أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حميد بعلوان - عندما تصبح -التربية- ضحية لوثنية -النقطة-: تفكيك ثقافة الغش من الفيسبوك إلى الواقع














المزيد.....

عندما تصبح -التربية- ضحية لوثنية -النقطة-: تفكيك ثقافة الغش من الفيسبوك إلى الواقع


حميد بعلوان

الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 17:28
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


في منشور ساخر شاركته مؤخراً على منصة "فيسبوك"، كتبت متخيلاً مشهد امتحانات الباكالوريا في المغرب بحلول عام 2032:
"التلميذ سيعمل عملية جراحية لنفسه لأجل لصق أعصاب أصابع رجله مع جهاز إلكتروني متصل بذكاء اصطناعي متطور... جهاز يلهمه الأجوبة، ويمنحه خطاً خارقاً، وأساليب يستحيل للمصحح الآدمي أن يمنحها أقل من 20/20، فضلًا عن ذكاء قانوني ينتزع العلامة الكاملة قضائياً إذا تخلف المصحح عن ذلك".

هذا التخيل، رغم طابعه السريالي الكوميدي، يحمل في عمقه قراءة مزدوجة. من جهة، هو إشادة مبطنة بـ"الذكاء الطبيعي الخارق" للتلميذ المغربي؛ فمن يستطيع إجراء عملية جراحية عصبية لنفسه بنجاح وتطويع الذكاء الاصطناعي والقانون، هو بالضرورة "عبقري" نجح في امتحان العلوم والحياة قبل أن يلج قاعة الامتحان.

لكن من جهة أخرى، يحمل المنشور اتهاماً مبطناً وخطيراً لـ"ثقافة الغش" التي تغلغلت في بنية المجتمع، حتى تحول هذا الذكاء الفطري من طاقة ابتكار وتشييد، إلى ترسانة دفاع واحتيال.

هذا "الخيال الفيسبوكي" ليس معزولاً عن الواقع، بل يغذيه واقع يومي أكثر مرارة. وهنا تذكرت واقعة حية عشتها بنفسي وشهدت عليها؛ كنت في محل لبيع الأجهزة الإلكترونية، فدخل أب مغربي يطلب من البائع، بكل أريحية ودون مواربة:
"أصغر سماعة بلوتوث" (سماعات VIP غير المرئية) لكي تستخدمها ابنته في الغش في الامتحانات!!!

الصدمة لم تكن في طلب الأب فقط، بل في رد فعل البائع الذي انخرط في "التواطؤ الاجتماعي" مباشرة، حيث أخرج له سماعة وقال له بثقة تجارية: "هذه جيدة جداً للغش في الامتحان"!!!!

في تلك اللحظة، لم أستطع الصمت أمام هذا المشهد السريالي الذي يُهدم فيه الإنسان؛ احتججت بشدة وانتفضت في وجههما قائلاً بالحرف: "التربية أهم من التعليم!".. ودخلت معهما في جدل بهذا الخصوص.

هذه الواقعة تكمن في أن "الغش" لم يعد سلوكاً سرياً يمارسه التلميذ بخوف ووجل، بل تحول إلى "مشروع عائلي" يرعاه الآباء ويبارك فيه المجتمع التجاري. عندما يشتري الأب لابنته وسيلة الغش، فهو لا يمنحها إجابات الامتحان، بل يمنحها "صك غفران أخلاقي" ويُشرعن لها الانتهازية، ويزرع في وعيها فكرة مرعبة: "الغاية تبرر الوسيلة، والنجاح الشكلي أهم من الاستقامة الأخلاقية".

هذا التواطؤ يفضح علة العلل في مجتمعنا: وثنية النقطة وتأليه المظاهر. لقد تحول التعليم من رحلة لبناء الوعي وتطوير الذات، إلى مجرد سباق محموم لجمع الأرقام والشواهد، حتى لو كان الثمن هو اغتيال الضمير.

إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة الاعتبار لمفهوم "التربية" كركيزة تسبق "التعليم" وتسمو عليه. فالتعليم يمنح المهارة والمعلومة، وهي أدوات يمكن للذكاء الاصطناعي اليوم أن يوفرها في ثوانٍ، أما التربية فهي التي تمنح "البوصلة الأخلاقية" التي توجّه هذه الأدوات نحو الخير أو الشر.

- التعليم بلا تربية: سينتج لنا طبيباً يتاجر بآلام المرضى، ومهندساً يغش في مواد البناء، ومسؤولاً يسخّر ذكاءه لاختلاس المال العام.

- التعليم مع التربية: ينتج إنساناً مسؤولاً، يدرك أن قيمته في مجتمعه تنبع من أمانته وعطائه، وليس من رقم "20/20" مسروق بسماعة بلوتوث أو شريحة إلكترونية.

التلميذ المغربي، كما أشرت في منشوري، يمتلك عبقرية فطرية وقدرة هائلة على التحدي. والأزمة ليست في قلة ذكائه، بل في البيئة التي توجه هذا الذكاء نحو الاحتيال بدلاً من الإبداع.

إن امتحان الباكالوريا الحقيقي الذي يواجهه المغرب اليوم ليس امتحاناً في الرياضيات أو الفلسفة أو العلوم؛ بل هو امتحان قيمي وأخلاقي تخوضه الأسر والمؤسسات التعليمية والمجتمع ككل.

إذا استمرت الأسر في شراء السماعات وأجهزة الغش لأبنائها، فسنصل حتماً إلى "يوتوبيا الغش" في 2032 حيث تُجرى العمليات الجراحية لسرقة النقاط .. لقد حان الوقت لنعي جميعاً، كآباء، ومثقفين، ومواطنين، أن بناء جيل يتمتع بـ"الاستقامة الأخلاقية" والاعتماد على الذات، هو المكسب الحقيقي للوطن، وأن نقطة "10/20" بجهد شريف وعرق جبين، أنبل وأبقى بآلاف المرات من "20/20" مغشوشة تذبح في طريقها قيم الحق والعدالة وتكافؤ الفرص.



#حميد_بعلوان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليكسبليسيت والنمذجة.. وزير يتلعثم باللسان وينجح في الميدان!
- هل القانون المغربي يميز بيننا على أساس الدين؟
- لماذا لا يمكنك الدفاع عن نفسك ب -الدستور- أمام القضاء المغرب ...
- وفاة عمر داخل مقر أمني: عندما تهتز الثقة في الحياد يصبح قاضي ...
- “منبت الأحرار”… أم مجرد شعار؟
- الدولة والمحامون: من يخاف من من؟
- المغرب… عندما تكتب قوانينه بلغة المستعمر
- حين تتحول “الأخلاقيات” إلى قناع… من يُحاسب من؟
- أرجوك ابني، .. لا تقرب كوكب الأرض!
- لوكي لْكسول .. دلك الغول !
- نعم، سي بوزبال يستحق الاحترام
- أنتم أحرار .. ليس في أعناقكم أغلال
- في مدح الفساد وجمال اللحية !
- تحرش جماعي بمغربية في مصر .. كبث أم انغلاق العقلية المصرية؟
- التعليم المنزلي: موضة عابرة أم بديل للتمدرس؟
- اللبينة المفقودة
- قصة زيد والشيطان المُتجبرل
- ألا يُمكنهم أن يحتجوا بلا غضب ؟!
- أسئلة ممنوعة (الجزء 3) : هل للإرهاب دين ؟
- أسئلة ممنوعة (الجزء 2) : لماذا نحن مُسلمون ؟


المزيد.....




- زهران ممداني يثير -ضجة- بارتدائه ثوب -كورتا- مستوحى من شعار ...
- حداد رسمي وتنكيس الأعلام.. وفاة عبد ربه منصور هادي رئيس اليم ...
- مطالباً بـ10 مليارات دولار.. ترامب يقاضي -وول ستريت جورنال- ...
- السويداء بلا عيد: أسواق خاوية وحداد عام يطغى على الفرح بعد م ...
- سويسرا: انتشار لقطات من موقع طعن في محطة فينترتور وإصابة 3 أ ...
- -هندسة استعمارية رقمية-.. رفض فلسطيني واسع لمنصة إسرائيلية ل ...
- دراسة تحذر: خلط الموز مع بعض الفواكه في العصير يفقدها عناصره ...
- ترامب يهدد بـ-إنهاء المهمة-.. هل يعود التصعيد مع إيران أم أن ...
- غزة: 7 قتلى بينهم أطفال في غارة إسرائيلية على مبنى سكني مأهو ...
- تصريحات ترامب.. ضغط تفاوضي أم تمهيد لتصعيد عسكري محتمل ضد إي ...


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حميد بعلوان - عندما تصبح -التربية- ضحية لوثنية -النقطة-: تفكيك ثقافة الغش من الفيسبوك إلى الواقع