|
|
العلاقات المسيحية الإسلامية منذ بداية الدعوة وحتى فتح بلاد الشام والعراق-الجزء الأول
هاني عبيد
الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 20:19
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
العلاقات المسيحية الإسلامية منذ بداية الدعوة وحتى فتح بلاد الشام والعراق-الجزء الأول مقدمة يعتبر العديد من المؤرخين أن الديانة المسيحية لم تكن مجرد حدث طارئ في الجزيرة العربية، بل كانت ظاهرة دخيلة عليها، إذ أن موطنها هو فلسطين. وقد انتشرت المسيحية إلى مختلف أنحاء العالم بسبب كونها ديانة تبشيرية، على عكس اليهودية. وصلت المسيحية إلى الجزيرة العربية عبر التبشير والتجارة واستعباد الرقيق. وقد أسست مراكز مسيحية في مناطق عدة مثل اليمن وقطر والبحرين والسواحل الشرقية للجزيرة العربية، بالإضافة إلى منطقة البتراء في غرب الجزيرة العربية. في مكة، كان هناك بعض الأفراد الذين رفضوا عبادة الأصنام وبدأوا في البحث عن ديانة جديدة. ومن هؤلاء من اعتنق المسيحية، مثل كورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، ومنهم من كان يقرأ في الكتب السماوية القديمة مثل التوراة والإنجيل، مثل اخت خديجة التي ذكرت بعض المصادر أنها كانت تقرأ هذه الكتب. يقول المؤرخ الفلسطيني سوزومن إن المسيحية ربما قدّمت للعرب معرفة ببعض أسفار التوراة، وخاصة الأسفار الخمسة، مما عرّفهم على علاقة إسماعيل بالعرب. ويُشير إلى أن العرب كانوا يختتنون ويمتنعون عن أكل لحم الخنزير، تماماً كما يفعل اليهود، وأنهم اتبعوا عدداً من الطقوس والتقاليد اليهودية [1]. فبل أن تبدأ الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي، حدثت تجربتان هامتان في الاتصال بين النبي محمد والديانة المسيحية. الأولى كانت اتصالاً تمثل في الهجرة إلى الحبشة، حيث استقبل ملكها المسيحي الصحابة الفارين من الاضطهاد. أما الثاني، فكانت اتصالاً بين النبي ووفد مسيحي من نجران، حيث جرى الحوار بين الطرفين حو مسائل دينية. الهجرة إلى الحبشة يمكن اعتبار هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة أول اتصال غير رسمي بين النبي محمد والديانة المسيحية، من خلال النجاشي، ملك الحبشة. هذا الاتصال يُشير إلى أن هناك معلومات كانت منتشرة عن المسيحية في الحبشة، وأنها ديانة تتسم بالتسامح حيث لا يُظلم أحد في أرضها. قد تكون هذه المعلومات قد انتشرت في مكة عبر القوافل التجارية التي كانت تأتي من اليمن في طريقها إلى بلاد الشام. كانت القوافل تسلك طريقين: الأول من نجران إلى يثرب (المدينة المنورة)، حيث يمر بالقرب من مكة، والثاني من نجران إلى تيماء، ومن هناك تتفرع الطرق إلى المنطقة الشرقية وبلاد الشام. وعندما بدأت الاعتداءات على المسلمين في مكة في أواسط أو أواخر السنة الرابعة من النبوة، واشتد الضغط عليهم يوماً بعد يوم، بدأ النبي يفكر في وسيلة لحماية المسلمين من هذا الاضطهاد. وكان قد علم أن النجاشي، ملك الحبشة المسيحي، هو ملك عادل لا يُظلم عنده أحد. لذلك، أمر النبي المسلمين بالهجرة إلى الحبشة. في شهر رجب من السنة الخامسة للهجرة، هاجر أول فوج من المسلمين، الذي ضم اثني عشر رجلاً وأربع نساء. وترأس هذا الوفد عثمان بن عفان، الذي كانت ترافقه زوجته رقية بنت النبي. وقد قال النبي عنهم "إنهما أول بيت هاجر في سبيا الله بعد إبراهيم ولوط عليهما السلام". إن هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة في بداية الدعوة الإسلامية تمثل حدثاً فريداً في تاريخ العلاقات بين الشعوب في العالم القديم، حيث تحمل دلالات حضارية وسياسية لم تعهدها الدول في تلك الفترة. لقد كانت خطوة ذكية من قائد سياسي (النبي محمد) الذي أدرك خطورة الاضطهاد الذي كان يعانيه المسلمون في مكة وأثره السلبي على الدعوة الإسلامية. لذلك، اقترح على المسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة، وهي دولة مسيحية مستقلة يحكمها ملك عادل، هو النجاشي، الذي اشتهر بالعدل والإنصاف، مما جعلها بيئة مناسبة لاستقبال المضطهدين. أما البعد الحضاري لهذه الخطوة، فيتمثل في الفهم المبكر للمسلمين الأوائل لطبيعة العدالة بوصفها قيمة إنسانية تتجاوز الحدود الدينية والسياسية. لقد لجأ المسلمون إلى دولة مسيحية ليس طلباً لتحالف عقائدي بل استناداً إلى مبدأ العدالة التي يتفق عليها جميع البشر. هذه الهجرة تزهر أيضاً انفتاح الإسلام المبكر على الآخر، واعترافه بأن التعايش بين اتباع الديانات المختلفة هو جوهر هذه الأديان. وتُمثل هذه الهجرة أيضاً أول نموذج للحوار الإسلامي المسيحي، الذي دار بين جعفر بن أبي طالب والنجاشي حول عقيدة الإسلام والمسيح، والسعي لاكتشاف القواسم المشتركة بين الديانتين السماويتين، فقد أظهر هذا الحوار الاحترام المتبادل والاهتمام بفهم كل طرف للآخر، مما يعكس الانفتاح الإسلامي المبكر على التنوع الديني. وقد جاء هذا الحوار نتيجة لإيفاد عمرو بن العاص كسفير إلى النجاشي، ليطلب منه تسليم المسلمين المهاجرين إلى مكة. لكن عمرو حاول تشويه صورة المسلمين أمام النجاشي عليهم باستخدام عدة أساليب. عندها استدعى النجاشي جعفر بن أبي طالب ليشرح له مبادئ دينه. وكان رد جعفر بن أبي طالب، وفقاً لما ذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء"، كما يلي:" أيها الملك، كنا قوماً نعبد الأوثان، ونأكل الميتة، ونُسيء الجوار ونستحل المحارم والدماء، فبعث الله إلينا نبياً من أنفسنا، نعرف وفاءه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده ونصل الرحم ونحسن الجوار ونصلي ونصوم". وكان هذا الرد كافياً لإقناع النجاشي، الذي رفض تسليم المسلمين. أما من الزاوية السياسية، فقد مثّلت الهجرة إلى الحبشة أول مبادرة دبلوماسية في التاريخ الإسلامي، حيث كانت تهدف إلى تأمين قاعدة آمنة للدعوة بعيدًا عن ضغوط قريش. كان اختيار الحبشة قرارًا استراتيجيًا مدروساً، إذ كانت الحبشة دولة مسيحية مستقلة عن النفوذ البيزنطي، وتمتلك سلطة شرعية تستند إلى العدالة بدلاً من القوة العسكرية. وقد أظهر موقف النجاشي الرافض لتسليم المهاجرين استقلال قراره السياسي، وتمسكه بالقيم الإنسانية، مما منح الدعوة الإسلامية شرعية أخلاقية مبكرة في نظر العالم المحيط. يمكن اعتبار الهجرة إلى الحبشة خطوة تأسيسية في السياسة الخارجية الإسلامية، تعتمد على الحكمة والبحث عن تحالفات قائمة على المبادئ الإنسانية، وليس على المصالح الضيقة. عاش المسلمون في الحبشة أربعة عشر عاما اختلطوا خلالها بالمجتمع الحبشي. ومن الطبيعي أن بعضهم قد قام بالدعوة إلى الإسلام بين السكان هناك. وهناك الروايات تقول بأن النجاشي أعلن إسلامه سراً. في المقابل، فإن بعض المسلمين قد تنصروا لسبب أو لآخر، وهذا أمر طبيعي نتيجة للاختلاط لفترة طويلة. فقد تردد بعض المهاجرين على الكنائس دون أن يعترضوا على ذلك. ومن أشهر من تنصر عبد الله بن حجش، الزوج الأول لأم المؤمنين أم حبيبة، رملة بنت ابي سفيان. وقد ذكر النيسابوري في "المستدرك على الصحيحين" أنه ارتد إلى النصرانية في الحيشة. كما يذكر ابن هشام، في السيرة النبوية، أن عُبد الله بن جحش حاول ممارسة بعض الأعمال التبشيرية بين المسلمين “فكان -حين تنصّر- يمر بأصحاب رسول الله، وهم هنالك من أرض الحبشة، فيقول: فقحنا وصأصأتم، أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر، ولم تبصروا بعد". ومن الجدير بالذكر أن العادات والممارسات قد انتقلت إلى مكة بعد عودة المهاجرين، نتيجة للاختلاط بالمجتمع الحبشي الذي كان يختلف تماماً عن مجتمع مكة. من بين هذه العادات كانت فكرة حمل نعش الميت. وذكر الذهبي "في سير أعلام النبلاء" أن أسماء بنت عميس، التي كانت قد هاجرت إلى الحبشة، زارت السيدة فاطمة الزهراء في مرضها الأخير. وفي تلك الزيارة، قالت فاطمة لأسماء: "إني أستقبح ما يُصنع بالنساء، يُطرح على المرأة الثوب فيصفها". فردت عليها أسماء: يا ابنة رسول الله، ألا أريك شيئاً رأيته في الحبشة؟ ثم قامت أسماء بعمل تجعيدات من الجريد، ووضعته على فاطمة، فقالت: "ما أحسن هذا وأجمله، إذا مت فغسليني أنتِ وعليّ، ولا يدخلن أحدٌ عليَّ". إن هجرة المسلمين إلى الحبشة تمثل أول لقاء بين الديانتين وهي برهان لا يقبل الجدل بأن التعايش بين الديانتين السماويتين هو الأساس وهو جوهر التفاهم والتعايش بين اتباع الديانات في كل زمان ومكان. زيارة وفد نجران للنبي كان من جملة الوفود التي أقبلت على النبيّ بعد فتح مكة في العام الثامن للهجرة وفدُ نصارى نجران. وكان هذا الوفد مؤلَّفًا من ستين رجلاً، منهم أربعة عشر من أشرافهم، وفي هؤلاء الأربعة عشر ثلاثةُ نفرٍ إليهم يُرجَع أمرُ القوم: فالعاقب أميرُهم وصاحبُ مشورتهم الذي لا يصدُرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح. والسيد إمامُهم وصاحبُ رحلهم، واسمه الأيهم. وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحَبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم، وكان مُشرَّفًا فيهم، قد درس كتبهم حتى حَسُن علمُه بدينهم، وكانت ملوك الروم قد شرَّفوه ومَوَّلوه وبنوا له الكنائس لعلمه واجتهاده. وقد لبثوا في المدينة المنورة أيامًا، ثم قدموا على النبيّ ودخلوا مسجدَه حين صلّى العصر، وعلى بعضهم ثيابُ الحِبَرات (ثياب يمانية)، جُبَبٌ وأَرْديةٌ، في هيئة تُشبه جمالَ رجال الحارث بن كعب. وكان من رأى ذلك من أصحاب النبي يقول: ما رأينا وفدًا مثلهم. وحانت صلاتهم فقاموا فصلّوا في مسجد رسول الله، فقال: «دعوهم»، فصلّوا إلى المشرق. وفي هذا الصدد يقول الواقدي: إنّ السيد والعاقب كلّما رسولَ الله ﷺ، فقال لهما: «أسلِما»، فقالا: قد أسلمنا قبلك. فقال: «كذبتما؛ منعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدًا، وعبادتكما الصليب، وأكلُكما الخنزير». فقالا: إن لم يكن عيسى ولدًا لله، فمن أبوه؟ وخاصموه جميعًا في شأن عيسى. فقال لهما النبي ﷺ: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولدٌ إلا ويُشبه أباه؟» قالوا: بلى. قال: «ألستم تعلمون أن ربّنا قيِّمٌ على كل شيء، يحفظه ويرزقه؟» قالوا: بلى. قال: «فهل يملك عيسى من ذلك شيئًا؟» قالوا: لا. قال: «فإنّ ربّنا صوَّر عيسى في الرحم كيف شاء، وربّنا لا يأكل ولا يشرب ولا يُحْدِث». قالوا: بلى. قال: «ألستم تعلمون أنّ عيسى حملته أمّه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غُذِّي كما يُغذَّى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويُحدِث؟» قالوا: بلى. قال: «فكيف يكون هذا كما زعمتم؟» فسكتوا. فأنزل الله عز وجل فيهم صدرَ سورة آل عمران إلى بضعةٍ وثمانين آيةً منها. لقد أبى نصارى وفد نجران التخلي عن ديانتهم، ولم يُجبرهم الرسول ﷺ على ذلك، ووافقوا على دفع الجزية. فلما كان الغد أتَوه، فدفع إليهم كتابًا، وهذا نصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما كتب محمدٌ النبيُّ رسولُ الله لنجران، إذ كان عليهم حكمُه في كل ثمرة، وفي كل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق، فأفضل عليهم وترك ذلك كلَّه على ألفي حُلّة: في كل رجب ألف حُلّة، وفي كل صفر ألفُ حُلّة، وكلُّ حُلّةٍ أوقيّة، ما زادت على الخراج أو نقصت عن الأواقي فبحساب. وما قضَوا من دُروع أو خيل أو ركاب أو عَرَض أُخذ منهم بحساب. وعلى نجران مَثْواةُ رُسُلي ومُتعتُهم بها عشرين فدونَه، ولا يُحبَس رسولٌ فوق شهر. وعليهم عاريةُ ثلاثين دِرعًا، وثلاثين فرسًا، وثلاثين بعيرًا إذا كان كيدٌ باليمن ومَغدِرة. وما هلك مما أعاروا رُسُلي من دروع أو خيل أو ركاب، فهو ضمان على رُسُلي حتى يؤدِّيَه إليهم. ولنجران وحَسَبُها جوارُ الله وذمّةُ محمدٍ النبيِّ على أنفسهم وملّتهم وأرضهم وأموالهم، وغائبهم وشاهدهم، وعشيرتهم وتَبَعِهم. وأن لا يُغيَّروا ممّا كانوا عليه، ولا يُغيَّر حقٌّ من حقوقهم ولا ملّتهم، ولا يُغيَّر أسقفٌ من أُسقفيّته، ولا راهبٌ من رهبانيّته، ولا واقِه عن وِقايته، وكلّ ما تحت أيديهم من قليل أو كثير. وليس عليهم ريبةٌ ولا دمُ جاهليّة، ولا يُحشَرون، ولا يُعشَرون، ولا يطأ أرضَهم جيش. ومن سأل منهم حقًّا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين. ومن أكل رِبا من ذي قبل فذمّتي منه بريئة، ولا يُؤخَذ رجلٌ منهم بظلم آخر. وعلى ما في هذه الصحيفة جوارُ الله وذمّةُ محمدٍ النبيِّ رسولِ الله، حتى يأتي اللهُ بأمره، ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مُنقلبين بظلم». وشهد على ذلك: خالد بن الوليد، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن عبادة، والمغيرة بن شعبة، وكتبَه عليّ بن أبي طالب. تأتي الأهمية السياسية لهذا العهد من كونه قد وقّع مع دولة مسيحية مزدهرة في اليمن، تضم كنائس ومدارس دينية، ويقطنها مسيحيون من بني الحارث بن كعب. وقد كانت نظرة النبي نظرة قائد سياسي أراد أن يضمن حدود الدولة الجنوبية بإقامة علاقات سلمية معها. وقد شكّل هذا تطوراً استراتيجياً مهماً، إذ عُقدت معاهدة مع دولة تقع تحت النفوذ البيزنطي من الناحية الدينية، وتحت النفوذ الفارسي من الناحية تجارية. وهذا يدل على أن الدولة الإسلامية الوليدة كانت تعترف بالتعددية الدينية، ومستعدة للدخول في علاقات ومعاهدات مع الدول غير الإسلامية بوصفها أطرافاً قانونية تمتع بكامل الحقوق. لقد شكلت هذه المعاهدة أساساً لمبدأ المواطنة المشتركة القائم على احترام العهود، لا على وحدة العقيدة. وهذا يعني – لاحقا -ً الاعتراف بحقوق الأقليات وحماية دور العبادة. كما تؤكد زيارة وفد نجران للنبي على مبدأ الحوار في معالجة الخلافات العقائدية، وترسيخ هذا الأسلوب قاعدة عامة في الدولة الإسلامية الناشئة. باختصار، فقد حمل هذا العهد مضامين دينية وفقهية وسياسية وحضارية، غير أن الحكام المسلمين في العصور اللاحقة – للأسف – لم يلتزموا بها دائماً. ولم يكن عهد نجران اول العهود التي أبرمها النبي ﷺ في بداية دعوته، بل جاء ثمرة خبرة تراكمية من العهود السابقة التي أبرمها النبي مع قبائل ومجموعات دينية مختلفة. في السنة الأولى للهجرة (622م) أبرم النبي ﷺ مع يهود المدينة عهداً ينظم العلاقة بين المسلمين (المهاجرين والأنصار) واليهود (بني قنيقاع وبني النضير وبني قريظة) والذين كانوا يمتلكون الحصون ويعملون في والزراعة والتجارة. وكانت هذه الوثيقة دستور المدينة، وتُعرف أيضاً بصحيفة المدينة، وهي وثيقة سياسية واجتماعية تنظم العلاقة مع اليهود في يثرب، وتُحدد حقوقهم وواجباتهم داخل المجتمع الجديد. وقد أورد هذه الاتفاقية كل من ابن هشام والطبري وابن اسحق. كانت هذه الاتفاقية اتفاقية مواطنة جماعية، وقد أورد نصّها ابن هشام والطبري وابن اسحق. وتنص الاتفاقية على أن اليهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وأنّ من تبع المسلمين من اليهود فله النصر والأسوة، غير مظلوم ولا متناصر عليهم. كما تنص على أن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن يثرب حرام على أهل هذه الصحيفة. وتتضمن الصحيفة أيضاً بنداً يتعلق بقريش، وهو أنه لا يُجار مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يُحال بينه وبين مؤمن، وأنه لا يُقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن. تكمن أهمية هذه الصحيفة غي أنها تُعد أول وثيقة لتأسيس دولة المدينة على أساس التعاون، لا على أساس العرق أو الدين، وبذلك حُددت المسؤوليات المشتركة في الدفاع عن المدينة. ويمكن اعتبارها – بمفهوم ذلك العصر - وثيقة حقوق إنسان، لنها أرست مبادئ العدالة والمساواة وصون الحقوق بيم مكومات المجتمع المختلفة. لقد بدأ النبيّ ﷺ عند تأسيس دولة المدينة بعقد سلسلة من التحالفات والمعاهدات لضمان بناء دولةٍ عربيةٍ على أسسٍ متينة، وتدلّ هذه الخطوات على مهارته السياسية بوصفه رجلَ دولةٍ يُناور ويُخطّط لتحقيق أهدافه. ولهذا نراه يعقد تحالفات دفاعية مع قبائل عربية حول المدينة، مثل مزينة وجهينة، كما يعقد هدنة سياسية مع قريش في صلح الحديبية. أمّا صلح خيبر فجاء بوصفه وثيقةً اقتصادية بعد معركة خيبر، حيث يعمل اليهود في أرضهم مقابل نصف الإنتاج. ورغم انشغاله الداخلي في بناء الدولة، فإنه لم يُهمل العلاقات الخارجية، خاصة وأن بجواره دولتين كبريين هما الفرس والروم. ولذلك حاول ـ بوسائل دبلوماسية ـ تعريفهم بالدين الجديد وجذبهم إليه، فوجه في السنة السادسة والسابعة للهجرة رسائل إلى هرقل وكسرى والمقوقس والنجاشي. وفي السنة التاسعة للهجرة منح النبي ﷺ عهود أمان وجزية سلمية لقبائل عربية مسيحية في الشمال والجنوب؛ مثل تيماء وأيلة ودومة الجندل.
#هاني_عبيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هل انتهى دور النقابات المهنية؟
-
-إشكاليات الطاقة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. الطاقة النوو
...
-
-إشكاليات الطاقة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. الطاقة النوو
...
-
-إشكاليات الطاقة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. الطاقة النوو
...
-
التحول الرقمي. المسار والنتائج والتحديات
-
تكامل البرامج الدراسية في كليات الهندسة مع متطلبات أسواق الع
...
-
الحج إلى الأراضي المقدسة
-
أهمية التدريب الهندسي
-
الرقمنة وتأثيرها على البيئة
-
هل الجامعات منتج أوروبي؟
-
ألم الشوق والحنين إلى الماضي
-
الاب انستاس ماري الكرملي، سفير العربية إلى العالم
-
هل لإسرائيل حدود؟
-
عنبرة سلام الخالدي – رائدة الحركة النسائية في بلاد الشام
-
كتاب اخي وأرضي
-
انتشار المسيحية في جنوب الجزيرة العربية - الجزء الخامس والأخ
...
-
انتشار المسيحية في جنوب الجزيرة العربية - الجزءالرابع
-
انتشار المسيحية في جنوب الجزيرة العربية - الجزء الثالث
-
انتشار المسيحية في جنوب الجزيرة العربية- الجزء الثاني
-
انتشار المسيحية في جنوب الجزيرة العربية
المزيد.....
-
-بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي
...
-
-وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران
...
-
112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي
...
-
الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
-
رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
-
بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
-
تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
-
ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-..
...
-
-خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد
...
-
بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات
...
المزيد.....
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
-
محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|