أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - مغرب الملاعب والمهرجانات... وأسئلة الفقر والاعتقالات















المزيد.....

مغرب الملاعب والمهرجانات... وأسئلة الفقر والاعتقالات


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 22:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

في الوقت الذي يواجه فيه المغرب تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، تتصاعد الأسئلة حول أولويات الدولة وكيفية تدبير الثروة الوطنية وتوزيعها. فبينما تعاني فئات واسعة من المواطنين من الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية واستمرار البطالة، خاصة في صفوف الشباب، تستمر الدولة في توجيه استثمارات ضخمة نحو مشاريع رياضية وثقافية وترفيهية تُقدَّم للرأي العام باعتبارها تجسيدًا لمسار التنمية والتحديث الذي تعرفه البلاد.

وخلال السنوات الأخيرة، تحولت الهجرة غير النظامية إلى واحدة من أبرز الظواهر التي تعكس حجم الإحباط الاجتماعي الذي يعيشه جزء من الشباب المغربي. فآلاف الشبان والفتيات يغامرون سنويًا بحياتهم في عرض البحر، بحثًا عن فرصة عمل أو مستقبل أفضل في الضفة الشمالية للمتوسط، بعدما فقدوا الثقة في إمكانية تحقيق أحلامهم داخل وطنهم. وأصبحت صور "قوارب الموت" عنوانًا مأساويًا لواقع اقتصادي واجتماعي يراه كثيرون بعيدًا عن الصورة الوردية التي تُقدَّم في الخطابات الرسمية.

ويرى منتقدو السياسات العمومية أن المغرب يعيش حالة من التفاوت الصارخ بين فئات المجتمع ومناطقه المختلفة، حيث تستفيد بعض الجهات من الاستثمارات الكبرى والبنيات التحتية الحديثة، بينما تعاني مناطق أخرى من ضعف الخدمات الأساسية وندرة فرص الشغل وارتفاع معدلات الفقر والهشاشة. ويصف البعض هذا الواقع بوجود "مغرب نافع" يستقطب المشاريع والاستثمارات والامتيازات، و"مغرب آخر" يعيش التهميش والإقصاء ويكافح سكانه من أجل الحصول على أبسط الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وفي خضم هذه الأوضاع، تواصل الدولة إطلاق مشاريع رياضية ضخمة تُقدَّم باعتبارها إنجازات تاريخية. ومن أبرز هذه المشاريع ملعب الحسن الثاني الكبير بمدينة بنسليمان، الذي يُرتقب أن يصبح أكبر ملعب لكرة القدم في العالم بسعة تصل إلى 115 ألف متفرج. وتُقدَّر التكلفة الإجمالية للمشروع بحوالي 5 مليارات درهم مغربي، أي ما يعادل نحو نصف مليار دولار أمريكي.

وبينما يرى المدافعون عن المشروع أنه استثمار استراتيجي مرتبط باستعدادات المغرب لاحتضان كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، يتساءل منتقدون عن مدى أولوية تخصيص هذه المبالغ الضخمة لمشروع رياضي واحد، في وقت تعاني فيه قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والتشغيل من اختلالات مزمنة ونقص في الموارد والإمكانات.

ولا يتوقف الجدل عند حجم الإنفاق فقط، بل يمتد أيضًا إلى البعد الرمزي للمشاريع العمومية. فمن الملاحظ أن عددًا كبيرًا من المنشآت الكبرى يحمل أسماء الملوك، من قبيل ملعب الحسن الثاني، ومركب محمد الخامس، وبرج محمد السادس، ومسرح محمد الخامس، فضلًا عن عدد كبير من الشوارع والجامعات والثانويات والمؤسسات العمومية. ويرى منتقدو هذا التوجه أن الأمر يتجاوز مجرد التكريم الرمزي، ليصبح جزءًا من سياسة ترسيخ الحضور الدائم للمؤسسة الملكية في الفضاء العام وفي الوعي الجماعي للمواطنين.

ففي المدرسة والجامعة والملعب والمستشفى والشارع، يجد المواطن نفسه محاطًا بأسماء الملوك في مختلف تفاصيل حياته اليومية، وهو ما يعتبره أصحاب هذا الرأي وسيلة لترسيخ صورة السلطة وربط مختلف الإنجازات والبنيات التحتية بالمؤسسة الملكية، حتى وإن كانت هذه المشاريع ممولة من المال العام ومن الضرائب التي يؤديها المواطنون.

وإذا كانت الملاعب والمشاريع الرياضية تثير الجدل بسبب كلفتها المالية، فإن المهرجانات الفنية بدورها لا تسلم من الانتقادات. ويُعد مهرجان موازين الذي يتم تنظيمه تحت ما يسمى بالرعاية السامية للملك ، يعتبر من أبرز الأمثلة على ذلك، حيث يُقدَّم من طرف منظميه باعتباره حدثًا ثقافيًا عالميًا يساهم في الترويج لصورة المغرب واستقطاب السياح وتنشيط الاقتصاد المحلي، بينما يعتبره منتقدوه نموذجًا لما يصفونه بسوء ترتيب الأولويات في بلد ما تزال فيه تحديات اجتماعية واقتصادية عميقة.

ويتولى تنظيم مهرجان موازين جمعية "مغرب الثقافات"، التي تأسست في 23 يناير سنة 2001. وقد ارتبط اسم الجمعية منذ البداية بمحمد منير الماجدي، مدير الكتابة الخاصة للملك محمد السادس، الذي ترأسها لسنوات طويلة قبل أن يغادر منصبه سنة 2015. ومنذ يوليوز من السنة نفسها، يتولى رئاسة الجمعية عبد السلام أحيزون، الرئيس المدير العام لشركة اتصالات المغرب.

وخلال أكثر من عقدين من الزمن، تحول مهرجان موازين إلى واحد من أكبر المهرجانات الموسيقية في إفريقيا والعالم العربي، سواء من حيث حجم الحضور الجماهيري أو عدد الفنانين العالميين الذين يشاركون فيه أو حجم الميزانيات المرصودة له. وتُقدَّر ميزانية المهرجان بما بين 6 و7 ملايين دولار أمريكي سنويًا، وهو رقم يثير نقاشًا متجددًا كل سنة حول مصادر التمويل وجدوى هذا الإنفاق.

ويؤكد منظمو المهرجان أن التمويل يعتمد على الرعاة والشركاء الاقتصاديين والإيرادات التجارية، غير أن منتقدين يطرحون تساؤلات حول طبيعة هذه الجهات وعلاقتها بالدولة والمال العام. فمن بين أبرز المؤسسات والشركات الداعمة للمهرجان شركة اتصالات المغرب، وصندوق الإيداع والتدبير، والبنك الشعبي، والتجاري وفا بنك، ومجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، والمكتب الوطني للسكك الحديدية، والخطوط الملكية المغربية، فضلًا عن التغطية الإعلامية التي توفرها الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة والقناة الثانية.

وهنا يطرح المنتقدون سؤالًا جوهريًا: هل يمكن اعتبار هذه المؤسسات ممثلًا خالصًا للقطاع الخاص؟ فبعضها مؤسسات عمومية أو شبه عمومية، وبعضها يدير قطاعات استراتيجية تمثل جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الوطني. ولذلك يرى أصحاب هذا الرأي أن النقاش لا يتعلق بالفن أو الثقافة في حد ذاتهما، بل بأولويات الإنفاق في بلد ما تزال فيه قضايا الفقر والبطالة والهشاشة الاجتماعية مطروحة بقوة.

وفي مقابل الحديث عن الملاعب والمهرجانات والإنجازات العمرانية، يسلط ناشطون حقوقيون ومعارضون الضوء على ملفات أخرى يعتبرونها أكثر إلحاحًا، تتعلق بالحريات العامة وحرية التعبير. ويستشهد هؤلاء بعدد من القضايا التي أثارت نقاشًا واسعًا داخل المغرب وخارجه، من بينها قضية ناصر الزفزافي ورفاقه من معتقلي حراك الريف، الذين صدرت في حقهم أحكام ثقيلة وصلت إلى عشرين سنة سجناً نافذاً في بعض الحالات. كما يشيرون إلى قضايا أخرى تخص صحفيين ومدونين وحقوقيين ومعارضين سياسيين تعرضوا للمتابعة أو السجن بسبب آرائهم أو مواقفهم السياسية كالمحامي محمد زيان و المدونة سعيدة العلمي و القائمة طويلة ، بحسب ما تؤكده منظمات حقوقية محلية ودولية.

وبالنسبة إلى هؤلاء، فإن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الملاعب ولا بعدد المهرجانات ولا بارتفاع الأبراج الشاهقة، بل بمدى احترام الحقوق والحريات، وبقدرة المواطنين على التعبير عن آرائهم بحرية، وبضمان الحق في التعليم والصحة والشغل والعيش الكريم.

وفي خضم هذه التناقضات، يبرز سؤال العدالة الاجتماعية باعتباره أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في المغرب المعاصر. فبينما تتحدث الخطابات الرسمية عن التنمية والتحديث وجذب الاستثمارات وتحقيق الإنجازات الكبرى، ما يزال ملايين المواطنين ينتظرون تحسنًا ملموسًا في أوضاعهم المعيشية، وينتظرون سياسات قادرة على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية التي تتسع عامًا بعد آخر.

وفي النهاية، قد تنجح الملاعب العملاقة في استضافة البطولات العالمية، وقد تنجح المهرجانات في استقطاب الفنانين والنجوم من مختلف أنحاء العالم، لكن ذلك لن يكون كافيًا لإسكات الأسئلة التي يطرحها المواطن البسيط حول نصيبه من الثروة الوطنية، وحول حقه في التعليم والصحة والعمل والكرامة. فالأوطان لا تُبنى بالأضواء وحدها، ولا تُقاس عظمتها بعدد المهرجانات أو الأبراج أو الملاعب، بل بقدرتها على تحقيق العدالة والإنصاف وضمان العيش الكريم لجميع أبنائها.

وما دامت الفوارق الاجتماعية قائمة، وما دام الشباب يواصلون البحث عن مستقبل خارج حدود الوطن، وما دامت أسئلة الحرية والعدالة وتوزيع الثروة مطروحة بإلحاح، فإن الجدل حول أولويات الدولة سيظل حاضرًا، وسيبقى السؤال مفتوحًا: هل تكفي الملاعب والمهرجانات لصناعة وطن يشعر فيه كل مواطن بأنه شريك حقيقي في ثرواته ومستقبله؟



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المغرب بين الثروة المهدورة والسلطة المطلقة… أسئلة شعب مؤجلة
- حين يُختزل المغرب في 12 قرنًا: قراءة في التاريخ المنسي والشر ...
- بين إعلان بوريطة وصمت باريس: أيّ معاهدة تاريخية يُحضَّر لها ...
- المغرب يُنهب على الهواء مباشرة: من يسرق 44 مليار دولار سنويً ...
- المغرب: وطن يُحلب باسم الديمقراطية… من يحكم فعلًا؟
- من التنصّت إلى التجنيس: كيف تمدد النفوذ الإسرائيلي داخل المغ ...
- المغرب : حين يجوع الشعب ويزدهر العرش
- المغرب و الجزائر : حين يتقاتل الأشقاء على الشاشات يسرق الحكا ...
- المغرب بين ثروات القصر والسلطة: ما الذي يقال وما الذي لا يقا ...
- أحزاب الواجهة في المغرب و ديمقراطية الوهم: حين تتحول السياسة ...
- المغرب : حين تتحول الدولة إلى ضيعة ويصير الصمت عنوان المرحلة
- المغرب : وطنٌ يُباع وشعبٌ يُهان
- فاتح ماي في المغرب: عيدٌ بلا عمّال أم صرخةٌ في فراغ؟
- طقوس السلطة في المغرب: ديمقراطية الشكل واستبداد الواقع
- المغرب : مات الشعب… وعاش صاحب الجلالة : أزمة الحكم في المغرب ...
- المغرب و مسرحية المؤسسات: وجوه تتغير ونفس الأزمات تتكرر
- المغرب المختطف: سلطة تُحكم وشعب يُقمع
- مهاجرون بأجساد حرة وعقول أسيرة: كيف يطارد الخوف المغاربة خار ...
- حين تُهدم بيوت الفقراء وتُبنى إمبراطوريات العقار: من يحكم ال ...
- قصيدة ساخرة : المغرب ، أبراجُ السلطان… وقبورُ المنسيين


المزيد.....




- 3 مسارات تعيد رسم الشرق الأوسط ما بعد الحرب
- هل تنجح الحكومة العراقية في حصر السلاح؟
- حواجز وإتاوات.. من يعرقل امتحانات طلاب السويداء؟
- تحصينات إسرائيلية برفح تعيد الجدل بشأن الملحق الأمني لـ-كامب ...
- بوتين: جربنا أسلحتنا في أوكرانيا والحرب ستتوقف بشروطنا
- سلام: المفاوضات لم تكن سهلة.. واجهنا تعنتا إسرائيليا
- -باراك أوباما- يترشح لمنصب حاكم كاليفورنيا.. ما القصة؟
- زامير: الجيش الإسرائيلي جاهز ونركز على الجبهة الشمالية
- قطاع غزة.. تحذيرات من كارثة بيئية غير مسبوقة
- لبنان.. رفض حزب الله للاتفاق يهدد جهود إنهاء الحرب مع إيران ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - مغرب الملاعب والمهرجانات... وأسئلة الفقر والاعتقالات