|
|
الرواية من الملاحم الى الحداثة ومابعدها
عصام البرّام
الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 08:16
المحور:
قضايا ثقافية
منذ أن اكتشف الإنسان صوته الأول وهو يروي، بدأ التاريخ يتكوّن من حكايات لا من أحداث. فالكلمة كانت أول الأوطان، والقصص هي ما حفظت الذاكرة الإنسانية من الضياع في غبار الأزمنة. وقبل أن يُدوَّن التاريخ على الحجر أو الرق أو الورق، كان يُروى على ألسنة الشعراء والرواة، وكانت الملاحم أول تجليات الوعي الجمعي بالحياة والموت والبطولة والمصير. تلك الملاحم التي جمعت بين الخيال والتاريخ، بين الحقيقة والأسطورة، كانت البذرة الأولى لما نسميه اليوم الأدب، بل كانت النواة التي تفرّع عنها المسرح والرواية وكل فن يحمل في جوهره بعداً درامياً يعبّر عن صراع الإنسان مع نفسه ومع العالم. من الأسطورة إلى الوعي الأول بالدراما في الملاحم القديمة، مثل ملحمة جلجامش السومرية أو الإلياذة والأوديسة عند الإغريق أو المهابهاراتا والرامايانا في الهند، نجد الإنسان يقف في مواجهة القدر، يحاول أن يفهم معنى الوجود، وأن يتحدّى حدود الفناء. كانت الملاحم نصوصاً جماعية لا تُنسب إلى مؤلف واحد بل إلى ذاكرة أمة بأكملها. ولهذا كانت تحتفظ بطابعها الشفهي، وتنتقل من جيل إلى آخر محمّلة بروح الجماعة ومخاوفها وأحلامها. البعد الدرامي فيها لم يكن منفصلاً عن بعدها التأريخي، فالبطل الملحمي هو صورة مكثّفة للجماعة كلها، وصراعه مع القوى الخارقة أو الأعداء أو القدر ليس سوى تمثيل رمزي لصراع الإنسان الأول مع الطبيعة والموت والزمن. عندما نقرأ ملحمة جلجامش نكتشف أن السؤال المحوري فيها ليس الحرب ولا السلطة بل الخلود، وهو سؤال الإنسان الأبدي. والدراما التي تتولّد من هذا السؤال تعكس رحلة وعي من القوة إلى الهشاشة، من الألوهية إلى الإنسانية. فجلجامش الذي يبدأ ملكاً طاغياً ينتهي باحثاً عن سر الخلود، ليكتشف في النهاية أن الخلود الحقيقي ليس في الجسد بل في الأثر، في الكلمة، في الذاكرة. وهنا تتجلى اللحظة التي تلتقي فيها الدراما بالتاريخ، لأن الخلود الذي ينشده البطل لا يتحقق إلا عبر الحكاية التي تروي بطولته، أي عبر فعل الكتابة نفسه. الإغريق: من الملحمة إلى المسرح مع الإغريق بلغت الملاحم ذروة الصياغة الفنية، إذ تحولت من قصص بطولية إلى أعمال تحمل تأملاً فلسفياً في معنى القدر والعلاقة بين الإنسان والآلهة. الإلياذة لم تكن مجرد سجل للحروب الطروادية، بل كانت مرآة للإنسان حين يُلقى في قلب العنف والدمار فيكتشف هشاشته. أما الأوديسة فهي أول رواية عن السفر الروحي، عن رحلة العودة إلى الذات بعد التيه. في هاتين الملحمتين يتداخل البعد الدرامي مع التأريخي، فالأحداث قد تكون مستلهمة من وقائع حقيقية، لكنها تعيد صياغة التاريخ في شكل رمزي، لتجعل من الأسطورة مرآة للواقع ومن الواقع مادة للأسطورة. ومن رحم هذا التداخل وُلد المسرح الإغريقي الذي حوّل الملحمة إلى مشهد حيّ على الخشبة، وجعل من الدراما فعلاً جماعياً يواجه الجمهور ذاته بأسئلته الكبرى. التراجيديات الكبرى عند سوفوكليس ويوربيديس وأسخيلوس كانت استمراراً لروح الملاحم، ولكن بوعي أكثر تركيزاً بالدراما الداخلية للإنسان. هنا لم يعد البطل مجرد محارب أو ملك بل أصبح إنساناً ممزقاً بين الواجب والرغبة، بين العدل والقدر، بين المعرفة والعمى. ومع هذا التحول بدأت بذور الرواية تتكوّن في رحم الدراما، تنتظر قروناً طويلة لتولد من جديد في شكل مختلف. من الفروسية إلى الوعي الفردي في العصور الوسطى الأوروبية استمرت الملاحم في أشكال جديدة مثل أنشودة رولان وملحمة السيد والنيبلونغن، لكنها بدأت تكتسب طابعاً أكثر تأريخية، إذ أصبحت تسجل بطولات فرسان حقيقيين وأحداثاً قريبة العهد بالناس. ومع عصر النهضة، تبدل موقع الإنسان من التبعية للأسطورة إلى البحث عن ذاته في العالم الواقعي. هنا بدأت الرواية الحديثة تتشكل على مهل، وكانت تحولات الوعي واللغة والتاريخ كلها تمهّد الطريق لولادتها. ظهر دون كيشوت لثيربانتس في مطلع القرن السابع عشر ليعلن تلك الولادة بجرأة وسخرية. فالبطل الذي خرج من صفحات الملاحم ليواجه العالم الواقعي يسقط ويتعثر ويصبح مادة للضحك، كأنما يقول لنا الكاتب إن البطولة القديمة لم تعد ممكنة في زمن العقل والتجارة والتغير. البعد الدرامي هنا ينبع من المفارقة بين الوهم والواقع، بين الحلم القديم والفكر الجديد، بين الفرد الذي يريد أن يكون بطلاً والعصر الذي لم يعد يؤمن بالأبطال. وهكذا أصبحت الرواية فناً يعيد النظر في الموروث الملحمي ليكشف عن هشاشته أمام واقع يتبدل بسرعة. القرن التاسع عشر: الرواية مرآة التاريخ في القرن التاسع عشر بلغت الرواية ذروة الوعي التاريخي. عند بلزاك وديكنز وفلوبير وتولستوي أصبحت الرواية سجلاً للمجتمع ولتحولاته، ومختبراً لفهم الإنسان في صراعه مع القوى الاقتصادية والسياسية والأخلاقية. في الحرب والسلام تتجلى الدراما والتاريخ في تفاعل متكامل، إذ لا يعود التاريخ مجرد خلفية للأحداث بل يصبح أحد أبطال الرواية. الحرب هنا ليست حدثاً خارجياً فحسب، بل هي مرآة لصراع داخلي في النفس البشرية بين الحب والموت، بين الفرد والمصير الجمعي. تولستوي يكتب التاريخ لا كما كان بل كما عاشه الناس، وكأن الرواية أصبحت أداة لفهم الماضي لا لتوثيقه فقط. القرن العشرون: عودة الملحمة في ثوب جديد مع القرن العشرين، اتسعت آفاق الرواية لتحتضن أبعاداً جديدة من الدراما والتاريخ. لم تعد الرواية مجرد حكاية عن أحداث واقعية، بل صارت مختبراً للوعي وللزمن نفسه. في عوليس لجيمس جويس يتحول يوم واحد في حياة إنسان عادي إلى ملحمة معاصرة، يستعيد فيها الكاتب بنية الملاحم القديمة لكنه يملؤها بمادة الحياة اليومية، كأنما يريد أن يقول إن البطولة لم تعد في الحرب بل في الصمود داخل رتابة الحياة الحديثة. وفي مئة عام من العزلة لغابرييل غارسيا ماركيز يصبح التاريخ أسطورة جديدة، وتمتزج الواقعية بالسحر لتصنع ملحمة العصر الحديث عن الإنسان الأمريكي اللاتيني الذي يواجه نسيان العالم ونسيان نفسه. الدراما في الرواية الحديثة لم تعد تبحث عن البطل المنتصر بل عن الإنسان الذي يواجه العبث والفقد، والتاريخ لم يعد خطاً زمنياً متصلاً بل شظايا ذاكرة متكسرة. ومع كل هذا التحول ظلت الرواية تحمل في عمقها جوهر الملحمة القديمة، ذلك السعي الأبدي لفهم المصير الإنساني. الرواية: مسرح الوعي والزمن إن البعد الدرامي في الأدب هو ما يمنحه نبضه الإنساني، لأنه يتجسد في الصراع، في التوتر بين ما نريده وما يحدث لنا، بين الحلم والواقع. أما البعد التأريخي فهو ما يمنحه عمقه، لأنه يربط الفرد بزمنه وجماعته ومصيره المشترك. وكل عمل أدبي عظيم ينجح في المزج بين هذين البعدين بطريقة تكشف عن لحظة الإنسان في التاريخ. حين نقرأ الأرض لعبد الرحمن الشرقاوي أو الثلاثية لنجيب محفوظ أو الطاعون لألبير كامو، نجد أن الدراما لا تنفصل عن التاريخ، وأن التاريخ لا يظهر إلا من خلال الدراما الشخصية للأفراد. في هذا الالتقاء بين الخاص والعام، بين الذات والجماعة، تولد الرواية كفن جامع لتجربة الإنسان. الرواية، بخلاف سائر الفنون، تمتلك قدرة فريدة على احتواء الزمن. فهي ليست مجرد سرد لما حدث، بل هي طريقة في فهم كيف يحدث التاريخ في النفوس والعقول. إنها مسرح داخلي وخارجي في آن، تتجاور فيه الأزمنة وتتشابك المصائر، حتى يصبح القارئ نفسه جزءاً من اللعبة الدرامية والتاريخية. ولهذا كانت الرواية هي الوريثة الطبيعية للملاحم، لأنها احتفظت بروحها، لكنها حولتها إلى تجربة فردية أكثر عمقاً وإنسانية. من الخلود البطولي إلى الخلود بالوعي في عصر العولمة والتكنولوجيا، تغير شكل الرواية لكنها لم تفقد جوهرها. ربما تخلت عن السرد الخطي وعن البطل المركزي، وربما أصبحت أكثر تجريباً وتفككاً، لكن صراع الإنسان مع الزمن والمصير ما زال قلبها النابض. الملاحم القديمة كانت تسعى إلى الخلود من خلال البطولة، أما الرواية الحديثة فتسعى إلى الخلود من خلال الوعي. كلاهما يحاول أن يجيب عن السؤال ذاته: كيف يمكن للكلمة أن تهزم الفناء؟ إن البعد الدرامي والتأريخي في الأدب ليس مجرد تقنية فنية بل هو تعبير عن جوهر التجربة الإنسانية. فالدراما تعني الوعي بالصراع، والتاريخ يعني الوعي بالزمن، ومن التقاء الصراع والزمن يولد المعنى. ومن هذا المعنى يبقى الأدب جسراً بين الماضي والمستقبل، بين الفرد والعالم، بين الحقيقة والحلم. من الملاحم الأولى التي روت سيرة الآلهة والملوك إلى الروايات المعاصرة التي تروي سيرة الإنسان العادي، يسير الأدب في مسار واحد لا ينتهي، مسار البحث عن الذات في وجه العدم. وهكذا نكتشف أن الرواية ليست سوى وجه آخر للملحمة، وأن الملحمة كانت الرواية الأولى للبشرية. كلاهما يروي حكاية الإنسان وهو يعبر تاريخه بدمه ووعيه وأحلامه. وما دام في الإنسان شغف بالسؤال، وما دام في العالم صراع بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، فسيظل الأدب يعيد صياغة الملاحم في شكل روايات، ويمنح التاريخ بعده الدرامي الذي يجعله أكثر حياة وخلوداً.
#عصام_البرّام (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المجتمع صانع التربية أم ضحيتها؟ قراءة ثقافية
-
مؤرخونا وكتابة التأريخ
-
الرواية العربية بين سؤال الهوية وتحولات الحداثة
-
رولا خالد غانم في نبضاتها المحرّمة..معزوفة ذاكرة فلسطينيّة.
المزيد.....
-
فساتين مطرزة وبدلات أنيقة.. مبادرة إماراتية تنظم حفل زفاف جم
...
-
لأول مرة.. الولايات المتحدة وإسرائيل تتفاوضان على تقليص تدر
...
-
نتنياهو يقطع جلسة محاكمته لحضور اجتماع أمني وهرتسوغ يلوّح بت
...
-
رغم التراشق حول حرب إيران .. ميرتس يتمسّك بعلاقته مع ترامب
-
الجزائر.. انتقاد طريقة إنقاذ أطفال من السيل
-
الجزيرة ترصد واقع سكان بلدات جنوب لبنان.. كيف يعيش سكان رميش
...
-
ماذا تريد إسرائيل من إنشاء -خط الدفاع- الجديد في لبنان؟
-
استئناف الرحلات الجوية في مطار الخميني بطهران
-
أول إفادة بشأن حرب إيران.. وزير الحرب الأمريكي يواجه مساءلة
...
-
ترامب: على إيران أن تصبح أكثر ذكاء
المزيد.....
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
-
المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين
...
/ أمين أحمد ثابت
-
في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|