أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - امير وائل المرعب - العراقي عصيُ على الموت والانحناء














المزيد.....

العراقي عصيُ على الموت والانحناء


امير وائل المرعب
ماجستير هندسة كهرباء جامعة بغداد ومهتم بالادب والشعر والفلسفة والعلوم والرياضيات

(Amir Wael Abdulamir Murib)


الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 11:48
المحور: الادب والفن
    


العراق عصي على الموت والانحناء - قصة قصيرة
في الثامنة والعشرين من عمره، كان "سنان" يمتلك روحاً أقدم بكثير من سنواته الشابة. تحت شمس الناصرية اللاهبة، وبين أطلال مدن سومر العظيمة التي شهدت فجر البشرية، كان يقضي نهاره في التنقيب بين ذرات التراب، وليله في خيمته المضاءة بمصباح خافت، يغوص في فك رموز الألواح الطينية. أمامه على طاولته الخشبية المتهالكة، تناثرت صور واستنساخات لنصوص من مكتبة "آشور بانيبال"، تلك المكتبة المهيبة التي جمعت حكمة العالم القديم.

كان يمرر أصابعه على الخط المسماري، كمن يعزف لحناً غائباً منذ آلاف السنين. كل نقرة مسمار في الطين كانت تهمس له بأسرار الآلهة، وقوانين الملوك، وأشواق العامة. وبمرور الأيام، وبينما كان يربط خيوط النصوص السومرية والأكدية والبابلية والآشورية ببعضها، بدأت تتشكل أمامه لوحة بانورامية مذهلة، وحقيقة أخذت أنفاسه وسمرت عينيه على الألواح.

أدرك سنان، بلغة الأرقام والتاريخ الصارمة، أن حضارات وادي الرافدين لم تكن مجرد فصول في كتاب التاريخ، بل كانت هي "الكتاب" نفسه. لقد استمرت هذه الحضارات لثلثي عمر الحضارة البشرية بأكملها. في هذه البقعة من الأرض أُسس كل شيء تقريباً: العجلة، الحرف الأول، المدرسة الأولى، القانون، الفلك، وحتى أول قصيدة حب.

لكن ما أثار قشعريرة الإعجاب في جسده لم يكن مجرد الأسبقية، بل تلك "المناعة الخارقة" التي امتلكتها هذه الأرض. لاحظ في حوليات الملوك ونصوص الرثاء نمطاً عجيباً؛ كلما هبت رياح الغزو والموت على هذه الأرض الخصبة من الشرق أو الغرب، ومن الشمال أو الجنوب، وكلما احترقت المدن وظن الغزاة أنهم طووا صفحة الرافدين إلى الأبد، كانت الأرض تبتلع دماء أبنائها وتنفض رماد الحروب، لتعود وتنهض أقوى وأكثر إشراقاً وشراسة من قبل.

هذه القاعدة انطبقت على سومر وأكد وبابل وآشور دون استثناء. لقد وثقت الألواح كيف أن العراق حكم العالم القديم بأسره ثلاث مرات، فارضاً إرادته وقوانينه وثقافته من جبال زاغروس وحتى سواحل البحر المتوسط.

وفجأة، توقفت عيناه عند نص بابلي قديم، وابتسمت شفتاه باتساع وهو يقرأ اسماً مألوفاً نُقش بالمسمارية: "بغدادو". لم تكن العاصمة بغداد وليدة العصور الوسطى الإسلامية كما يظن الكثيرون، بل كانت جذورها ممتدة ومغروسة بعمق في الطين البابلي، مدينة عريقة كانت تنتظر اللحظة التاريخية المناسبة لتتوج سيدةً لدنيا العباسيين.

أرجع سنان ظهره إلى الكرسي، ونظر من نافذة خيمته نحو الأفق الممتد حيث زقورة "أور" تقف شامخة تتحدى قسوة الزمن. في تلك اللحظة من التجلي العظيم، تذكر كلمات الشاعر المصري الكبير أحمد بخيت، التي رددها في سره كأنها صلاة وتلخيص لكل ما قرأه: **"العراق عصي على الموت والانحناء"**.

أدرك الشاب العراقي أن الجين الحضاري لم يمت في عروق أبناء الرافدين. من أول تشريع خطه الملك "أورنمو" لضمان العدل وحماية الضعيف، وحتى مخاض العملية الديمقراطية الحالية بكل تعقيداتها وتحدياتها، يبقى الجوهر واحداً. هذا البلد قد يمرض، قد يتعب، قد ينزف، لكنه أبداً لا يموت، بل يستريح قليلاً ليقوم من جديد، حاملاً شعلته التي أضاء بها العالم أول مرة.



#امير_وائل_المرعب (هاشتاغ)       Amir_Wael_Abdulamir_Murib#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حكمة في خريف العمر
- تطور المعلومات: كيف يمثل الذكاء الاصطناعي الامتداد الحتمي لل ...
- دماء الورد
- جيفارا العراق: دراسة تاريخية وتحليلية معمقة لسيرة خالد أحمد ...
- الدائرة الكهربائية الكونية
- مقالة نقدية عن وائل المرعب الحرف واللون
- عباءة الدين وسوط السلطة: حين يصبح الله -أداة- للوجاهة والنفو ...
- حينما تتحدث الخلايا بلغة الأرقام: لماذا نحتاج إلى ثورة رياضي ...
- -الروح- كمعادلة رياضية: حين يصبح الترتيب هو جوهر الحياة
- علاقة الدين بالسياسة
- فلسفة نيتشه وظلال الرايخ الثالث: جدلية الإنسان الأعلى، التزو ...
- انشتاين فيلسوف وليس عالم رياضيات
- ميتافيزيقا الجمع: من البوابات المنطقية إلى مفارقات اللانهاية ...
- علاقة حقيقة الوحي باثار الهلال الخصيب العراق والشام
- الحتمية البايوكيميائية لانفلاق التناظر الفائق العظيم
- مناشدة انقذوا السودان الحبيب
- التجريد السير وراء ظل الاشياء ( مقال مشترك)
- التجاوريات وسرعة الهدم
- ميزان العدالة في كونٍ تحكمه الفوضى
- وهم الامة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة


المزيد.....




- 250 عام على استقلال أمريكا.. الانقسامات حاضرة وترمب يحتكر ال ...
- الثقافة الروسية تجمع دول -بريكس- تحت مظلة حضارية واحدة
- غريب آبادي: الجولة الأولى من المحادثات الفنية في إطار مجموعا ...
- غريب آبادي: المشاورات بشأن الجولة الأولى من المحادثات الفنية ...
- بمرسوم من بوتين.. -متحف المحيط العالمي- ينال أرفع تصنيف ثقاف ...
- دافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ...رحيل الفنان الجزائري ع ...
- رويترز: الفرق الفنية الإيرانية والأمريكية ستجتمع في الدوحة خ ...
- برنامج -بطاقة بوشكين- الثقافي يسجل بيع أكثر من 113 مليون تذك ...
- فنان مصري مشهور يفقد بصره ويغيب عن الساحة الفنية
- علماء آثار من بطرسبورغ يرقمنون معالم أفريقيا والعالم الإسلام ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - امير وائل المرعب - العراقي عصيُ على الموت والانحناء