حميد بعلوان
الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 21:24
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
بينما تنفق الدولة الملايير لتسويق صورة "المغرب المتسامح" و"أرض التعايش"، تظل بطون المجلدات القانونية المغربية حبلى بنصوص تجعل من "عقيدة" المواطن معياراً لتحديد مساحة حريته، وقوة معاملاته التجارية، وحتى حقه في الإرث. نحن أمام "انفصام تشريعي" صارخ؛ فبينما يقدس الدستور المساواة، تكرس القوانين الفرعية "نظام المِلل" في ردهات المحاكم.
قد يعتقد التاجر المغربي "المسلم" أنه يتمتع بنفس حقوق زميله "اليهودي" أو "الأجنبي"، لكن الفصل 492 من قانون الالتزامات والعقود يصفعه بواقع مغاير. هذا النص يمنع المسلمين حصراً من بيع المواد الغذائية قبل قبضها، في تكريس فقهي يعود لقرون خلت.
هنا تبرز المفارقة: المشرع المغربي يمنح "الامتياز التجاري" لغير المسلم، ويمنحه سرعة الدوران المالي والمضاربة، بينما يكبّل المسلم بقيود "القبض الفعلي". هل هو تشريع للدولة الحديثة أم "عقاب مادي" على الانتماء الديني؟
في الشق الجنائي، يتحول التمييز إلى "أداة قمعية" تلاحق المغاربة حسب هوياتهم الموروثة. الفصل 222 الشهير، الذي يعاقب على الإفطار العلني، لا يستهدف "المواطن" كذات قانونية، بل يستهدف "المسلم" حصراً.
هذا التمييز يخلق مواطنة من درجتين: مواطن (غير مسلم) يتمتع بكامل حريته في الأكل والشرب والتنقل، ومواطن (مسلم) تطارده "شرطة الأخلاق" في المقاهي والشوارع. إنها الحالة التي يتحول فيها النص القانوني من حامٍ للحريات إلى "مفتش للقلوب" و"حارس للمذاهب".
لا يتوقف الأمر عند المال والزنازين، بل يصل إلى عمق الروابط الأسرية. المادة 332 من مدونة الأسرة تقطع الشك باليقين: "لا توارث بين مسلم وغير مسلم". بهذا النص، يشرعن القانون "القطيعة" داخل الأسرة الواحدة؛ فالاختلاف في القناعات الروحية يؤدي آلياً إلى "إعدام مدني" للحق في التركة.
كيف يمكننا الحديث عن "دولة الحق والقانون" وشخص ينتمي لنفس الوطن والدم يُحرم من إرث والده لمجرد أنه اختار مساراً روحياً مختلفاً؟
إن بقاء هذه النصوص ليس صيانة للدين، بل هو تشويه لمنطق المواطنة. إن "التمييز على أساس الدين" في القانون المغربي هو بقايا من فكر "أهل الذمة" الذي لا مكان له في مغرب القرن الواحد والعشرين.
المطلوب اليوم ليس مجرد تعديلات طفيفة، بل "ثورة تشريعية" تحرر القانون من هيمنة الفقه الضيق، وتعيد الاعتبار للمواطن كفرد حر ومستقل، بغض النظر عما إذا كان يسجد في مسجد، أو يصلي في كنيسة، أو لا يؤمن بشيء على الإطلاق.
#حميد_بعلوان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟