موريس صليبا
الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 12:40
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
صدر باللغة الفرنسية في شهر فبراير من هذه السنة كتاب للكاتب فرغان أزيهاري، بعنوان "الإسلام ضد الحداثة" (منشورات دار لا سيتي)، في باريس
Ferghane Azihari, « L’Islam contre la modernité » Presses de la Cité, Paris
وصف معظم المعلّقين والصحافيين فرغان أزيهاري، المولود في أسرة مسلمة متحدرة من جزر القمر، بالمفكر الحرً الليبيرالي الذي يمكن اعتباره "فولتير" الإسلام في عصرنا الحاضر، نظرا لأسلوبه المتميّز بالدقة والعمق والفكر الجدليّ، على غرار هذا الفيلسوف الفرنسي الشهير.
بعد صدور كتابه هذا، ذاعت شهرته كثيرا وسريعا في فرنسا، اذ أخذت وسائل الاعلام تدعوه باستمرار لتقديم كتابه ومناقشة مضمونه حتى مع أئمة مسلمين مشهورين، مثل طارق عبرو، امام مسجد مدينة بوردو. فعرف كيف يناقشهم بجدارة وبأسلوب واضح ويكشف أمامهم عن نقده الموثّق والحادّ للإسلام كدين وحضارة.
بسبب ظهوره الإعلامي على محطات التلفزيون والتعليقات الصحفية العديدة عرف كتابه هذا نجاحا مرموقا على مستوى المبيعات. فاحتلّ، وفقا للإحصاءات الرسمية، المرتبة السادسة بين الكتب غير الروائية الأكثر مبيعا في منتصف فبراير في فرنسا.
في الواقع يرى المفكرون والصحافيّون أنّ هذا الكاتب الليبرالي قام بعمل جريء ورائد بفضل هذا الكتاب الذي يتضمّن نقدًا لاذعًا من جهة للدين الإسلامي، ومن جهة أخرى، للاستعباد الممنهج للشعوب التي غزاها الإسلام عبر التاريخ.
في مقدمة الكتاب يسخر من "نشطاء السكّان الأصليين المنتقمين ومن أنصار العالم الثالث التائبين" الذين، من جهة، ينتقدون الغرب ويدينونه ويحمّلونه مسؤوليّة كلّ المعضلات التي يتخبّط فيها العالم الا سلامي، ومن جهة أخرى، يُضفون طابعًا مثاليًا على المجتمعات الإسلامية. هذا الأمر حال ويحول بنظره دون القيام بأي نقاش موضوعي أكاديميّ وعلميّ بنّاء ومفيد للدين الإسلامي بشكل عام وللمسلمين بشكل خاص. لذلك يحاول الكشف عن الأسباب التي انتجت ذلك.
الإسلام حفّار قبور الشعوب والثقافات العديدة
في الفصل الأول يذكّر هذا الباحث بكيف حوّل الإسلام مهدَ الحضارة إلى قبر لها، من خلال وصفه لهذا الدين "بحفّار قبور الشعوب والثقافات العديدة"، لأنه قضى في الواقع وببساطة على الفرص التاريخية الضائعة له في سبيل التقدم. لقد رفض فعلا إرث الحضارات القديمة العظيمة كاليونانية والرومانية، والفارسية، والهندية، وغيرها. وكذلك قضى على المراكز البوذية التي ازدهرت في أفغانستان، وعلى جزء كبير من العالم البيزنطي. يشير بنوع خاص الى أن هذه المناطق كانت قد بلغت مستوىً عالياً من التطور قبل وصول أتباع محمّد المتشددين الى أراضيها واحتلالها والسيطرة عليها والقضاء على حضاراتها. ثم يتوقّف عند وضعها الراهن ليكشف عن مدى الضرر الذي ألحقته بها أسلمة هذه المناطق، إذ أبقتها في حالة من التخلف والجهل الشديدين، محولًا إياها إلى "مقابر ثقافية بدلًا من أن تكون منارات للنهضة". هذا التأخير أو التخلّف، الذي أعرب عنه حتى بعض المفكرين المسلمين قبله، لا يعود بنظره إلى عوامل خارجية، كالاستعمار والفقر وغيرهما، بل إلى "خرافة" عقائدية متأصلة تجعل المجتمعات الإسلامية عصيّة على أي إصلاح جذري. وهذا ما أدّى ويؤدي حتى اليوم الى نتائج وخيمة وعواقب راهنة ما زلنا نعاني منها، مثل اضطهاد المرأة، والتعصب، والتطرف، والرجعية المستمرة في العديد من الدول الإسلامية.
لذلك يقول أزيهاري متحسرًا: "لقد سُحرت أنظار المسلمين بمكة لدرجة أنهم تجاهلوا التراث المدفون تحت أقدامهم، تاركين مهمة اكتشافه للكفّار، كما هو الحال مع الهيروغليفية التي انتظرت حتى وصول العالم الفرنسي فرانسوا شامبليون لفكّ رموزها في القرن التاسع عشر". ويتخيّل، في أبيات شعرية مُلهمة، كيف كانت ستكون هذه المناطق لو لم تُستعبد وتكبّل وتنهار تحت نير الإسلام. وما يزيد هذا الكاتب المنحدر من عائلة مسلمة ألما وتحسّرا من هذا التخلّف والانحطاط عندما نقرأ ما يقول قي مقدّمة كتابه: "لا يُمكن لكاتب هذه السطور أن يقبل أن العالم الذي أتى منه أجداده لا يزال غارقًا في الانحلال التام".
أسطورة "الإسلام المستنير"
يُخصّص أزيهاري الفصل الثاني من كتابه لتفنيد أسطورة "الإسلام المستنير" أو ما يسمّى ب"إسلام الأنوار"، التي لا تقلّ زيفًا عن "الستالينية ذات الوجه الإنساني". فبعيدًا عن أسطورة الحوار بين الثقافات وخرافة التبادل الثقافي، يُظهر المسلمون العرب، بحسب رأيه، نزعةً طائفيةً متأصّلة. ويوضح أن تألق الإسلام المبكر يكمن، في مفارقة عجيبة، في ضعفه، إذ إن ازدهار العلوم والفنون خلال حكم الخلافات الأولى كان يعود في المقام الأول إلى إسهامات غير المسلمين. فبينما تعلّم عدد من رجال الدين المسيحيين اللغة العربية في العصور الوسطى لدراسة القرآن وتحليل مضمونه، رفض المسلمون الانخراط في اللغات الأجنبية وتعلّمها واتقانها. ولذلك، لم يتسنّ للفيلسوف الشهير ابن رشد الاطلاع على كتاب "السياسة" للفيلسوف أرسطو لأنه لم يُترجم إلى العربية.
يتناول الكاتب أيضًا فكرة طرحها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عام 2020، مفادها أن الإسلام "يمرّ بأزمة حاليًا"، وهذا ما يُوحي بأنه كان مزدهرًا في السابق وحقق الرخاء. مع إقراره بأن التاريخ الإسلامي ليس تاريخًا مليئًا بالحروب فحسب، بل كان يضمّ مراكز علمية برزت فيها عقول فذّة. غير أن أزيهاري يشير إلى أن العديد من هؤلاء العلماء البارزين نالوا شهرة أوسع خارج حدود الإسلام منها داخل مجتمعاتهم. وينطبق هذا القول مثلا على ابن رشد، والجراح أبو القاسم، والطبيب ابن النفيس الذي يُنسب إليه اكتشاف الدورة الدموية. ويطرح، على وجه الخصوص، فرضيةً، أيّدها العالم الفرنسي في الإسلاميات، شارل بيلا Charles Pellat (1914-1992)، مفادها أن العلم والتعليم في العالم الإسلامي تضرّر كثيرا بسبب إنشاء المدارس الدينية الخاضعة لسيطرة السلطات الدينية التي لا شأن لها الا التركيز دائما وبنوع خاص على مقولة "الحقيقة كلها موجودة في القرآن الكريم"، وأن رسالته لا تقبل الجدل، ويستحيل نقدها. لذلك يستنتج الكاتب أزيهاري أن هذا الأمر أعاق وما زال يُعيق حتمًا التفكير والنقاش الضروريين للتقدم الفكري والاجتماعي.
ثم يناقش أزيهاري الغضب الانتقائي الذي يؤدي إلى إدانة الاستعمار الغربي مع التقليل من شأن انتشار الإسلام عبر الحروب واستخدامه الممنهج للرقّ والاستعباد على مدى أجيال عديدة منذ بداية نشوئه. وتراه ينتقد ببراعة نظرية الإنسان البدائي النبيل، التي تبرّر ما يُنظر إليه على أنه من آفات الإسلام، الادّعاء بمستواه الأدنى من التطور. غير أن التاريخ الأوروبي يكشف أن تقدّم الحريات الفردية لا يرتبط بالضرورة بزيادة الثروة. علاوة على ذلك، فقد نشأ الإسلام في مناطق تميّزت برقيّ أخلاقي لا مثيل له في ذلك الوقت، خاصة في المشرق قبل الإسلام، وفي الإمبراطورية الرومانية، وهذا الأمر لم يمنعه من استخدام الأساليب الوحشية.
غياب النقد الذاتي
وفي فصلٍ شيّق يتناول أسباب تخلّف المجتمعات الإسلامية مقارنةً بالعالم الغربي، وهو تخلّف لاحظه قبله وانتقده المفكرون المسلمون أنفسهم وأسفوا له. في هذا الصدد يُشير فرغان أزيهاري إلى أنه من بين جميع المذاهب الأجنبية التي تؤثر على السياسة الحديثة، لا ينجو من طائفيتها إلا أشدها ضررًا. وهكذا، سمحت الماركسية وصراعها الطبقي للشرق المُسلم باللجوء إلى معسكر المضطهدين، متجنبةً بذلك أي نقد ذاتي، مع أن هذا النقد كان شرطًا ضروريًا لتحديثها. غير أن هذا لم يمنع الإسلام من شنّ هجوم على أوروبا التي أصبحت ضعيفة ومنشغلةً بتقويض نظامها لدرجة أنها لم تعد قادرة على الدفاع عن مؤسساتها ومدارسها وجامعاتها وإعلامها وإنتاجاتها.
مع ذلك، لا يكتفي فرغان أزيهاري في هذه الكتاب الجريء، المدعوم بملاحظات وافية ومصادر علمية موثوقة، برسم صورة قاتمة للإسلام، لأنّ هذا الدين يقوم بطبيعته على فكر عقائدي، منغلق على النقد، مُعادٍ للحداثة، وهذا ما سبّب وما يزال الركود التاريخي للمجتمعات التي يُهيمن عليها، والتهديد الحالي لأوروبا.
التحرّر من القمع والعنف
لا بدّ من الإشارة الى أن هذا الكاتب المنحدر من عائلة مسلمة يتمسّك بالأمل في أن ينتفض العالم الذي أتى منه أجداده من ماضيه العتيق، ويتوق بشدة إلى نهضة الشرق، والى تحرره من دين قمعي وعنيف. فهو يطالب العالم الإسلامي بمحاسبة الذات ويحثّه على الاعتراف بواقعه المرير الذي أوصله الي مستنقع من الركود لا يوفر له مستقبلا زاهرا.
كذلك يحذر من الخطر الجيوسياسي المعاصر للتطرف الإسلامي الذي يُهدّد اليوم الحريات في أوروبا عبر هجرة المسلمين الكثيفة، ومطالبهم المجتمعية، وتأثيرهم الأيديولوجي، وصعوبة استيعابهم. فهو يدعو الأوروبيين بقوّة الى التيقّظ، والحذر، والاستعانة بتقاليدهم الاستشراقية العريقة لمكافحة هذا التطرف الذي لا ينبغي الاستهانة بخطورته. فهو يشكّل التحدي الأكبر الذي يواجههم في الزمن الحاضر. فالضرر الذي سيلحق بهم، قد يستحيل، وللأسف، إصلاحه، لأن الإسلام سيستمر في عرقلة التقدم وتهديد مكتسبات الحداثة.
#موريس_صليبا (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟