارَّةُ الأَنْفاسِ تَتَكَسَّرُ فِيها أَصْنامُ الاِسْتراتِيجِيَّةِ عَلَى وَقْعِ اِنْفِجاراتِ الحُرُوبِ.
وَالخَبَرُ: -
(1)
تَمُرُّ مِنْطَقَةُ الخَلِيجِ بِإِحْدَى أَكْثَرِ لَحَظاتِها جَدَلِيَّةً. فَما يَجْرِي بَيْنَ أَمْرِيكا وَإِسْرائِيلَ مِن ناحِيَةِ وَإِيرانَ مِن ناحِيَةٍ أُخْرَى؛ لَيْسَت مُجَرَّدَ حَرْبٍ تَقْلِيدِيَّةٍ تُخاضُ بِالصَوارِيخِ وَالطائِراتِ، بَلْ هِيَ إِعادَةُ تَشْكِيلٍ جِيُوسِياسِيَّةٌ عَمِيقَةٌ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ التَناقُضاتُ الكامِنَةُ إِلَى قُوىً دافِعَةٍ تُعَرِّي تَحالُفاتِ الأَمْسِ وَتَلْبَسُها ثِياباً جَدِيدَةً أَكْثَرَ شَفّافِيَّةً وَغَيْرَ مَأْلُوفَةٍ. نُحاوِلُ فِي هذا المَقالِ، مُقارَبَةَ هذِهِ التَحَوُّلاتِ مِن نِفاجِ المادِّيَّةِ الجَدَلِيَّةِ، لِنَرَى كَيْفَ تَتَدافَعُ قُوَى الإِنْتاجِ وَالصِراعِ عَلَى النَفْطِ وَالغازِ وَطُرُقِ المِلاحَةِ الدَوْلِيَّةِ، لِتُعِيدَ رَسْمَ عَلاقاتِ دُوَلِ الخَلِيجِ بِإِيرانَ مِنْ جِهَةٍ، وَأَمْرِيكا وَإِسْرائِيلَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.
(2)
لَمْ تَكُنْ الْعَلاقَاتُ الْخَلِيجِيَّةُ-الْإِيرَانِيَّةُ، عَبْرَ الْعُقُودِ الْمَاضِيَةِ، سِوَى صُورَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ مِنْ التَّوَتُّرَاتِ الْمُزْمِنَةِ؛ صِرَاعً عَلَى النُّفُوذِ فِي كُلٍّ مِنْ الْعِرَاقِ وَسُورْيَا وَالْيَمَنِ، وَتَنافُسَ عَلَى حُقُولِ الغازِ المُشْتَرَكَةِ، وَمُواجَهاتٍ غَيْرِ مُعْلَنَةٍ بِالوَكالَةِ. لكِنَّ الجَدَلَ الْمادِّيَّ يُعَلِّمُنا أَيْضاً أَنَّ كَمَّ التَناقُضاتِ الهائِلِ لا يَلْبَثُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى نَقِيضِهِ عِنْدَما تَتَغَيَّرُ اِشْتِراطاتُ الواقِعِ المادِّيِّ وَظُرُوفُهُ الذاتِيَّةُ وَالمَوْضُوعِيَّةُ.
(3)
مَعَ اِشْتِعالِ الحَرْبِ الحالِيَّةِ وَما سَبَقَها مِن حُرُوبٍ عَلَى غَزَّةَ وَلُبْنانَ وَسُورْيا وَاليَمَنِ، أَدْرَكَت النُخَبُ الخَلِيجِيَّةُ أَنَّ إِيرانَ لَيْسَت خَصْماً يُمْكِنُ تَجاوُزُهُ أَوْ هَزِيمَتُهُ، بَلْ هِيَ لاعِبٌ إِقْلِيمِيٌّ لا تَكْتَمِلُ مُعادَلَةُ الأَمْنِ الإِقْلِيمِيِّ دُونَ التَعامُلِ مَعَهُ. وَهُنا يَتَجَلَّى قانُونُ "نَفْيُ النَفْيِ" الجَدَلِيُّ: مِن العَداءِ كَقاعِدَةٍ، حاكِمَةٍ لِلعَلاقَةِ إِلَى تَقارُبٍ بِالضَرُورَةِ – وَلَوْ عَلَى مَضَضٍ-تَفْرِضُهُ الحُرُوبُ المُحْتَدِمَةُ. بَعْضُنا يَسْتَغْرِبُ مَوْقِفَ سَلْطَنَةِ عُمانَ المُتَفَهِّمِ لِلضَرَباتِ الإِيرانِيَّةِ عَلَى أَراضِيها؛ وَلكِنْ فِي اِعْتِقادِي أَنَّ قِيادَةَ السَلْطَنَةِ الحَكِيمَةِ تَنْظُرُ إِلَى مُجْمَلِ بانوراما الأَحْداثَ بِعَيْنٍ زَرْقاءِ اليَمامَةِ الاِسْتراتِيجِيِّ وَتَمْتَلِكُ بُوصْلَةً مادِّيَّةً جَدَلِيَّةً بالِغَةَ الدِقَّةِ وَالحَساسِيَّةِ.
(4)
المُفارَقَةُ أَنَّ الحَرْبَ الحالِيَّةَ الَّتِي تَشُنُّها أَمْرِيكا وَإِسْرائِيلُ عَلَى إِيرانَ وَالَّتِي كانَ يَخْشَى أَنْ تُوَسِّعَ دائِرَةَ المُواجَهَةِ بَيْنَ الخَلِيجِ وَإِيرانَ، سَتَكُونُ رَغْمَ جِراحَتِها المُحَفِّزِ الأَقْوَى لِاِلْتِقاءِ الطَرَفَيْنِ عَلَى طاوِلَةٍ واحِدَةٍ. فَالتَصْعِيدُ الإِسْرائِيلِيُّ المُتَوالِي فِي عُمْقِ الأَراضِي السُورِيَّةِ وَاللُبْنانِيَّةِ، وَالحَرْبِ الَّتِي اِنْدَلَعَت حالِيّاً وَأَدَّت إِلَى إِغْلاقِ مَضِيقِ هَرْمَز وَالتَهْدِيدِ بِإِغْلاقِ بابِ المَنْدَبِ مِن قِبَلِ إِيرانَ، جَعَلَت دُوَلَ الخَلِيجِ تُدْرِكُ أَنْ أَمْنَها الاِقْتِصادِيُّ – الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَى تَصْدِيرِ النَفْطِ وَالغازِ وَاِسْتِيرادِ السِلَعِ عَبْرَ مَمَرّاتٍ مائِيَّةٍ تُطِلُّ عَلَيْها إِيرانُ – باتَ مَرْهُوناً بِقُدْرَتِها عَلَى فَتْحِ قَنَواتِ اِتِّصالٍ وَتَعاوُنٍ مَعَ طَهْرانَ. وَمِنْ هذا البابِ يُمْكِنُ فَهْمُ طُولِ صَبْرِ دُوَلِ الخَلِيجِ عَلَى مَرارَةِ الضَرَباتِ وَالاِعْتِداءاتِ الإِيرانِيَّةِ عَلَى أَراضِيها خِلالَ هذِهِ الحَرْبِ.
(5)
نَتِيجَةً جَدَلِيَّةً مُدْهِشَةً سَتُزِيلُ عَنها النِقابَ وَتَكْشِفُها هذا الحَرْبُ الَّتِي كانَ يُعْتَقَدُ أَنَّها سَتُمَزِّقُ المِنْطَقَةَ، لَنْ تَلْبَثَ أَنْ تُسْهِمَ فِي إِنْجابِ أَسْرَعِ تَطْبِيعٍ خَلِيجِيٍّ-إِيرانِيٍّ غَيْرِ مَسْبُوقٍ. تَحَوَّلاتٌ مَلْمُوسَةٌ سَنَلْمِسُها مُباشَرَةً فِي اليَوْمِ التالِي لِلحَرْبِ: تَبادُلُ زِياراتٍ وِزارِيٍّ، تَوْقِيعُ اِتِّفاقِيّاتٍ أَمْنِيَّةٍ بَحْرِيَّةٍ، وَحَتَّى مَشارِيعَ لِرَبْطِ شَبَكاتِ الكَهْرُباءِ. هذِهِ لَيْسَت ضَرْباً مِن الأَحْلامِ الطُوباوِيَّةِ، بَلْ هِيَ نِتاجُ تَبَلْوُرِ وَعْيٍ خَلِيجِيٍّ جَدِيدٍ بِأَهَمِّيَّةِ قُدْراتِ إِيرانَ العَسْكَرِيَّةِ وَالاِقْتِصادِيَّةِ، وَبِحاجَةِ دُوَلِ الخَلِيجِ إِلَى تَنْوِيعِ شُرَكائِهِ الاِسْتراتِيجِيِّينَ بَعِيداً عَن الهَيْمَنَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ المُتَراجِعَةِ. عَلَى الجانِبِ الآخَرِ مِن المُعادَلَةِ، تَقِفُ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ الَّتِي كانَت لِعُقُودِ الدِرْعِ الحَدِيدِيِّ لِدُوَلِ الخَلِيجِ. الحَرْبُ الراهِنَةُ كَشَفَت تَراجُعاً مُزْدَوِجاً لِلقُوَّةِ الأَمْرِيكِيَّةِ: تَراجَعَ فِي القُدْرَةِ عَلَى رَدْعِ إِيرانَ وَوُكَلائِها، وَتَراجَعَ فِي الرَغْبَةِ الشَعْبِيَّةِ وَالسِياسِيَّةِ داخِلَ أَمْرِيكا نَفْسِها لِلاِنْخِراطِ فِي حُرُوبٍ إِقْلِيمِيَّةٍ.
(6)
هُنا يَتَجَلَّى تَناقُضٌ طَبَقِيّا جَدِيداً: النَخَبُ الحاكِمَةُ الخَلِيجِيَّةُ، الَّتِي تُدْرِكُ أَنَّ اِسْتِمْرارَ أَنْظِمَتِها مَرْهُونٌ بِالاِسْتِقْرارِ الاِقْتِصادِيِّ، تَجِدُ نَفْسَها مُضْطَرَّةً إِلَى إِعادَةِ تَعْرِيفِ عَلاقَتِها بِواشِنْطُن. لَمْ تَعُدْ أَمْرِيكا تُعْتَبَرُ حامِيَةً مَجّانِيَّةً؛ فَالشَراكَةُ الأَمْرِيكِيَّةُ باتَت تَتَطَلَّبُ ثَمَناً سِياسِيّاً وَاِقْتِصادِيّاً مُتَزايِداً، وَعَلَى رَأْسِها التَطْبِيعُ مَعَ إِسْرائِيلَ وَقَطْعِ الطَرِيقِ عَلَى أَيِّ تَقارُبٍ مَعَ الصِينِ. لكِنَّ الحَرْبَ الَّتِي لا يَزالُ يَشُنُّها الاِحْتِلالُ الإِسْرائِيلِيُّ عَلَى غَزَّةَ وَلُبْنانَ، وَالدَمارُ الهائِلُ الَّذِي تَفْضَحُهُ كاميراتُ القَنَواتِ الفَضائِيَّةِ، قَدْ أَحْدَثَ صَدْعاً فِي الوَعْيِ الشَعْبِيِّ العَرَبِيِّ. الشُعُوبُ لَمْ تَعُدْ تُقْبِلُ صَمْتَ أَنْظِمَتِها أَمامَ مَشاهِدِ الإِبادَةِ، مِمّا شَكَّلَ ضَغْطاً هائِلاً عَلَى صُنّاعِ القَرارِ.
(7)
وَفِي النَتِيجَةِ سَيَحْدُثُ تَحَوُّلٌ دْراماتِيكِيٌّ مُدْهِشٌ فِي عَلاقَةِ دُوَلِ المِنْطَقَةِ خاصَّةً الخَلِيجِيَّةَ مَعَ أَمْرِيكا مِن "وَلاءٍ مُطْلَّقٍ" إِلَى "شَراكَةٍ تَفاوُضِيَّةٍ مُتَوَتِّرَةٍ". دُوَلُ الخَلِيجِ بَعْدَ هذِهِ الحَرْبِ سَتُطالِبُ أَمْرِيكا بِمُقابِلٍ مَلْمُوسٍ: تكنولوجيا نَوَوِيَّةٌ سِلْمِيَّةٌ، أَنْظِمَةُ دِفاعٍ جَوِّيٍّ مُتَطَوِّرَةٌ، ضَماناتٌ أُمْنِيَّةٍ مَكْتُوبَةٍ. وَسَتَتَجَرَّأُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنْ تَقُولَ عَلَناً لِأَمْرِيكا: "إِنْ أَرَدْتَ بَقاءَنا فِي صَفِّكَ، فَلْتُقَدِّمِي لَنا ثَمَناً عادِلاً، فَالحَرْبُ لَمْ تَتْرُكْ لَنا رَفاهِيَةَ الوَلاءاتِ المَجّانِيَّةِ".
(8)
أَمّا العَلاقَةُ مَعَ إِسْرائِيلَ، فَتُمَثِّلُ أَبْرَزَ مُفارَقاتِ هذِهِ الحَرْبِ. قَبْلَ التَصْعِيدِ الحالِيِّ، كانَت مَسِيرَةُ التَطْبِيعِ تَسِيرُ بِخُطىً حَثِيثَةٍ: اِتِّفاقِيّاتُ أَبْراهام، زِياراتٌ عَلَنِيَّةٌ، تَعاوُنٌ اِقْتِصادِيٌّ وَأَمْنِيٌّ واسِعٌ ضِدَّ إِيرانَ. لكِنَّ الحَرْبَ غَيَّرَت كُلَّ شَيْءٍ. عَلَى المُسْتَوَى العَلَنِيِّ، لَمْ يَعُدْ بِإِمْكانِ أَيِّ نِظامٍ خَلِيجِيٍّ أَنْ يَظْهَرَ بِمَظْهَرِ المُتَعاوِنِ مَعَ دَوْلَةٍ قُصِفَت وَمازالَت الأَطْفالَ وَالنِساءُ فِي غَزَّةَ وَلُبْنانَ وَتَقَصُّفِ اليَوْمَ المُرافِقِ وَالأَعْيانِ المَدَنِيَّةِ الإِيرانِيَّةِ مِن مَدارِسِ وَمُسْتَشْفَياتٍ وَتُدَمِّرُ البِنْيَةِ التَحْتِيَّةَ وَالصِناعِيَّةَ لِلشَعْبِ الإِيرانِيِّ. الغَضَبُ الشَعْبِيُّ، الَّذِي لَمْ يَعُدْ مَحْصُوراً فِي أَرْوِقَةِ النَخَبِ، بَلْ تَدَفَّقَ إِلَى وَسائِلِ التَواصُلِ وَشَوارِعِ المُدُنِ، سَيَفْرِضُ عَلَى الحُكُوماتِ الخَلِيجِيَّةِ تَبَنِّي خِطاباً أَكْثَرَ حِدَّةً تُجاهَ إِسْرائِيلَ، بَلْ قَدْ يَدْفَعُ بَعْضٌ مِنْ تِلْكَ الحُكُوماتِ الَّتِي قَطَعَتْ شَوْطاً مُقَدَّراً فِي مَسارِ التَطْبِيعِ إِلَى تَجْمِيدِ أَيِّ خُطُواتٍ جَدِيدَةٍ فِي المَرْحَلَةِ المُقْبِلَةِ.
(9)
ما يَحْدُثُ اليَوْمَ فِي الخَلِيجِ لَيْسَ مُجَرَّدَ رُدُودِ فِعْلٍ آنِيَّةٍ، بَلْ هُوَ مَخاضٌ لِنِظامٍ إِقْلِيمِيٍّ جَدِيدٍ. الحَرْبُ تَعْمَلُ كَقُوَّةٍ دافِعَةٍ لِتَسْرِيعِ تَحَوُّلاتٍ كانَت كامِنَةً. يُمْكِنُ اِسْتِشْرافُ "تَرْكِيبٍ" مُحْتَمَلٍ يَخْرُجُ مِن هذا التَناقُضِ. هُناكَ إِمْكانِيَّةٌ لِلخَلِيجِ كَمَرْكَزٍ اِقْتِصادِيٍّ لِلاِسْتِقْلالِ تَدْرِيجِيّاً عَن الهَيْمَنَةِ الأُحادِيَّةِ، مُتَسَلِّحاً بِثَرْوَتِهِ السِيادِيَّةِ وَمَوْقِعِهِ الجُيُوسِياسِيَّةِ؛ كَما أَنَّ إِيرانَ كَقُوَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ إِقْلِيمِيَّةٍ لا يُمْكِنُ تَهْمِيشُها، شَرِيكَةً فِي الأَمْنِ البَحْرِيِّ وَالطاقَةِ رَغْمَ الخِلافاتِ السِياسِيَّةِ. بَيْنَما تَظَلُّ أَمْرِيكا كَحَلِيفٍ مُتَراجِعٍ لكِنَّهُ لا يَزالُ ضَرُورِيّاً، يَتَعامَلُ مَعَهُ وِفْقَ مُعادَلَةِ المَنْفَعَةِ المُتَبادَلَةِ لا التَبَعِيَّةِ العَمْياءِ. بَيْنَما يُطِلُّ المارِدُ الاِقْتِصادِيُّ الصِينِيُّ كَشَرِيكٍ تِجارِيٍّ صاعِدٍ يُعِيدُ تَعْرِيفَ عَلاقاتِ الإِنْتاجِ فِي المِنْطَقَةِ بِلا قَواعِدَ عَسْكَرِيَّةٍ أَوْ أيديولوجِيّاتٍ لِلتَصْدِيرِ. أَمّا إِسْرائِيلُ كَعَدُوٍّ مُعْلَنٍ وَشَرِيكٍ خَفِيٍّ سَتَعِيشُ حالَةً اِسْتِثْنائِيَّةً مِن العُزْلَةِ الإِقْلِيمِيَّةِ العَلَنِيَّةِ مُقابِلَ تَحالُفاتٍ اِسْتراتِيجِيَّةٍ سِرِّيَّةٍ مَعَ البَعْضِ.
(10)
فِي هذِهِ المَرْحَلَةِ المُعَقَّدَةِ الَّتِي تَتَشابَكُ فِيها نِيرانُ الحُرُوبِ مَعَ رَمادِ التَحالُفاتِ القَدِيمَةِ، تُثْبِتُ المادِّيَّةُ الجَدَلِيَّةُ مُجَدَّداً أَنَّ الأَزَماتِ لا تَقْتُلُ الأَنْظِمَةَ بَلْ تُعِيدُ تَرْتِيبَها. دُوَلُ الخَلِيجِ، الَّتِي كانَت تَرَى نَفْسَها ذاتَ يَوْمٍ فِي مُواجَهَةِ مِحْوَرِ إِيرانَ، تَجِدُ اليَوْمَ أَنَّ الحَرْبَ تَقَرَّرَ لَها مَصِيراً آخَرَ: التَعايُشُ المُضْطَرُّ، وَالمُفاوَضاتُ السِرِّيَّةُ، وَإِعادَةُ تَعْرِيفِ "الصَدِيقِ" وَ"العَدُوِّ" لَيْسَ عَلَى أَساسِ العَواطِفِ أَوْ الإيديولوجِيّاتِ، بَلْ عَلَى أَساسِ المَصالِحِ المادِّيَّةِ وَالبَقاءِ الجِيوسِياسِيِّ. سَيَخْرُجُ الخَلِيجُ مِنْ هذِهِ الحَرْبِ خَلِيجاً جَدِيداً لا يُشْبِهُ خَلِيجَ ما قَبْلَ الحَرْبِ. سَيَكُونُ أَكْثَرَ اِسْتِقْلالِيَّةً، أَكْثَرَ واقِعِيَّةً، وَأَكْثَرَ وَعْياً بِأَنَّ التَناقُضاتِ لا تَحِلُّ بِإِلْغاءِ الطَرَفِ الآخَرِ، بَلْ بِتَجاوُزِها إِلَى تَرْكِيبٍ أَعْلَى. وَالسُؤالُ الحاسِمُ الَّذِي تَتْرُكُهُ هذِهِ الجَدَلِيَّةُ مَفْتُوحاً: هَلْ يَمْتَلِكُ صُنّاعُ القَرارِ الخَلِيجِيِّينَ القُدْرَةَ عَلَى تَحْوِيلِ هذِهِ التَناقُضاتِ المُتَأَجِّجَةِ إِلَى طاقَةِ بِناءٍ، أَمْ سَتَلْحَقُهُمْ النِيرانُ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمُوا رَقْصَتَها؟
#تيسير_حسن_ادريس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟