عدنان سلمان النصيري
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 20:19
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كَانت الشعوب، حتّى وقتٍ قريب، تُقاتِل مِن أجلِ الاستقلال، وتَعتَبِر اليَوم الوَطني إعلانًا لانتقالِها مِن وَصايةِ الخارجِ إلى سِيادةِ الدَّولة. لذلكَ تحوَّلتْ أعيادُ الاستقلالِ إلى طقوسٍ وطنيّة تُرفَع فيها الأعلام، وتُردَّدُ فيها شعارات الحُرّيّة والكَرامة.
لكنَّ العالَمَ تغيَّرَ كثيرًا بعدَ انهيار الاتّحادِ السوفيتي، وصعودِ النظام الرأسمالي العالمي بصورتِه الأكثرِ هيمنةً واتّساعًا. فالدُّول لم تَعُد تُحتَلُّ دائمًا بالدبّاباتِ والجيوش، بل أصبحتْ تُدارُ بالنفوذ الاقتصادي، ورأسِ المال، والعقوبات، والتحكُّمِ بالأسواقِ والطّاقة والإعلام.
ومعَ توسُّع النُّفوذ الأمريكي، خصوصًا بعدَ احتلالِ العراق، تراجَع تأثير كثير من المؤسّساتِ الدوليّة، وأصبحتِ القراراتُ الكبرى تُصاغ وفقَ ميزان القوّة والمصلحة، لا وفقَ شعاراتِ العدالةِ والسّيادة.
غير أنّ المفارقة الأهمّ، أنّ الهيمنة الرأسماليّة لم تَعُد تُقيِّد الدُّول الضعيفةَ فقط، بل امتدَّ تأثيرُها حتّى إلى الولاياتِ المتّحدةِ نفسها ورئاستها الحالية. فالنِّظامُ العالمي اليوم تُحرِّكُه مؤسّسات ماليّة عملاقة، وشبكات مصالح اقتصاديّة، وكارتلات رأسماليّة عابرةٌ للحدود، باتت تملك قدرةً هائلة على التأثيرِ في القرارِ السّياسيِّ والاقتصاديِّ داخلَ أكبرِ القُوى العالميّة.
وهنا لم يَعُد السؤال: مَن يَحكُمُ العالَم ؟ بل: مَن يمتلك السلطة في التأثير على حكُم العالَم؟
فحكومات كثيرة، مهما بدت قويّة، تجدُ نفسَها مُقيَّدةً بمنظومات المال والنفوذ والسُّوق، الّتي أصبحتْ تُعيدُ تشكيل السّياسات والحروب والقرارات الكبرى، بما يخدمُ استمرارَ التُّروس الاقتصاديّة المُهيمنة.
وفي الختام: قد تبقى اعلامُ الدول مُرتفعة، والأناشيدُ حاضرة، لكنَّ الاستقلالَ الحقيقيَّ لا يُقاسُ بعددِ الاحتفالات، بل بمقدارِ الحُرّيّةِ في اتّخاذ القرار، بعيدًا عن قبضة رأس المال ومراكزِ النفوذ العملاقة و الخفيّة. وكل من يدعي بالاستقلالية وحرية اتخاذ القرار السياسي لوحده، لم يكن له حضورا، لا بالوقت الحاضر، ولا حتى بالجيل اللاحق، على أقل تصور!
الكاتب عدنان النِصيري
#عدنان_سلمان_النصيري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟