|
|
مؤرخونا وكتابة التأريخ
عصام البرّام
الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 04:51
المحور:
الادب والفن
د. عصام البرّام في زمن تتزايد فيه الحاجة لفهم الماضي ولفهم الحاضر وآستشراف المستقبل، يصبح السؤال الجوهري: التأريخ، كتابته وفهمه، وتحليل أحداثه بتجرد، بعيداً عن التعصب. هل التأريخ كما نقرؤه اليوم هو ما حدث فعلاً؟ أم هو ما رواه من آمتلك القلم والصوت والسلطة في زمانه؟ لا يخفى على أحد أن التأريخ ظلّ في كثير من الأحيان مرآة لمن كتبوه، يتلّونون بألوان معتقداتهم، أو يخدمون أهواء أنظمتهم، أو يرضخون لقيود زمانهم. فهل من سبيل الى (الحقيقة التأريخية) ؟ وما مسؤولية المؤرخ في هذا السياق؟ التأريخ بين الرواية والحقيقة الحقيقة التأريخية ليست ماضِ جامد يمكن آستحضاره كما هو، بل هي بناء معقّد يتشكل من وقائع، وروايات، وتحليلات، وسياقات، فضلاً عن الكتابة المنهجية العلمية. لا يمكن آختزالها في تسلسل زمني جامد أو سرد سطحي للأحداث. لذا فالتأريخ ليس تكرار لما قيل، بل عملية فكرية نقدية تحليلية تتطلب أدوات علمية ومنهجاً موضوعياً صارماً. فالمؤرخ ليس مجرد ناقل للروايات، بل هو باحث يسعى خلف الحقيقة المدفونة في ركام الزمن، وعليه أن يقرأ بين السطور، ويكشفف ما تم إخفاؤه، ويشكك فيما يُقدّم له على أنه يقين. إن القاعدة الذهبية الأولى للمؤرخ هي التحقيق النقدي للمصادر (النقد المصدري). أي التحقيق من طبيعة المصدر؛ هل هو مصدر أولي كرسالة علمية رسمية، أم وثيقة معاصرة، أو شهادة عيان؟ أم مصدر ثانوي ككتب لاحقة أو شهادات منقولة؟ ثم يأتي سؤال لا يقل أهمية: ما هي دوافع كاتب المصدر؟ هل كان جزءاً من السلطة؟ أم هل يكتب سؤال لا يقل أهمية، ما دوافع كاتب المصدر؟ هل كان جزءاً من السلطة؟ هل يكتب تحت تأثير أيديولوجي معين؟ هل كتب في لحظة غضب، أم ندم أم نصر أم هزيمة؟ المؤرخ الحق لا يثق بسهولة، بل يشك ويفكك، ويقارن بين المصادر ويعرضها على ضوء العقل والمعرفة والقرائن. المؤرخ الحق لا يثق بسهولة، بل يشكك ويفككك، ويقارن بين المصادر، ويعرضها على ضوء العقل والمعرفة والقرائن. لا يمكن فهم حدث تأريخي بمعزل عن محيطه الزمني والثقافي والاجتماعي. فعلى سبيل المثال، لا معنى للحكم على الثورات أو الحروب أو القرارات السياسية دون إدراك الواقع الاقتصادي والنفسي والثقافي الذي أفرزها فالتأريخ ليس مشهداً من مسرحية، بل نسيج معقّد من الظروف والدوافع المتشابكة. إنّ واحدة من أخطر آفات كتابة التأريخ هي التحّيز ، سواء كان دينياً أو قومياً أو أيديولوجياً، أو عاطفياً. فالمؤرخ الملتزم لا يسمح لإنتمائه أو قناعته أن تعميه عن رؤية الحقيقة كما هي، حتى لو كانت قاسية أو صادمة. مهمته ليست تجميل الماضي أو تشويهه، بل عرضه كما هو، بلا رتوش ولا تزويق. وهنا نقول: ليس من الضروري أن يكون المؤرخ (محايداً) بالكامل، لأن الحياد الكامل ضرب من المستحيل، لكن عليه أن يكون نزيهاً، واعياً بأنحيازاته، وملتزماً بالحقائق.
التحليل لا السرد المؤرخ لا يُطلب منه أن يسرد(ما حدث) فحسب، بل أن يُفسر لماذا حدث، وكيف حدث، وما نتائجه؟ بمعنى أن يتحول من مؤرخ الى محلل. وهذا يتطلب منه فهماً عميقاً لعلوم أخرى كعلم الإجتماع، والاقتصاد، والانثروبولوجيا ، وحتى علم النفس السياسي. في زمن الثورة الرقمية، لا يجوز أن يظل المؤرخ حبيس المخطوطات. ينبغي أن يستفيد من أدوات التكنولوجيا الحديثة: الأرشيفات الرقمية، الذكاء الاصطناعي في تحليل النصوص، قواعد البيانات التأريخية، تقنيات التوثيق البصري والسمعي. هذه الادوات تُعيد رسم صورة أكثر دقة وأقرب للحقيقة. المؤرخ الصادق يعترف حين لا يجد جواباً، ولا يملأ الفجوات بالتخمين أو الرغبة. يقول: لا نعلم أو توجد روايتان أو لم تثبت الرواية . هذا النوع من الأمانة الفكرية هو جوهر الأساس في التأريخ العلمي، وهو ما يميّز الباحث عن الداعية أو الواعظ.
كتابة التأريخ ليست ترفاً فكرياً أو تمريناً أدبياً، بل هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية وعلمية. لأن ما يُكتب اليوم سيُبنى عليه وعي الأجيال القادمة، وقد يُستخدم لتبرير سياسات، أو إعادة تشكيل هويات، أو تسويغ صراعات. لذلك ، فإننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، الى مؤرخين لا يخافون من الحقيقة، ولا يرضخون للسلطة أو الهوى، بل يفتشون في أعماق الماضي ليضيئوا لنا الطريق. ففي زمن الضجيج، يصبح التأريخ الصادق مقاومة. وفي عصر النسيان، يصير المؤرخ الحقيقي حارساً للذاكرة.
التحديات والآمال تزداد الحاجة اليوم الى طرح تساؤلات جذرية حول الطريقة التي يُكتب بها التأريخ العربي. فالتأريخ، في الوعي الجمعي العربي، ظل حبيساً في ثنائية (تمجد الماضي) أو (تسطيح الحاضر) متأرجحاً بين روايات آنتقائية تقدّس الفتوحات والانتصارات، وأخرى تغرق في جلد الذات وتأريخ الهزائم، من دون محاولة فهم الجذور العميقة للأحداث أو آستيعاب تعقيداتها. أحد أبرز التحديات التي تواجه التأريخ العربي المعاصر هي التسييس المفرط للتأريخ. فكثير من الأنظمة العربية، منذ نشوء الدول الحديثة بعد الإستعمار، سعت الى إعادة صياغة التأريخ بما يخدم شرعيتها السياسية أو يعزز (السردية الوطنية) التي تنتقي من الماضي ما يدعم خطاب الحاكم أو يُقصي الخصوم. وهكذا، تمّ إسكات روايات الشعوب، والمهمّشين، والأقليات، بل وحتى النُخب المعارضة، لصالح (تأريخ رسمي) يكرّس رواية السلطة.
فتأريخ الاستعمار مثلاُ، لم يُكتب غالباً من منظور الضحايا أو المجتمعات التي عانت، بل من خلال سرديات التفاوض السياسي والدبلوماسي، وتم تجاهل أصوات المقاومة الشعبية والنسائية والريفية. كذلك، لا تزال الفتوحات الإسلامية تُدّرس غالباً بمنظور بطولي يخفي النقاشات الأخلاقية والاجتماعية التي دارت حولها في حينها، دون تفكيك علاقتها ببنية القوة والسلطة آنذاك. من هنا تبرز أهمية ما يُعرف اليوم في علم التأريخ ب(التأريخ السفلي أو الاسفل) ؛ وهوآتجاه أكاديمي يركّز على إعادة كتابة التأريخ من خلال روايات أفراد الشعوب من النساء والفلاحين والعمال وأرباب الحرف وأصحاب الصوت المغيّب، بدلاً من التركيز فقط على النُخب السياسة والعسكرية. هذا النوع من التأريخ يُعيد التوازن للصورة، ويمنح الماضي صوتاً لأكثر تنوعاً وعدالة.
لكن الصعوبات لا تقف عند المحتوى، بل تشمل أيضاً ضعف البنية البحثية والاكاديمية. فالكثير من الجامعات العربية لا تكرّس تمويلاً جاداً للبحوث التأريخية، ولا توفّر أرشيفات رقمية مفتوحة، بل تسود ثقافة التلقين والحفظ على حساب البحث النقدي والتحليلي. كما أن الوصول الى الوثائق التأريخية لا يزال محاطاً بقيود بيروقراطية أو سياسية، تمنع الباحثين من الغوص في ملفات حساسة أو مهمّشة. رغم ذلك، فإن هناك مؤشرات واعدة على نهضة جديدة في كتابة التأريخ العربي، خاصة من جيل جديد من الباحثين والاكادميين الذين تلقّوا تعليماً نقدياً، ويستخدمون أدوات متعددة مثل علم الإجتماع واللسانيات والأنثروبولوجيا في قراءة الماضي. نشهد اليوم تحولات في دراسة مواضيع مثل تأريخ النساء، تأريخ العبودية، وتاريخ الأقليات، وهي ملفات كانت مهمّشة لعقود طويلة. كذلك، بدأت تظهر مبادرات رقمية وأرشيفات الكترونية، كذلك، بدأت تظهر مبادرات رقمية وأرشيفات إلكترونية تعيد أرشفة التراث والوثائق، مثل "أرشيف الشرق الأوسط الرقمي"، أو مشروعات التوثيق الشفهي التي تسجل شهادات شهود العيان، والتي تمثل ثروة لا تقدّر بثمن، خاصة في توثيق الحروب والهجرات والنكبات السياسية. إن التحوّل من التأريخ السلطوي إلى التأريخ التحليلي النقدي هو مسار طويل، يتطلب بنية علمية متماسكة، واستقلالًا أكاديميًا، ووعيًا ثقافيًا بأهمية التعدد في السرديات. فليس المطلوب أن نكتب "تاريخًا واحدًا"، بل أن نعترف بتعدّد الروايات، وبأن الحقيقة التاريخية تُبنى من الحوار بين المصادر، لا من استبداد رواية واحدة. إن كتابة التاريخ مسؤولية فكرية وأخلاقية تتجاوز حدود التوثيق إلى عمق الفهم والتحليل. فالتاريخ ليس فقط ما جرى، بل هو ما اخترنا أن نرويه مما جرى، وما أسكتناه، وما فسّرناه، وما تجاهلناه. ولهذا، فإن المؤرخ في العصر الحديث، سواء في العالم العربي أو خارجه، يجب أن يتحلى بصفات الباحث الحر، المفكر النقدي، والإنسان المنفتح على التعدد والتعقيد. إن إعادة النظر في كيفية كتابة التاريخ ليست مسألة تخص الأكاديميين فقط، بل هي مسألة تهم كل الشعوب الساعية لفهم ذاتها، وإعادة بناء وعيها، وتحرير مستقبلها من قيود الروايات الرسمية أو الأوهام الجماعية. فكل جيل يكتب تأريخه، وكل تاريخ نكتبه يعيد تشكيل هويتنا، ولعل أعظم ما يمكن أن يصنعه المؤرخ، هو أن يجعل من الماضي أداة للتفكير، لا للتبرير.
#عصام_البرّام (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الرواية العربية بين سؤال الهوية وتحولات الحداثة
-
رولا خالد غانم في نبضاتها المحرّمة..معزوفة ذاكرة فلسطينيّة.
المزيد.....
-
فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و
...
-
سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا
...
-
في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
-
ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل
...
-
فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع
...
-
-عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه
...
-
مقابلة خاصة - الشاعرة التونسية -ريم الوريمي- ترسم بقصيدتها ل
...
-
عراقجي: إرتقاء الدكتور -لاريجاني- شكّل غيابا لاحد الركائز ال
...
-
وداعا عادل العتيبي.. رحيل مفاجئ لنجم -طاش ما طاش- يصدم الوسط
...
-
الاعتدال العنيد: قراءة في العقل السياسي والتحولات الفكرية لح
...
المزيد.....
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
المزيد.....
|