عصام البرّام
أديب وأكاديمي ودبلوماسي
(Essam Albarram)
الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 08:32
المحور:
قضايا ثقافية
في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث وتُمحى الذاكرة تحت وطأة النسيان، يجيء كتاب «هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية للمفكر والاكاديمي العراقي الدكتور عبدالحسين شعبان ليعيد ترتيب المشهد، ويستدرك ما تسرب من وهج الأسماء العراقية التي أسهمت، منذ مطالع القرن العشرين، في رسم ملامح الفكر والسياسة والأدب والفن في العراق الحديث. ليس هذا الكتاب مجرّد تأريخ لأسماء عابرة أو تراجم لوجوه كانت، بل هو بمثابة خريطة ضوء تمتد من بدايات النهضة الفكرية الحديثة في العراق إلى تحولات الدولة والمجتمع، مستندًا إلى رؤية نقدية جمالية تتقاطع فيها الذاكرة بالتحليل، والتوثيق بالتأمل، والتاريخ بالوجدان.
يقرأ المؤلف شخصيات العراق الريادية بوصفها مكوناتٍ متشابكة في نسيج ثقافي واحد، لا كجزرٍ معزولة أو أصواتٍ متفرقة. فمن أحمد الحبوبي الوزير المثقف الذي جمع بين السياسة والوجدان الوطني، إلى بدر شاكر السياب الذي فجّر ثورة الشعر الحر، إلى المفكر الاجتماعي الدكتور علي الوردي الذي شخّص بنباهة جذر التناقض العراقي بين البداوة والحضارة، تتشكل في صفحات الكتاب بانوراما عراقية نابضة، تكاد تختصر قرناً من الإبداع والاضطراب معاً.
يمتاز الكتاب بقدرته على المزاوجة بين السرد التاريخي والتحليل الثقافي، فلا يكتفي بعرض السيرة، بل يُنصت إلى ما وراءها من إشارات إلى التحول في الذائقة والوعي. إنه يعيد قراءة العراق من خلال وجوهه المضيئة، تلك التي حاول الغبار السياسي أن يحجبها أو يشوّه أثرها، لكنه لم يفلح في طمس حضورها في الضمير الجمعي. كل شخصية تُستحضر هنا بوصفها مرآة لعصرها، وصوتاً من أصوات التحولات الكبرى التي عرفها البلد بين الملكية والجمهورية، بين الأيديولوجيا والحلم، بين الانفتاح والانكسار.
أحمد الحبوبي، مثلاً، لا يظهر في الكتاب بصفته وزيراً سابقاً فحسب، بل كرمزٍ لجيلٍ من المثقفين الذين حاولوا أن يزاوجوا بين نزاهة الفكرة ونزاهة الموقف. يعرض المؤلف سيرته ضمن سياق الدولة العراقية في الستينيات، حيث كانت السياسة حقل ألغامٍ، ولكنها أيضاً ساحة للتجريب الفكري ومحاولة بناء وطن مؤسساتي. في المقابل، نرى في الشاعر والسياسي أحمد الصافي النجفي صورة المثقف الذي حمل منفاه على كتفيه، وجعل من الشعر منبراً للتمرد على الجمود والظلم، فصاغ وجداناً عربياً متحرراً يطل من بوابة النجف إلى أفق أوسع، متجاوزاً الانغلاق إلى كونيةٍ إنسانية فريدة.
وحين ينتقل الكتاب إلى عوالم الشعر الحديث، تتجلّى صورة بدر شاكر السياب بوصفه الابن الأكثر تمرداً على اللغة الكلاسيكية. هنا يقدّم المؤلف قراءة تنفذ إلى أعماق تجربة السياب لا بوصفها تحوّلاً شكلياً في البنية الإيقاعية، بل كصرخة وجودية خرجت من رحم المعاناة العراقية. السياب في هذا الكتاب ليس مجرد شاعرٍ مؤسس، بل هو كائنٌ مأزوم بين الفردي والجمعي، بين المرض والحلم، بين الأنثى والوطن، وقد تحول شعره إلى ما يشبه السيرة الذاتية للعراق نفسه في النصف الثاني من القرن العشرين.
ولا ينسى الكتاب أن يتوقف عند محطاتٍ أساسية في مسار الأدب العراقي، فيتناول تجربة الأديب روفائيل بطي، الذي لم يكن مجرد صحافي وكاتب، بل أحد أبرز من أسس لفكرة الصحافة الثقافية الحرة في العراق، حاملاً مشروعاً تنويرياً ظل يتوهج رغم العواصف السياسية. وبالقرب من هذا الخط الفكري، يُستحضر الأديب والقاص غائب طعمة فرمان بوصفه رائد القصة العراقية الحديثة، الذي نقل تفاصيل بغداد الشعبية إلى العالمية، وفتح باب الرواية العراقية على أسئلة الهوية والمنفى والانتماء.
يتعمق المؤلف كذلك في قراءة تجربة الفريد سمعان، تلك الشخصية التي جمعت بين الشاعرية والروح النقابية، بين الإنسان المبدع والمواطن المكافح، إذ شكّل نموذجاً نادراً في الجمع بين الالتزام الاجتماعي والجمال الفني. وفي ضوء ذلك، يبدو الكتاب حريصاً على إبراز أن الثقافة العراقية لم تكن يوماً محصورة في نخبةٍ مغلقة، بل كانت دوماً ساحة مفتوحة للجدل، يتجاور فيها الشاعر والمناضل، والسياسي والفنان، والعالم والإنسان البسيط.
من أبرز ملامح هذا العمل أنه لا يتعامل مع الثقافة بمعناها النخبوي الضيق، بل يتسع ليشمل رموز الفن والمسرح والتشكيل، فيخصص فصولاً مؤثرة عن الفنان شوكت الربيعي الذي مثّل أحد أعمدة التشكيل العراقي، وعن الراحلة ناهد الرماح التي حملت على خشبة المسرح وجع الوطن بصوتها الجريء وملامحها الآسرة. في قراءته لهؤلاء الفنانين، لا يكتفي المؤلف بوصف أعمالهم، بل يحفر في عمق التجربة الفنية بوصفها فعلاً اجتماعياً مقاوماً، لا مجرد جماليات منفصلة عن الواقع.
ويحضر أيضاً في الكتاب المفكر والمناضل عزيز السيد جاسم، ذلك الصوت الإشكالي الذي جمع بين الوعي الفلسفي والالتزام الوطني، والذي ظل حتى استشهاده رمزاً للفكر الحر في وجه الاستبداد. هنا يتبدى الجانب الأخلاقي في الرؤية التي يقدمها المؤلف، فالثقافة في العراق لم تكن ترفاً، بل قدراً يكلّف أصحابه حياتهم أحياناً، وكان المثقف العراقي عبر قرنٍ كامل يعيش بين حدّين: الوجود والمحو.
أما السياسي كامل الجادرجي فيحضر في الكتاب بوصفه أحد رموز التنوير السياسي والمدني في العراق، ممثلاً للجيل الذي حلم بإقامة دولة دستورية تقوم على العدالة والمواطنة. ومن خلال قراءته للجادرجي وسعد صالح وغيرهما من رجال السياسة الذين جمعوا بين الفكرة الوطنية والضمير الاجتماعي، يكشف المؤلف عن خيطٍ سري يربط الثقافة بالسياسة، بوصفهما جناحين للمشروع العراقي الحديث.
وفي محور الفكر الاجتماعي، يحتل الدكتور علي الوردي مساحة واسعة من التأمل، إذ يقدّمه الكتاب باعتباره ضمير العراق العلمي الذي واجه مجتمعه بمرآةٍ لا ترحم. من خلال الوردي، يعيد المؤلف طرح سؤال الهوية العراقية في ضوء ازدواج الشخصية، تلك النظرية التي صارت مرجعاً في علم الاجتماع العربي. وفي استعراضه لتجربة الدكتور منذر الشاوي كأكاديمي ووزير قانوني ومثقف مؤسساتي، يتبدى وعي المؤلف بأهمية التوازن بين الفكر والممارسة، بين المثالية والواقعية في إدارة الدولة.
ولا يغفل الكتاب عن المشهد الكردي في الثقافة العراقية، فيستحضر تجربة الشاعر شيركو بيكاسيه (شيركو بيكسيه)، بوصفه صوتاً إنسانياً تجاوز حدود اللغة والقومية، وجعل من القصيدة الكردية جسراً للتواصل لا للحواجز. يقرأه المؤلف ضمن الإطار الأوسع للهوية الثقافية العراقية المتعددة، مؤكداً أن الضوء العراقي لا يصدر من منبعٍ واحد، بل من فسيفساءٍ متكاملة من اللغات والأصوات والانتماءات.
بهذا المعنى، تبدو «أنطولوجيا الثقافة العراقية» التي يقترحها الكتاب ليست مجرد جمعٍ لأسماء، بل مشروعاً لإعادة كتابة السردية العراقية من منظور الإنسان قبل الأيديولوجيا. إنه عملٌ يفتح الباب أمام الأجيال الجديدة لتستعيد ثقتها بجذورها، وتتعرف إلى الإرث الإبداعي الذي كثيراً ما همّشته السياسة وأهملته المؤسسات الرسمية. فالكتاب، في جوهره، دعوة إلى إعادة الاعتبار للثقافة كقوة ناعمة تعيد بناء الوجدان الوطني، وتمنح المستقبل أفقاً من التوازن بين الفكر والحرية.
أسلوب الكتاب يتميز بنبرة وجدانية تقترب من الشعر في مواضع، ومن النقد الأكاديمي في مواضع أخرى، وهو ما يمنحه سمةً هجينة تجمع بين الجمال والمعرفة. لغته تحتفي بالذاكرة وتستنطق الوثيقة، إذ يتعامل المؤلف مع الماضي لا كحنينٍ، بل كإمكانية لفهم الحاضر وإعادة تشكيله. ومن هنا جاء العنوان «هسهسات الضوء» إشارة رمزية إلى ذلك الوميض الخافت الذي لا يزال يلمع رغم ظلال الخراب، الضوء الذي يهمس في العتمة كي لا ينطفئ الإنسان العراقي.
يمكن القول إن هذا العمل يضع أمام القارئ خزاناً معرفياً ووجدانياً متكاملاً، يرسم صورة العراق لا من خلال الخرائط الجغرافية، بل من خلال الوجوه التي صنعت تاريخه الثقافي. إنه كتاب عن الذاكرة والمصير، عن الخسارات والانبعاثات، عن أمةٍ لا تزال تبحث في رموزها عن ذاتها. وفي هذا البحث يقدّم المؤلف رؤية عميقة لما يمكن أن نسميه «الهوية الثقافية المتصالحة مع التعدد»، تلك الهوية التي لا تخشى الاختلاف، بل ترى فيه مصدر قوتها واستمراريتها.
إن أهمية «هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية» لا تكمن فقط في مادته التوثيقية الثرية، بل في موقفه الفكري من الثقافة ذاتها؛ فهو لا يتعامل معها كمتحفٍ للذكريات، بل كحياة متجددة تحتاج إلى القراءة والتأمل كي تبقى حيّة. لذلك يخرج القارئ من صفحاته وهو يشعر بأن العراق، رغم ما مرّ به من محن، ما زال قادراً على أن يلد الجمال والفكر والنور. كل ما يحتاجه هو أن نصغي إلى تلك «الهسهسات» التي تأتي من أعماق تاريخه، فتوقظ فينا الإحساس بالمسؤولية تجاه إرثٍ لا يُقدّر بثمن.
بهذا المعنى، يكون الكتاب وثيقة حب ومعرفة للعراق، يقدمها مؤلفه بإيمانٍ بأن الثقافة لا تُقاس بعدد الكتب أو الجوائز، بل بقدرتها على حفظ الذاكرة من الضياع، وإضاءة الطريق لمن يأتي بعد. وحين نقرأ هذه الصفحات المضيئة، ندرك أن الضوء، وإن همس، يبقى أقوى من كل عتمة.
#عصام_البرّام (هاشتاغ)
Essam_Albarram#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟