أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - نبيل عبد الأمير الربيعي - أصحاب الظل في زمن التسويق الثقافي أو (المسوگجية)














المزيد.....

أصحاب الظل في زمن التسويق الثقافي أو (المسوگجية)


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 12:03
المحور: كتابات ساخرة
    


في زمن باتت فيه الثقافة جزءاً من سوق مفتوح، لم يعد إنتاج المعرفة فعلا خالصا للبحث والتأمل، بل تحول في بعض تجلياته إلى عملية تدوير وتسويق لا تخلو من اقتناص سريع لما يقوله الآخرون. وهنا يظهر نمط من بعض نقاد الأدب، يطلق عليهم في التداول الشعبي اسم (المسوگجية)، الذين لا يصنعون المعرفة بقدر ما يتسوقونها من أفواه الآخرين عبر الحوارات والمجالس والندوات، ليعاد لاحقا تشكيلها في مقالات تنشر في الصحف المحلية، فتبدو وكأنها إنتاج نقدي أصيل، بينما هي في جوهرها إعادة تدوير لآراء الآخرين، تقدم باسم كاتب المقال لينال بها (أجر الكتابة) لا جهدها الحقيقي.
أولئك الذين يستمدون وجودهم وقيمتهم من انعكاسات زائفة لواقع غير حقيقي، يشبهون إلى حد بعيد سجناء كهف أفلاطون؛ حيث يعيش الإنسان داخل ظل لا يعرف مصدره، لكنه يطمئن إليه لأنه مألوف. هكذا تتشكل صورة (صاحب الظل) الذي يكتفي بالقشور ويستعيض بها عن الحقيقة، تماما كما يكتفي بعض (المسوگجية) بظل الأفكار المنقولة بدل مواجهة أصلها.
فطالما كان الإنسان كائنا باحثا عن المعنى، تحكمه رغبة عميقة في الوصول إلى الحقيقة، فإن هذا المسار نفسه يخلق دائما من يفضل الطريق الأسهل، طريق الاستعارة بدل الاكتشاف، والنقل بدل الإنتاج، والتلقي بدل المواجهة. وهنا تتقاطع سيكولوجية الهروب من الحقيقة مع سيكولوجية (التسوق الثقافي)، حيث تتحول المعرفة إلى بضائع جاهزة تجمع من أفواه الآخرين ثم تعاد تغليفها في نصوص تبدو نقدية.
يقول أرسطو: (إن الإنسان بطبعه يميل إلى المعرفة)، لكن الواقع يكشف أن الإنسان قد يميل أيضا إلى تجنب الألم، وألم الحقيقة هو الأشد. لذلك يهرب (صاحب الظل المزيف) إلى عالم جاهز من الأفكار المعلبة، بينما يكتفي (المسوگجي) بتجميع هذا العالم من مصادره الحية دون أن يلمسه تفكيرا أو مساءلة.
وفي هذا السياق، يمكن استدعاء مفهوم (الوعي الزائف( في الفلسفة الماركسية، حيث يغيب الإنسان عن إدراك واقعه الحقيقي، ويدفع إلى الاكتفاء بتمثلات سطحية تخدم منظومات إنتاج ثقافي وإعلامي. وهكذا يتغذى بعض المتلقين على فتات معرفي، بينما يقدم بعض النقاد هذا الفتات نفسه في قوالب مقالات جاهزة، ليبدو وكأنه إنتاج فكري مستقل.
إن اغتراب الكينونة وسقوط المعنى لا يتجلى فقط في المتلقي، بل يمتد أيضا إلى بعض من يفترض أنهم وسطاء معرفة. فبدل أن يكون الناقد فاعلا في إنتاج الوعي، يتحول إلى ناقل له، أو جامع مواد من الآخرين، يعيد توزيعها دون هضم فكري حقيقي. وهنا يصبح الخطر مزدوجا؛ تفاهة في الاستهلاك، وتفاهة في الإنتاج.
وقد تنبه الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز إلى أن الإنسان لا يتحقق إلا بمواجهة (الوضعيات الحدية) كالمعاناة والموت والقلق. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين المثقف الحقيقي وبين صاحب الظل المزيف: الأول يشتبك مع السؤال حتى حدود الألم، أما الثاني فيكتفي بظل السؤال دون أن يخوض فيه، تماما كما يفعل (المسوگجي) حين يستبدل التجربة بالسماع، والفكر بالنقل.
إن التحرر من هذا النمط يبدأ من تفكيك وهم المعرفة الجاهزة، سواء لدى المتلقي أو لدى من يتقمص دور الناقد. فالثقافة ليست سوقا للتسوق، ولا النص النقدي مجرد تجميع لمقولات الآخرين، بل هو موقف ومسؤولية وإعادة إنتاج للفهم.
لذلك، فإن دعوة الخروج من الكهف هنا ليست فلسفية فقط، بل نقدية أيضا؛ دعوة لكسر دائرة الظل، سواء كان ظل الجهل أو ظل النقل. فالنور الحقيقي قد يؤلم العين التي اعتادت العتمة، لكنه الشرط الوحيد لرؤية الأشياء على حقيقتها، بعيدا عن أقنعة التسويق الثقافي وممارسات (التسوّق النقدي).
وفي النهاية، فإن التمرد على الظل المزيف، وعلى ثقافة الاستنساخ المعرفي، هو الخطوة الأولى لاستعادة المعنى؛ أن يتحول الإنسان من متلق أو ناقل للصور إلى صانع للفكر، لا مجرد عابر بين ظلال الآخرين.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في كتاب (نوري جعفر: رجل النهضة والإصلاح) للأستاذ ياسر ...
- يونس بحري.. من إذاعة برلين إلى مقبرة الغزالي
- وطنٌ بين الذاكرة والخذلان
- سوسيولوجيا التحول الثقافي في العراق الحديث
- عزيز السيد جاسم سيرة التحوّل ونهاية التغييب
- التربية بوصفها مشروعاً نهضوياً في فكر د. نوري جعفر (1914-199 ...
- حين ينتصر الضمير على السلطة
- إخوان الصفا ومعطيات علم النفس والأعصاب الحديثة
- إنانا: من آلهة الحب إلى ضحية التحول الذكوري في التاريخ الإنس ...
- نوري جعفر بين الإهداء لمؤلفه والنص الإنساني العميق
- نوري جعفر سبق العالم في الذكاء الاصطناعي
- تأملات العلامة نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (2-2)
- تأملات العلامة نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (1-2)
- تأملات د. نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (1-2)
- المنعكسات الشرطية بين تجارب بافلوف وفلسفة نوري جعفر
- إيفان بافلوف في فكر نوري جعفر الفسيولوجي والسلوك الإنساني
- نوري جعفر والفكر البشري بين طبيعته وتطوره
- حين تسكن الروح جسداً آخر
- نوري جعفر… كيف نصنع الإبداع؟ قراءة في الدماغ والبيئة والإنسا ...
- نوري جعفر… الإبداع بين الدماغ والإنسان


المزيد.....




- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...
- رواية التخشبوش للكاتبة د. نعيمة عبد الجواد
- أخبار الفنون البصرية حول العالم: يونيو 2026 السينما والتقني ...
- رحيل مارجان ساترابي الفنانة التي كسرت الصور النمطية عن إيران ...
- لماذا ندفع المال لنشعر بالفزع؟.. خريطة لأبرز أنواع الرعب في ...
- فيلم -برشامة- يفتح سجالاً محتدماً في مصر بين حرية الفن والثو ...
- المثقف العربي في مواجهة -الترند-: هل فقدت النخبة سلطة التأثي ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي عن عمر ناهز 56 ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مارجان ساترابي مؤلفة رواية - ...
- لم يتمكن من السفر فابتكر عوالم مدهشة.. هذا ما فعله فنان تايو ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - نبيل عبد الأمير الربيعي - أصحاب الظل في زمن التسويق الثقافي أو (المسوگجية)