أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ادم عربي - عبيد الدَّيْن: البنية الخفية للرأسمالية المالية المعاصرة














المزيد.....

عبيد الدَّيْن: البنية الخفية للرأسمالية المالية المعاصرة


ادم عربي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 18:12
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


بقلم : د. ادم عربي
مع التمدّد المتسارع لهيمنة الرأسمال المصرفي أو المالي في الولايات المتحدة، لم تعد الاستدانة ظاهرة هامشية أو أداة ظرفية، بل تحوّلت إلى بنية ناظمة للحياة الاقتصادية برمتها. لم يعد في وسع الشركات ولا الأفراد أن يعيشوا خارج منطق القروض والديون، حتى بدا المجتمع بأسره وكأنه أعيد تشكيله ضمن علاقة تبعية شاملة للدَّين ، بل أصبحوا عبيدا للدين. هكذا لم يكتف الرأسمال المالي بإعادة تنظيم الإنتاج والتداول، بل فرض أيضا نمطا من "العبودية الحديثة" قوامه الارتهان الدائم للدائن، وهي عبودية تحمل في داخلها منطقها النهائي وهو العجز الحتمي عن السداد بوصفه نتيجة بنيوية لا عرضا طارئا.
في هذا السياق، سجلت الولايات المتحدة ،التي باتت تعتمد بصورة بنيوية على تمويل عجزها عبر الاستدانة، لا سيما من الخارج من خلال سندات الخزينة أعلى عجز في موازنتها الفيدرالية في تاريخها. وبذلك، لم يعد الدَّين العام  مجرد مؤشر اقتصادي، بل أصبح التعبير الأكثر صدقا عن أزمة الرأسمالية الأنجلو-ساكسونية في مرحلتها الراهنة.
إن المفارقة الصارخة تتمثل في أن أكبر اقتصاد في العالم هو أيضا أكبر مدين في تاريخه؛ فالولايات المتحدة، كلما تدفقت إليها القروض، تعمق اعتمادها عليها وطلبت المزيد وازدادت شهيتها، وكلما تضخمت مديونيتها، تضاءلت قدرتها الواقعية على السداد. إن قدرتها الضريبية، مهما اتسعت، لا تغطي إلا جزءا ضئيلاً  من التزاماتها، ما يكشف عن اختلال بنيوي بين الإيرادات الفعلية ومستوى الإنفاق.
وقد اتبعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، على اختلاف انتماءاتها الحزبية، نمطا متكررا في إدارة هذا الاختلال وهو اللجوء المستمر إلى الاستدانة، داخلياً  وخارجيا، لسد عجز مزمن ومتفاقم في الموازنة. ويكمن أحد مفاتيح هذا العجز في الطبيعة البنيوية للإنفاق الحكومي، ولا سيما العسكري منه، الذي ظل يفوق بصورة دائمة ،بل وبفوارق كبيرة ،ما تجبيه الدولة من ضرائب.
أما الأداة التقنية التي جرى توظيفها بشكل متكرر لإدارة هذا الوضع، فتمثلت في استخدام السياسة النقدية، عبر مطالبة مجلس الاحتياط الفدرالي برفع أسعار الفائدة على الدولار. هذا الإجراء لا يُفهم فقط كخيار اقتصادي، بل كآلية لجذب رؤوس الأموال العالمية؛ إذ يؤدي ارتفاع الفائدة إلى تحفيز المستثمرين، في الداخل والخارج، على تحويل مدخراتهم إلى الدولار وإيداعها في المصارف الأمريكية.

غير أن هذا التدفق المتزايد للطلب على العملة الأمريكية يفضي، بالضرورة، إلى ارتفاع سعر صرفها، وهو ما ينعكس سلباً  على القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية، التي تصبح أكثر كلفة في الأسواق العالمية. ونتيجة لذلك، يتفاقم العجز في الميزان التجاري لصالح قوى اقتصادية منافسة، وفي مقدمتها الصين التي تحرص كل الحرص على خفض قيمة عملتها، التي تستفيد من هذا الاختلال لتعزيز حضورها في السوق الأمريكية نفسها، مستفيدة من الفارق السعري ومن تراجع القدرة التنافسية للمنتج الأمريكي.
غير أن هذا الأثر السلبي لا يُنظر إليه، ضمن المنظور البنيوي للنظام، إلا بوصفه شرطاً  لتحقيق منفعة أخرى أكثر إلحاحاً  وتتمثل في تدفّق الودائع بالدولار إلى النظام المصرفي الأمريكي، بما يتيح للحكومة الاستمرار في الاقتراض لتمويل عجزها. هنا تتجلى جدلية الخسارة والربح داخل النظام ذاته ؛  تراجع القدرة التصديرية مقابل تعاظم القدرة على الاستدانة.

وتتكامل هذه الآلية مع أداة مالية أخرى، تتمثل في إصدار سندات الخزينة بموجب تفويض من الكونغرس، حيث تتعهد الحكومة بسداد قيمتها في آجال محددة. تقوم الحكومة ببيع هذه السندات إلى البنك المركزي، الذي يدفع مقابلها نقدا، لتتحول لاحقا إلى أدوات تداول في أسواق المال. ومن خلال عمليات البيع والشراء لهذه السندات، يتحكم البنك المركزي في مستوى السيولة؛ فيسحبها من السوق عند البيع، ويضخها عند الشراء.
لكن النتيجة النهائية لهذه الدورة ليست سوى تعميق الارتهان للدَّين. فكلما ازداد الدين الحكومي لتغطية العجز، ازدادت الحاجة إلى تمويله عبر الضرائب، ما يفاقم العبء على المجتمع. ومع تصاعد الأعباء الضريبية، يتزايد ميل الأفراد بدورهم إلى الاستدانة، لتتكرس حلقة مفرغة؛ دين حكومي يولد ضغطا ضريبيا، وضغط ضريبي يدفع إلى مزيد من الديون الفردية.

وفي أقصى تجليات وتحديات هذا المنطق، تحتفظ الولايات المتحدة بإمكانية توظيف ما يمكن تسميته مجازاً  بـ"القوة التدميرية الاقتصادية". فإذا ما واجهت تهديداً  جديا لمكانتها في النظام الاقتصادي العالمي، فإنها تمتلك أدوات قادرة على إحداث صدمات كبرى في العالم، ابتداءً من الدول وصولاً إلى الأفراد من البشر، مثل إضعاف الدولار أو التلويح بالعجز عن سداد ديونها. مثل هذه السيناريوهات لا تمثل مجرد أزمات داخلية، بل يمكن أن تتحول إلى أزمات عالمية تضرب بنية الاقتصاد الدولي وحتى الأفراد من البشر كما قلنا  ، وتصيب منافسيها الكبار بأضرار عميقة وفي مقتل، نظرا للتشابك البنيوي الذي يربط الاقتصاد العالمي بالمركز المالي الأمريكي   .



#ادم_عربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بمناسبة الاول من أيار في يوم العمَّال العالمي!
- -التنكنيك- الشعري وأهميته!
- الشحارير لا تغني وحدها!
- امرأة تعتلي الغياب!
- هل الشعوب مسؤولة عن هزائمها؟!
- لنتعلم من الطبيعة ، فهي خيرُ مُعلم!
- في دولة الحقوق!
- في صناعة التاريخ!
- العودة إلى البداية: الاتصال الإنساني في دورته الحلزونية!
- في الملكية الفكرية: بين الاحتكار والمشاعية!
- الحركة بين الفيزياء والفلسفة!
- نشوة العدم!
- الانتقال والسفر عبر الزمن!
- سيناريوهات محتملة للحرب على إيران!
- وهم الدولة المقدسة!
- مرافئ العبث!
- مدخل لفهم الديالكتيك!
- رثاء الحضارة!
- الحرب على إيران!
- الإرادة مثالياً ومادياً!


المزيد.....




- المنظمات والأحزاب التقدمية تتضامن مع حزب النهج الديمقراطي ال ...
- مسيرة حاشدة في بوخارست إحياءً للذكرى 78 لنكبة الشعب الفلسطين ...
- جذور العداء الصهيوني للقوى الاشتراكية: من هرتزل إلى ميلانشون ...
- هل تكرر واشنطن سيناريو فنزويلا في كوبا من بوابة كاسترو؟
- أكسيوس: خطة كوبية لاستخدام مئات المسيّرات ضد قواعد وسفن أمري ...
- غارة إسرائيلية على بلدة البيسارية في قضاء صيدا جنوبي لبنان ...
- بيان تضامن للتوقيع والنشر.. للمطالبة بالحرية لـ محمد القصاص ...
- رامي شعث من سجون مصر إلى الترحيل الفرنسي
- انكسر حزب العمال ليتقدم -البريطاني الغاضب-
- The Man Who Seeks to Rule the World


المزيد.....

- أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي / ك كابس
- روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي ... / بول هوبترل
- بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة / كلاوديو كاتز
- فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية / ادوارد باتالوف
- كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي - ... / شادي الشماوي
- هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر ... / شادي الشماوي
- ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج ... / رزكار عقراوي
- المنظّمة الشيوعيّة الثوريّة ، المكسيك و الثورة التحريريّة / شادي الشماوي
- كراسات شيوعية :صناعة الثقافة التنوير كخداع جماعي[Manual no74 ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ادم عربي - عبيد الدَّيْن: البنية الخفية للرأسمالية المالية المعاصرة