أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عصام البرّام - العراق في مرآة الذاكرة والسلطة .. من سرديات الماضي إلى صراع المعنى في الحاضر















المزيد.....

العراق في مرآة الذاكرة والسلطة .. من سرديات الماضي إلى صراع المعنى في الحاضر


عصام البرّام
أديب وأكاديمي ودبلوماسي

(Essam Albarram)


الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 09:07
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراق، لا يُعدّ التاريخ مجرد خلفية زمنية للأحداث، بل هو عنصر فاعل في تشكيل الحاضر وصياغة ملامح الصراع السياسي والثقافي. فالذاكرة، بما تحمله من روايات متباينة عن الماضي، أصبحت أداة تُستخدم في بناء الشرعية، وتحديد الهوية، بل وحتى في إعادة إنتاج الانقسام. من هنا، يمكن فهم المشهد العراقي الراهن بوصفه ساحةً لصراعٍ لا يدور فقط على السلطة، بل على المعنى ذاته: من نحن؟ وأي عراق نريد؟
منذ تأسيس الدولة الحديثة، ظلّت مسألة الهوية الوطنية موضع شدّ وجذب بين روايات متعددة. فهناك من يرى العراق امتدادًا لحضارات وادي الرافدين، بما تحمله من رمزية كونية، وهناك من يربطه بالإرث العربي الإسلامي، فيما تبرز سرديات أخرى تعكس الهويات الكردية أو التركمانية أو غيرها. هذا التعدد في ذاته ليس إشكالًا، بل يصبح كذلك حين يُوظَّف سياسيًا لإقصاء الآخر، أو لفرض رواية واحدة بوصفها “الحقيقة”.
في ظل الأنظمة السياسية المتعاقبة، جرى توظيف الذاكرة بشكل انتقائي. فبعض الفترات التاريخية تم تضخيمها، وأخرى تم تهميشها أو حتى محوها من الخطاب الرسمي. هذا التلاعب بالذاكرة لم يكن بريئًا، بل كان جزءًا من مشروع السلطة لبناء هوية تخدم استقرارها. غير أن هذه السياسات تركت آثارًا عميقة، حيث لم تتشكل ذاكرة وطنية جامعة، بل تعددت “الذاكرات”، كل منها يعكس تجربة جماعة معينة، وغالبًا ما تكون متناقضة مع غيرها.
بعد 2003، لم يؤدّ سقوط النظام إلى توحيد هذه السرديات، بل على العكس، فتح المجال أمام انفجارها. فكل مكوّن سعى إلى إعادة كتابة تاريخه، وتثبيت روايته في الفضاء العام، سواء عبر الإعلام أو التعليم أو الخطاب السياسي. وهكذا، تحوّل التاريخ إلى ساحة تنافس، تُستخدم فيها الذاكرة كأداة للهيمنة الرمزية، وليس فقط للفهم أو التوثيق.
هذا الصراع على الذاكرة انعكس بشكل مباشر على الواقع السياسي. فبدل أن يكون الماضي مصدرًا للتعلّم، أصبح عبئًا يُعاد استحضاره لتبرير المواقف أو تأجيج الصراعات. فالأحداث التاريخية تُستدعى غالبًا في لحظات التوتر، لتأكيد مظلومية جماعة أو لإدانة أخرى، ما يعمّق الانقسام ويُضعف إمكانية بناء مشروع وطني مشترك.
لكن، في مقابل هذا الاستخدام السياسي للذاكرة، تبرز محاولات ثقافية وفكرية لإعادة قراءتها بشكل نقدي. فعدد من المثقفين والباحثين العراقيين يسعون إلى تفكيك السرديات السائدة، وكشف تناقضاتها، والدعوة إلى تبني مقاربة أكثر شمولًا وإنصافًا للتاريخ. هذه الجهود، وإن كانت محدودة التأثير حتى الآن، تمثل خطوة مهمة نحو بناء وعي تاريخي جديد، لا يقوم على الإقصاء بل على التعدد.
كما لعب الإعلام أيضًا دورًا محوريًا في هذا السياق. فالقنوات والصحف والمنصات الرقمية لا تكتفي بنقل الأخبار، بل تساهم في تشكيل الوعي الجماعي، من خلال اختيار ما يُعرض وكيف يُعرض. وفي كثير من الأحيان، تُسهم هذه الوسائل في ترسيخ الانقسام، عبر تبنّي خطاب منحاز أو تحريضي. غير أن هناك أيضًا نماذج إعلامية تحاول تقديم محتوى متوازن، يفتح المجال للنقاش ويشجع على التفكير النقدي.
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال دور الأجيال الجديدة في إعادة تشكيل العلاقة مع الذاكرة. فالشباب العراقي، الذي نشأ في ظل الحروب والاضطرابات، يبدو أقل ارتباطًا بالسرديات التقليدية، وأكثر ميلًا إلى البحث عن هوية تتجاوز الانقسامات. وقد تجلّى ذلك في الحركات الاحتجاجية التي رفعت شعارات وطنية جامعة، ورفضت استخدام التاريخ كأداة للفرقة.
غير أن هذا التحول لا يخلو من التحديات. فبناء ذاكرة وطنية مشتركة يتطلب أكثر من مجرد نوايا حسنة؛ إنه يحتاج إلى مؤسسات تعليمية وثقافية قادرة على تقديم رواية متوازنة، تعترف بالتعدد دون أن تنزلق إلى التفكك. كما يتطلب إرادة سياسية حقيقية للابتعاد عن توظيف التاريخ لأغراض آنية.
في النهاية، يمكن القول إن العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يظل أسيرًا لذاكرة مجزأة تُستخدم لتعميق الانقسام، أو أن يسعى إلى إعادة بناء هذه الذاكرة على أسس جديدة، تُسهم في تعزيز الوحدة دون إنكار التنوع. هذا الخيار ليس سهلًا، لكنه ضروري إذا ما أراد العراق أن ينتقل من صراع المعاني إلى بناء المعنى، ومن تعدد الروايات إلى تعددية متصالحة.
فالتاريخ، في جوهره، ليس مجرد ما حدث، بل كيف نختار أن نتذكره. وفي هذا الاختيار، تتحدد ملامح المستقبل.
يمكن توسيع هذا النقاش عبر التوقف عند دور التعليم بوصفه أحد أهم الحقول التي يُعاد فيها تشكيل الذاكرة الجمعية في العراق. فالمناهج الدراسية ليست مجرد أدوات لنقل المعرفة، بل هي أيضًا وسائل لصياغة وعي الأجيال الجديدة تجاه تاريخهم وهويتهم. وفي الحالة العراقية، عانت هذه المناهج من تغيّرات متكررة تبعًا للتحولات السياسية، ما جعلها في كثير من الأحيان تعكس رؤية السلطة أكثر مما تعبّر عن قراءة علمية متوازنة للتاريخ. هذا التذبذب أسهم في إنتاج أجيال تحمل تصورات متباينة، بل ومتناقضة، حول الأحداث والشخصيات التاريخية، الأمر الذي يعقّد مهمة بناء سردية وطنية مشتركة.
إلى جانب التعليم، يبرز الفضاء الرقمي كعامل جديد ومؤثر في تشكيل الذاكرة. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت منصة مفتوحة لإعادة تداول الروايات التاريخية، سواء بشكل موثّق أو مشوّه. هذا الانفتاح أتاح فرصة لكسر احتكار الدولة أو النخب التقليدية للسرد التاريخي، لكنه في الوقت ذاته فتح الباب أمام انتشار معلومات غير دقيقة، أو حتى مضلّلة، تُستخدم أحيانًا لتأجيج الانقسامات. وهنا تتعاظم الحاجة إلى تعزيز مهارات التفكير النقدي لدى الجمهور، بحيث لا يكون متلقيًا سلبيًا، بل فاعلًا قادرًا على التمييز بين السرديات المختلفة.
كما يمكن الإشارة إلى أهمية العدالة الانتقالية في هذا السياق، بوصفها آلية تساعد على معالجة إرث الماضي بطريقة مؤسسية. فبدون الاعتراف بالانتهاكات التي شهدتها فترات مختلفة، ومحاسبة المسؤولين عنها، سيبقى التاريخ مفتوحًا على جراح لم تلتئم، ما يسهل استدعاءه في كل لحظة توتر. إن بناء ذاكرة متصالحة لا يعني نسيان الماضي، بل مواجهته بشجاعة، وتحويله إلى درس جماعي يساهم في منع تكرار الأخطاء.
بهذا المعنى، فإن معركة الذاكرة في العراق ليست شأنًا ثقافيًا فحسب، بل هي جزء لا يتجزأ من مشروع بناء الدولة نفسها. فكلما كانت الذاكرة أكثر توازنًا وشمولًا، زادت فرص تحقيق الاستقرار، والعكس صحيح.



#عصام_البرّام (هاشتاغ)       Essam_Albarram#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرواية من الملاحم الى الحداثة ومابعدها
- المجتمع صانع التربية أم ضحيتها؟ قراءة ثقافية
- مؤرخونا وكتابة التأريخ
- الرواية العربية بين سؤال الهوية وتحولات الحداثة
- رولا خالد غانم في نبضاتها المحرّمة..معزوفة ذاكرة فلسطينيّة.


المزيد.....




- عاجل | حزب الله: ندعو السلطة اللبنانية إلى وقف مسلسل التنازل ...
- هل تتكرر خلافاتك مع شريكك؟.. 5 تمارين بسيطة قد توقف التصعيد ...
- كيف تحاول غرف الأخبار تحويل الجمهور من مشتركين إلى منتمين؟
- سيارات وايمو ذاتية القيادة تغزو أحد أحياء أتلانتا وتثير ذعر ...
- من فيينا إلى باريس.. تظاهرات تطالب بمحاكمة مجرمي الحرب في إس ...
- غداة تمديد الهدنة.. سلسلة غارات إسرائيلية على جنوب لبنان
- بعد انتهاء ولاية الرئيس.. -شبح الماضي- يطل برأسه في الصومال ...
- 3 أهداف.. هذا ما أرادته إيران من اختراق أنظمة وقود أميركية
- -سنتكوم-: تحويل مسار 78 سفينة تجارية كانت متجهة إلى إيران
- أول تعليق لـ-حماس- على مقتل القائد العام لكتائب القسام عز ال ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عصام البرّام - العراق في مرآة الذاكرة والسلطة .. من سرديات الماضي إلى صراع المعنى في الحاضر