أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عصام البرّام - هل تتحول غزة من ضحية إلى فاعل رمزي في إعادة تشكيل الخطاب الفلسطيني؟















المزيد.....

هل تتحول غزة من ضحية إلى فاعل رمزي في إعادة تشكيل الخطاب الفلسطيني؟


عصام البرّام
أديب وأكاديمي ودبلوماسي

(Essam Albarram)


الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 02:30
المحور: قضايا ثقافية
    


لم تعد غزة مجرد مساحة جغرافية محاصرة على ضفاف المتوسط، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مركز رمزي كثيف الدلالة في الوعي الفلسطيني والعربي والدولي. وبين صور الدمار المتكررة، وسرديات الألم، وبيانات السياسة، يبرز سؤال جوهري؛ هل بقيت غزة أسيرة صورة (الضحية) في المخيال السياسي، أم أنها بدأت تتحول إلى (فاعل رمزي) يعيد صياغة الخطاب الفلسطيني برمته؟
هذا السؤال لا ينفصل عن السياق السياسي العام للصراع مع إسرائيل، ولا عن تعقيدات المشهد الفلسطيني الداخلي بين حركة حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية، لكنه يتجاوزهما إلى مستوى أعمق، مستوى المعنى، والتمثيل، والقدرة على إنتاج رواية مؤثرة في الوعي العام.
صورة الضحية في الخطاب التقليدي
منذ سنوات الحصار والحروب المتعاقبة، ترسخت صورة غزة في الإعلام العربي والعالمي بوصفها فضاءً للكارثة الإنسانية، انقطاع كهرباء، انهيار بنى تحتية، معدلات بطالة مرتفعة، ودمار واسع في كل جولة تصعيد. هذه الصورة، على قسوتها وواقعيتها، وضعت غزة في إطار إنساني بحت، حيث يتم اختزالها في معادلة الألم والمعاناة.
سياسيًا، كان هذا التوصيف يخدم في أحيان كثيرة خطابًا يقوم على استدرار التعاطف الدولي، واستحضار القانون الإنساني، والحديث عن الحصار والعقوبات الجماعية. لكنه في المقابل كان يكرّس ( ولو ضمنيًا ) موقعًا سلبيًا لغزة في المعادلة، موضوعًا للفعل، لا فاعلًا فيه. غير أن التحولات الأخيرة تشير إلى أن هذه الصورة لم تعد كافية لتفسير ما يحدث، ولا لاحتواء تأثير غزة في المشهد الفلسطيني الأوسع.
إن التحول من (الضحية) إلى (الفاعل الرمزي) لا يعني إنكار حجم المأساة، بل يعني أن المأساة نفسها بدأت تتحول إلى عنصر مؤسس في إعادة تشكيل الوعي السياسي. فغزة لم تعد فقط مكانًا تُرتكب فيه الأحداث، بل صارت مكانًا يُعاد عبره تعريف القضية الفلسطينية. ففي كل جولة صراع، تتصدر غزة المشهد، لا باعتبارها هامشًا جغرافيًا، بل باعتبارها مركزًا رمزيًا. صورها، لغتها، مفرداتها، وحتى يوميات سكانها، أصبحت جزءًا من قاموس سياسي جديد. لم يعد الخطاب الفلسطيني محصورًا في مفاهيم الدولة والمفاوضات والعملية السلمية، بل عاد بقوة إلى مفردات الصمود، والكرامة، والحق التاريخي. بهذا المعنى، أصبحت غزة مولّدًا للخطاب، لا مجرد متلقٍ له.

إعادة تعريف الفاعلية السياسية
الفاعل الرمزي ليس بالضرورة من يمتلك مؤسسات أقوى أو اعترافًا دوليًا أوسع، بل من يملك القدرة على التأثير في المعنى. وغزة، عبر قدرتها على تحريك الشارع الفلسطيني والعربي، بل وحتى الرأي العام في بعض العواصم الغربية، أثبتت أنها قادرة على تجاوز حدودها الضيقة.
في السنوات الأخيرة، شهدنا تحولات في المزاج العام داخل جامعات ومجتمعات مدنية غربية، حيث تصاعدت حملات التضامن، وارتفعت أصوات تطالب بمراجعة السياسات تجاه الصراع. هذه التحولات لا تعود فقط إلى العمل الدبلوماسي الرسمي، بل إلى قوة الصورة والسردية القادمة من غزة. هنا تحديدًا يتجلى دور (الفاعل الرمزي)؛ القدرة على إرباك الرواية المقابلة، وفرض سؤال أخلاقي وسياسي على العالم.
داخليًا، لعبت غزة دورًا معقدًا في إعادة تشكيل النقاش الفلسطيني. فمن جهة، عمّقت الانقسام السياسي بين الضفة الغربية والقطاع، خاصة في ظل سيطرة حركة حماس على غزة مقابل حضور منظمة التحرير الفلسطينية في الضفة. لكن من جهة أخرى، أعادت غزة طرح أسئلة جوهرية حول المشروع الوطني نفسه. هل الأولوية للمقاومة المسلحة أم للمسار السياسي؟ هل ما زال حل الدولتين ممكنًا؟ ما حدود الرهان على المجتمع الدولي؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل فرضتها الوقائع على الأرض. ومع كل تصعيد، يتجدد الجدل حول جدوى الاستراتيجيات القائمة، ما يجعل غزة مختبرًا سياسيًا حيًا لإعادة التفكير في الخيارات الوطنية. بهذا المعنى، لا تعيد غزة إنتاج الخطاب فحسب، بل تدفع باتجاه مراجعته.
إن أحد أبرز مظاهر هذا التحول يتمثل في المجال الثقافي. فالشعراء، والروائيون، والفنانون الفلسطينيون ( داخل غزة وخارجها ) حولوا التجربة اليومية إلى مادة سردية مؤثرة. انتشرت اليوميات المكتوبة تحت القصف، والمشاهد المصورة عبر الهواتف، والرسائل المفتوحة إلى العالم. فلم تعد الثقافة ترفًا أو نشاطًا هامشيًا، بل أصبحت أداة مقاومة ناعمة. إنها تصوغ الذاكرة، وتمنع اختزال الحدث في أرقام الضحايا. ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، باتت غزة قادرة على إنتاج (أرشيفها الخاص) دون وسيط تقليدي. هذا الأرشيف لا يوثق الألم فقط، بل يعيد تعريف الفلسطيني بوصفه ذاتًا ناطقة، لا موضوعًا للشفقة. وهنا تحديدًا يتعزز موقع غزة كفاعل رمزي؛ فهي لا تُروى فقط، بل تروي نفسها.
فضلاً عن ذلك، فأن التحول الرمزي لغزة لم يبقَ حبيس الإطار الفلسطيني. فقد أصبحت غزة جزءًا من نقاشات عالمية حول الاستعمار، والعدالة، وحقوق الإنسان. في مدن بعيدة عن الشرق الأوسط، رُفعت صور غزة في مظاهرات، وتحوّلت إلى رمز لصراعات أوسع تتعلق بالهيمنة والمعايير المزدوجة. هذا الامتداد العالمي لا يعني أن موازين القوى السياسية قد انقلبت، لكنه يعني أن الخطاب الفلسطيني لم يعد معزولًا كما كان. لقد ساهمت غزة في إعادة إدراج القضية الفلسطينية ضمن جدول الأعمال الأخلاقي والسياسي العالمي، بعد سنوات من التراجع النسبي. فالفاعل الرمزي لا يغيّر السياسات فورًا، لكنه يغيّر المزاج العام، ويمهد لتحولات أعمق على المدى الطويل.
المخاطر والتحديات
مع ذلك، فإن التحول من (الضحية) إلى (الفاعل الرمزي) ليس مسارًا خطيًا أو مضمونًا، فثمة مخاطر حقيقية، أولها أن تتحول الرمزية إلى عبء، بحيث تُختزل غزة في صورة دائمة من البطولة أو المأساة، دون رؤية سياسية واضحة للمستقبل. ثانيها أن يُستخدم الرمز في صراعات داخلية فلسطينية، فيُحمّل أكثر مما يحتمل، أو يُوظف لتكريس انقسامات بدل ردمها. وثالثها أن يبقى التأثير في مستوى الخطاب دون أن يُترجم إلى إنجازات سياسية ملموسة، ما قد يؤدي إلى فجوة بين الوعي المتشكل والواقع القائم.
فالسؤال الجوهري ليس ما إذا كانت غزة قد أصبحت فاعلًا رمزيًا، بل كيف يمكن تحويل هذه الرمزية إلى قوة سياسية بناءة. هل تستطيع النخب الفلسطينية، بمختلف توجهاتها، استثمار هذا التحول لصياغة خطاب وطني جامع؟ هل يمكن تحويل التعاطف الدولي إلى ضغط فعلي يفضي إلى تغيير في السياسات؟ ذلك إن غزة، بما تمثله من صمود ومعاناة، وضعت الجميع أمام مرآة صعبة، الفلسطينيين أنفسهم، والعالم من حولهم. لقد أعادت تعريف معنى البقاء، ووسعت حدود النقاش حول العدالة والحق.
من هنا، لا يمكن فصل صورة الضحية عن واقع غزة؛ فالمعاناة حقيقية وقاسية. لكن اختزال غزة في هذه الصورة وحدها لم يعد يعكس كامل المشهد. لقد أصبحت غزة، عبر قدرتها على إنتاج السردية، وتحريك الوعي، وفرض حضورها في النقاش العالمي، فاعلًا رمزيًا بامتياز، والتحول الأعمق لا يكمن فقط في تبدل موقعها في الخطاب، بل في قدرتها على إعادة تعريف الفلسطيني نفسه: ليس فقط كضحية تاريخية، بل كصاحب رواية، وصانع معنى، ومشارك في صياغة مستقبله. وبين الركام والقصيدة، بين السياسة والصورة، تتشكل اليوم ملامح خطاب فلسطيني جديد، قد تكون غزة ( بكل ما تحمله من تناقضات وأوجاع ) قلبه النابض.



#عصام_البرّام (هاشتاغ)       Essam_Albarram#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل تمكّنَ الذكاءُ الاصطناعي على إبداع الروح الانسانية؟
- هل ما زلنا نعرف لغتنا العربية ؟
- وسائل التواصل الاجتماعي والغزو السيبراني.. من النشر إلى التج ...
- خرائطُ التيهِ إلى حضرةِ المعنى
- العراق في مرآة الذاكرة والسلطة .. من سرديات الماضي إلى صراع ...
- الرواية من الملاحم الى الحداثة ومابعدها
- المجتمع صانع التربية أم ضحيتها؟ قراءة ثقافية
- مؤرخونا وكتابة التأريخ
- الرواية العربية بين سؤال الهوية وتحولات الحداثة
- رولا خالد غانم في نبضاتها المحرّمة..معزوفة ذاكرة فلسطينيّة.


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عصام البرّام - هل تتحول غزة من ضحية إلى فاعل رمزي في إعادة تشكيل الخطاب الفلسطيني؟