تيسير حسن ادريس
الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 00:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المُبْتَدَأُ:
فِي مراحل ضَعْفِ الدَوْلَةِ وَفَشَلِها كَالَّتِي نَعِيشُها اليَوْمَ؛ تَزْدادُ الحاجَةُ إِلَى التَحْلِيلٍ المادي الطَبَقِيٍّ الدَقِيقٍ، للخروج من الأزمة وَلَيْسَ إِلَى أَساطِيرَ تَحَرُّرِيَّةٍ حالِمَةٍ.
وَالخَبَرُ:
(1)
تَحْتَ وَطْأَةِ زِلْزالِ الحَرْبِ الَّتِي تَعْصِفُ بِالسُودانِ وَتُهَدِّدُ بِاِنْهِيارِ الدَوْلَةِ وَقْعَ جُزْءٍ مُقَدَّرٍ مِن النُخْبَةِ السُودانِيَّةِ فِي أَحابِيلِ أَساطِيرَ تَحَرُّرِيَّةٍ حالِمَةٍ لا تَمُتُّ لِمَنْهَجِ التَحْلِيلِ الطَبَقِيِّ بِصِلَةٍ. حَيْثُ طَفَتْ عَلَى سَطْحِ أَدَبِنا السِياسِيِّ مُقارَباتٌ عَلَى حُسْنِ نَواياها لا تُقَدِّمُ حُلُولاً واقِعِيَّةً. فَفِي مِثْلِ هٰذا المُنْعَرَجاتِ التارِيخِيَّةِ الخَطِرَةِ كَالَّتِي تَمُرُّ بِها الدَوْلَةُ السُودانِيَّةُ، تَنْمُو عادَةً وَتَتَرَعْرَعُ أَساطِيرَ وَحِكاياتٍ مُغْرِيَةً تُبَشِّرُ بِالخَلاصِ عَلَى يَدِ ثُوّارٍ مِنْ الهامِشِ؛ وَتَكادُ تَجْزِمُ بِأَنَّ العُنْفَ وَحْدَهُ هُوَ السَبِيلُ لِوِلادَةِ دَوْلَةِ العَدْلِ وَالدِيمُقْراطِيَّةِ الجَدِيدَةِ، وَأَنَّ مَنْ يَحْمِلُ بُنْدُقِيَّةً فِي الصَحْراءِ أَوْ الغابَةِ هُوَ "الرِيفُ المُنْتَجُ" الَّذِي سَيَبْعَثُ دَوْلَةَ الحَقِّ مِنْ تَحْتِ رَمادِ دَوْلَةِ الظُلْمِ. مِثْلُ هٰذِهِ الشَطَحاتِ الفِكْرِيَّةِ لَيْسَتْ تَحْلِيلاً جَدَلِيّاً، وَلا رُواءً مَنْطِقِيَّةً يَعْتَدُّ بِها. بَلْ هِيَ مَحْضُ أَساطِيرَ وَفِنْتازْيا مُعاصِرَةٍ تَحْتاجُ إِلَى تَفْكِيكٍ.
(2)
فِي واقِعِ مِنْطَقَتِنا اليَوْمَ، وَمَعَ اِنْهِيارِ نَماذِجِ الدَوْلَةِ المَرْكَزِيَّةِ، يُبْرِزُ سُؤالٌ مِلْحٍ: مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ التَغْيِيرُ؟ الإِجابَةُ السَهْلَةُ وَالشائِعَةُ هِيَ: مِنْ الهامِشُ، مِنْ الرِيفِ، مِنْ المَناطِقِ الَّتِي طالَما تَآمَرَتْ عَلَيْها النَخَبُ وَالعَواصِمُ. هٰذِهِ الإِجابَةُ صَحِيحَةٌ فِي جَوْهَرِها، لٰكِنَّها تُصْبِحُ خَطَراً فَتّاكاً حِينَ تَحَوَّلَ إِلَى شِعارٍ يُقَدِّسُ أَيَّ قُوَّةٍ صاعِدَةٍ مِنْ الرِيفِ، لِمُجَرَّدِ أَنَّها تَهُزُّ أَرْكانَ المَرْكَزِ وَتُكَسِّرُ الأُطُرَ التَقْلِيدِيَّةَ. هٰذا المَقالُ هُوَ مُحاوَلَةٌ لِنَقْدِ هٰذِهِ "الرومانسِيَّةِ التَحَرُّرِيَّةِ" الجَدِيدَةِ، الَّتِي تَلْبَسُ ثَوْباً ثَوْرِيّاً مُزَيَّفاً، وَتُسَوِّغُ لِظُهُورِ أَشْكالٍ هَمَجِيَّةٍ مِنْ الرَأْسِمالِيَّةِ بِاِسْمِ "صُعُودِ الرِيفِ المُنْتَجِ".
(3)
فِي مقاربات وتَحْلِيلاتٍ كَثِيرَ من النخب السودانية نَرَى اليَوْمَ ثُنائِيَّةً مكررة: مَدِينَةٌ طُفَيْلِيَّةٌ، رِيفٌ/هامِشٌ مُنْتِجٌ. المَدِينَةُ هِيَ بِيرُوقْراطِيَّةٌ فاسِدَةٌ وَطَبَقَةٌ وُسُطَىً عاجِزَةٌ، وَالرِيفُ/الهامِشُ هُوَ مَخْزُونُ الحَياةِ وَالبَراءَةِ وَالقُوَّةِ المادِّيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ. هٰذِهِ الثُنائِيَّةُ فِيها شَيْءٌ مِنْ الصِحَّةِ، لٰكِنَّها تَكْذِبُ حِينَ تَصِلُ إِلَى النُقْطَةِ الجَوْهَرِيَّةِ: مَنْ هُوَ الرِيفُ/الهامِشُ حَقّاً؟ فَالرِيفُ أَوْ الهامِشُ لَيْسَ كُتْلَةً واحِدَةً مِنْ الفَلّاحِينَ الأَتْقِياءِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ المَحْصُولَ عَلَى أَكْتافِهِمْ وَيَنْتَظِرُونَ دَوْلَةَ العَدْلِ. الرِيفُ أَوْ الهامِشُ فِي حَقِيقَتِهِ هُوَ ساحَةَ صِراعٍ طَبَقِيٍّ عَنِيفٍ وَمُحْتَدِمٌ بَيْنَ: الفَلّاحِ الفَقِيرِ الَّذِي يَدْفَعُ إِيجارَ الأَرْضِ نِصْفَ المَحْصُولِ؛ وَالراعِي الَّذِي يَفْقِدُ مَواشِيَهُ لِصالِحِ مَلِيشْيا القَبِيلَةِ المُسَلَّحَةِ؛ وَالبُرْجُوازِيِّ الرِيفِيِّ الَّذِي يَجْمَعُ مِئاتِ الهِكْتاراتِ وَيَسْتَأْجِرُ العُمّالَ بِأَقَلِّ الأُجُورِ؛ وَأَيْضاً المِلِيشْياوِي الَّذِي يُسَيْطِرُ عَلَى مَناجِمِ الذَهَبِ بِالبُنْدُقِيَّةِ، وَيُجَنِّدُ الأَطْفالَ بِاِسْمِ "القَبِيلَةِ". عِنْدَما يَتَحَدَّثُ البَعْضُ عَنْ "صُعُودِ الرِيفِ المُنْتَجِ" وَيَضَعُونَ فِي هٰذِهِ المَقُولَةِ قائِدَ مِلِيشْيا يَنْهَبُ الثَرَواتِ وَيَحْرِقُ القُرَى، فَإِنَّهُمْ لا يَكْتُبُونَ تَحْلِيلاً جدليا، بَلْ يُمارِسُونَ تَضْلِيلاً طَبَقِيّاً خَطِيراً وَتَغْبِيشاً لِلوَعْيِ مقصود وغَيْرِ رَحِيمٍ.
(4)
رُبَّما يَقُولُ قائِلاً: "لٰكِنَّ هٰذِهِ القُوَى الجَدِيدَةَ تُمَثِّلُ تَحَوُّلاً مِن اِقْتِصادِ الوَلاءِ إِلَى اِقْتِصادِ الفِعْلِ، مِن الرَيْعِ التَقْلِيدِيِّ إِلَى الرَأْسُمالِيَّةِ المُنْتِجَةِ". وَلٰكِنْ إِذا ما تَسْأَلُنا لِفَحْصِ هٰذِهِ الدَعاوَى ما هِيَ "الرَأْسُمالِيَّةُ المُنْتِجَةُ" فِي سِياقِ الهامِشِ المُسَلَّحِ فِي السُودانِ اليَوْمَ؟ نَجِدُ أَنَّها لَمْ تَسْتَصْلِحْ أَرْضاً أَوْ تَبْنِيَ مَصْنَعاً أَوْ تُوَفِّرَ خَدَماتٍ صِحِّيَّةً وَتَعْلِيمِيَّةً. بِالعَكْسِ تَماماً أَنَّها نَهَبَت المَوارِدَ الطَبِيعِيَّةَ (الذَهَبَ، الصَمْغَ العَرَبِيَّ وَالخَشَبَ وَغَيْرَها) دُونَ أَيِّ قِيمَةٍ مُضافَةٍ مَحَلِّيَّةٍ. سَيْطَرَتْ عَلَى طُرُقِ التَهْرِيبِ وَمارَسَتْ اِبْتِزازَ القَوافِلِ وَالتُجّارِ. تاجَرَت بِالبَشَرِ تَحْتَ مُسَمَّياتِ "الرَقِيقِ المُعاصِرِ" أَوْ "المُقاتِلِينَ الأَطْفالِ". وَأُسَّسَت لِعَلاقاتٍ تَبَعِيَّةٍ مَعَ الإِمْبِرْيالِيَّةِ حَيْثُ تَتَدَفَّقُ الأَسْلِحَةُ وَالمالُ مِن الخارِجِ مُقابِلَ تَأْمِينِ المَصالِحِ. هٰذِهِ لَيْسَتْ رَأْسَمالِيَّةً مُنْتِجَةً، بَلْ هِيَ تَراكُمٌ بِدائِيٍّ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ. إِنَّها تُعِيدُ إِنْتاجَ ما وَصَفَهُ مارْكْس بِـ "الرَأْسُمالِيَّةِ الَّتِي تَنْزِلُ مِنْ السَماءِ بِالدَمِ وَالنارِ"، لٰكِنَّ هٰذِهِ المَرَّةَ بِثَوْبٍ سُودانِيٍّ.
(5)
أَكْثَرُ ما يَلْفِتُ الاِنْتِباهَ فِي الخِطاباتِ الَّتِي تُمَجِّدُ "صُعُودَ الهامِشِ" هُوَ الغِيابُ التامُّ لِلإِمْبِرْيالِيَّةِ مِنْ المُعادَلَةِ. كَأَنَّ الصِراعَ يَحْدُثُ داخِلَ دَوْرَقٍ مُخْبِرِيٍّ، أَوْ كَأَنَّ الهامِشَ المُسَلَّحَ "يَنْتَصِرُ" عَلَى المَرْكَزِ ثُمَّ "يَبْنِي دَوْلَتَهُ العادِلَةَ" مُسْتَقِلّاً عَنْ النِظامِ العالَمِيِّ الإِمْبِرْيالِيِّ. هٰذا وَهْمٌ خَطِيرٌ؛ فَكُلُّ مِلِيشْيا صاعِدَةٌ فِي مِنْطَقَتِنا كَمْلِيشْيا "الجنجاويد" اليَوْمَ لَها ظَهِيرٌ إِمْبِرْيالِيٌّ -أَصِيلٌ أَوْ وَكِيلٌ-يُرْفِدُها بِالأَسْلِحَةِ وَالتَمْوِيلِ وَيُفْتَحُ أَمامَها الأَسْواقُ العالَمِيَّةَ بِلا حُدُودٍ لِبَيْعِ مَوارِدِ الشُعُوبِ السُودانِيَّةِ المَنْهُوبَةِ بِقُوَّةِ السِلاحِ؛ بِغِطاءٍ سِياسِيٍّ وَإِعْلامِيٍّ فِي المَحافِلِ الدَوْلِيَّةِ.
(6)
إِذا ما يُسَمَّى بِـ "رَأْسُمالِيَّةِ الهامِشِ الصاعِدَةِ" هِيَ فِي حَقِيقَةِ الأَمْرِ لَيْسَت إِلّا بُرْجُوازِيَّةَ كُومْبْرادُورِيَّةً جَدِيدَةً، تَخُونُ وَطَنَها وَتَتَوَسَّطُ لِنَهْبِهِ مُقَدَّراتِهِ وَثَرَواتِهِ بِاِسْمِ "التَحَرُّرِ"، وَتَعْمَلُ عَلَى تَفْكِيكِ الدَوْلَةِ المَوْرُوثَةِ "دَوْلَةُ 56" لَيْسَ لِبِناءِ دَوْلَةِ العَدْلِ وَالدِيمُقْراطِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ الأَفْضَلِ كَما تَدَّعِي، بَلْ لِإِقامَةِ شَكْلٍ أَكْثَرَ بِدائِيَّةٍ مِن الاِسْتِغْلالِ: اِسْتِغْلالٌ قائِمٌ عَلَى قانُونِ الغابِ القَبَلِيِّ وَالعَشائِرِيِّ ، بِلا ضَوابِطَ، وَبِلا أَخْلاقٍ؛ يُدَمِّرُ الحاضِرَ؛ وَيَسُدُّ آفاقَ المُسْتَقْبَلِ أَمامَ الأَجْيالِ القادِمَةِ وَيُصِيبُ الأُمَّةَ السُودانِيَّةَ بِرَدَّةٍ حَضارِيَّةٍ مُرَوِّعَةٍ.
(7)
السُؤالُ المِحْوَرِيُّ الَّذِي لا تُجِيبُ عَنهُ سَرْدِيَّةُ الرومانسِيَّةِ التَحَرُّرِيَّةُ هُوَ: ما هِيَ قاعِدَةُ التَأْسِيسِ الجَماهِيرِيَّةُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْها قَواعِدُ هٰذا المَشْرُوعِ التَحَرُّرِيِّ المُتَخَيِّلِ؟ هٰذا إِذا ما اِتَّفَقْنا عَلَى أَنَّ قاعِدَةَ التَحَرُّرِ الوَطَنِيِّ الحَقِيقِيَّةِ لَيْسَت هِيَ "الأَكْثَرُ عُنْفاً" أَوْ "الأَكْثَرُ تَهْمِيشاً" أَوْ "الأَكْثَرُ قُدْرَةً عَلَى هَزِّ المَرْكَزِ". بَلْ هِيَ حَسَبَ التَحْلِيلِ المادِّيِّ الطَبَقِيِّ: العامِلِ الَّذِي يَبِيعُ جُهْدَهُ وَعِرْقَهُ 12 ساعَةً يَوْمِيّاً بِأَجْرٍ لا يَكْفِي لُقْمَةَ العَيْشِ وَالفَلّاحِ الَّذِي يَزْرَعُ الأَرْضَ وَلا يَمْلِكُها، وَيَحْصُدُ المَحْصُولَ وَلا يُحَدِّدُ ثَمَنَهُ وَالراعِيَ الَّذِي يَفْقِدُ مَواشِيَهُ لِصالِحِ الجَفافِ أَوْ المِلِيشْياتِ أَوْ سِياساتِ التَجْوِيعِ وَالمُعَلِّمِ الَّذِي لَمْ يَقْبِضْ راتِبَهُ مُنْذُ شُهُورٍ وَيُعَلِّمُ أَبْناءَ الفُقَراءِ مَجّاناً وَخِرِّيجَ الجامِعَةِ العاطِلِ الَّذِي يَحْمِلُ شَهادَةً بِلا قِيمَةٍ فِي سُوقِ النَهْبِ. هٰؤُلاءِ هُمْ "القاعِدَةُ" الجَماهِيرِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ. وَهُمْ مَوْجُودُونَ فِي الرِيفِ وَالمَدِينَةِ مَعاً. وَهُمْ لَيْسُوا مُسَلَّحِينَ، وَلا "جَذّابِينَ إِعْلامِيّاً". إِنَّهُمْ يُعانُونَ بِصَمْتٍ، وَيَنْتَظِرُونَ تَنْظِيماً ثَوْرِيّاً يَمْنَحُهُمْ صَوْتاً، لا مِلِيشْيا تَسْتَعْبِدُهُمْ بِاِسْمِ "الهامِشِ".
(8)
الدَعْوَةُ إِلَى "دَوْلَةٍ تُبْنَى مِن أَسْفَلَ" أَوْ "دَوْلَةِ المُجْتَمَعِ المُنْتَجِ" هِيَ دَعْوَةٌ مَطْلُوبَةٌ وَلا غُبارَ عَلَيْها. لٰكِنَّ السُؤالَ الَّذِي يَجِبُ الإِجابَةُ عَلَيْهِ بِكُلِّ شَفّافِيَّةٍ: بِأَيِّ أَدَواتٍ تُبْنَى هٰذِهِ الدَوْلَةُ؟ أَظُنُّ أَنَّهُ مِن الخَطَأِ الظَنُّ بِإِمْكانِيَّةِ بِنائِها عَلَى ظُهُورِ مِلِيشْياتٍ مُسَلَّحَةٍ هَدَفُها الأَوَّلُ هُوَ السَيْطَرَةُ عَلَى مَناجِمِ الذَهَبِ وَطُرُقِ التَهْرِيبِ وَعَلَى اِقْتِصادٍ غَيْرِ رَسْمِيٍّ قائِمٍ عَلَى الرَشْوَةِ وَالتَهْرِيبِ وَالعُنْفِ وَعَلَى عَلاقاتٍ تَبَعِيَّةٍ مَشْبُوهَةٍ بِالإِمْبِرْيالِيَّةِ العالَمِيَّةِ وَأَذْنابِها فِي المِنْطَقَةِ الَّتِي تُمَوِّلُ هٰذا العُنْفَ المُنْفَلِتَ وَتَرْعاهُ.
(9)
الدَوْلَةُ الَّتِي تَسْتَحِقُّ اِسْمَ "دَوْلَةِ المُجْتَمَعِ المُنْتَجِ" لا تُبْنَى إِلّا عَلَى أَساسٍ: تَحالُفِ الطَبَقاتِ الكادِحَةِ مِن فَلّاحِينَ فُقَراءَ وَعُمّالِ زِراعِيِّينَ وَبروليتاريا حَضَرِيَّةً وَبُرْجُوازِيَّةً صَغِيرَةً مُخْلِصَةً لِقَضايا الجَماهِيرِ. وَلا تَأَسَّسَ إِلّا عَلَى قَواعِدِ أَهَمِّها كَسْرُ عَلاقاتِ التَبَعِيَّةِ الإِمْبِرْيالِيَّةِ وَاِسْتِعادَةِ المَوارِدِ الوَطَنِيَّةِ لِخِدْمَةِ التَنْمِيَةِ. وَدَمَقْرِطَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَلَيْسَت شَكْلِيَّةً تَبْدَأُ مِنْ المَجالِسِ المَحَلِّيَّةِ المُنْتَخَبَةِ، وَلَيْسَ مِنْ "زَعاماتِ القَبِيلَةِ" أَوْ "قِياداتِ البُنْدُقِيَّةِ". وَأَخِيراً دَوْلَةُ المُجْتَمَعِ المُنْتِجِ لا بُدَّ أَنْ تُبْنَى عَلَى تَحَوُّلٍ إِنْتاجِيٍّ حَقِيقِيٍّ يُنْهِي مُعْضِلَةَ اِسْتِخْراجِ المَوادِّ الخامِّ وَتَصْدِيرِها دُونَ تَصْنِيعٍ، وَيُوَفِّرُ فُرَصَ عَمَلٍ حَقِيقِيَّةٍ.
(10)
إِنَّ ما يَحْدُثُ فِي السُودانِ اليَوْمَ لَيْسَ "ثَوْرَةَ الهامِشِ المُنْتَجِ" ضِدَّ "دَوْلَةِ المَدِينَةِ الطُفَيْلِيَّةِ". إِنَّ ما يَحْدُثُ، فِي جَوْهَرِهِ، لا يَتَعَدَّى صِراعٌ بائِسٌ بَيْنَ طُفَيْلِيّاتٍ قَدِيمَةٍ وَأُخْرَى جَدِيدَةٍ عَلَى مَنْ يَسْتَأْثِرُ بِنَهَبِ ما تَبَقَّى مِنْ خَيْراتِ الوَطَنِ. وَالمُنْتِجُ الحَقِيقِيُّ – الفَلّاحُ، الراعِي، العامِلُ، المُعَلِّمُ – يَظَلُّ يَدْفَعُ الثَمَنَ فِي جَمِيعِ الأَحْوالِ. لَقَدْ دَفَعَهُ بِالأَمْسِ عِنْدَما كانَ "شَيْخُ هِلالٍ" يُسَيْطِرُ، وَيَدْفَعُهُ اليَوْمَ فِي ظِلِّ سَيْطَرَةِ "حَمِيدَتِي"، وَسَيَدْفَعُهُ غَداً إِذا ما ظَلَّ نَفْسُ هٰذا الوَعْيِ الزائِفِ سائِداً لَوْ سَيْطَرَ أَيُّ نَمُوذَجٍ آخَرَ مِنْ نَماذِجِ الرَأْسِمالِيَّةِ الهَمَجِيَّةِ. فَالطَرِيقُ إِلَى التَحَرُّرِ الحَقِيقِيِّ لا يَمُرُّ عَبْرَ تَمْجِيدِ المِلِيشْياتِ، وَلا عَبْرَ تَقْدِيسِ العُنْفِ، وَلا عَبْرَ الخَلْطِ بَيْنَ النَهْبِ وَالثَوْرَةِ.
(11)
الطَرِيقُ إِلَى التَحَرُّرِ الوَطَنِيِّ وَبِناءِ دَوْلَةِ العَدْلِ وَالدِيمُقْراطِيَّةِ واضِحُ "دِبُر عَنْزٍ" وَيَمُرُّ عَبْرَ: تَنْظِيمِ الجَماهِيرِ فِي نِقاباتٍ وَلِجانٍ شَعْبِيَّةٍ وَكَشْفِ عَلاقاتِ التَبَعِيَّةِ وَفَضْحِ دَوْرِ الإِمْبِرْيالِيَّةِ؛ وَبِناءِ وَعْيٍ طَبَقِيٍّ لا يُخْدَعُ بِالأَسْماءِ البَرّاقَةِ. وَيَبْدَأُ مِنْ خُطْوَةِ اِسْتِعادَةِ فِكْرَةِ الدَوْلَةِ كَأَداةٍ لِخِدْمَةِ المُجْتَمَعِ، لا كَغَنِيمَةٍ لِلاِنْقِلاباتِ العَسْكَرِيَّةِ وَالحُرُوبِ الأَهْلِيَّةِ. وِفْقَ هٰذا المَنْطِقِ فَقَطْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْهَمَ أَنْ لَيْسَتْ كُلُّ حَرَكَةٍ مِنْ الهامِشِ "ثَوْرَةً". وَلَيْسَ كُلُّ صِراعٍ عَلَى المَوارِدِ صِراعاً عَلَى "التَحَرُّرِ". فَهُناكَ لَحَظاتٌ فِي التارِيخِ يَتَحَوَّلُ فِيها المُسْتَضْعَفُونَ إِلَى مُسْتَغِلِّينَ جُدُدٍ، وَتَتَحَوَّلُ أَحْلامُ العَدالَةِ إِلَى كَوابِيسِ سُلْطَةٍ. التَمْيِيزُ بَيْنَهُما هُوَ ما يُمَيِّزُ التَحْلِيلَ الثَوْرِيَّ الحَقِيقِيَّ عَنْ الأُسْطُورَةِ التَحَرُّرِيَّةِ. وَيَظَلُّ السُؤالُ الأَهَمَّ مَفْتُوحاً وَمُنْتَصِباً نَصْبَ أَعْيُنِ النَخْبِ: مَتَى نَتَعَلَّمُ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى القاتِلِ بِعَيْنِ الطَبَقَةِ لا بِعَيْنِ السِحْرِ، وَأَنْ نَرَى فِي "الهامِشِ" صِراعاتِهِ الداخِلِيَّةَ لا بُطُولاتِهِ الأُسْطُورِيَّةَ؟
#تيسير_حسن_ادريس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟