مثنى إبراهيم الطالقاني
الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 16:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المشهد السياسي العراقي تتكاثر فيه العناوين أكثر مما تتكاثر فيه الإنجازات، يبدو أن “ثقافة اللقب” باتت جزءاً من أزمة الوعي السياسي، لا مجرد تفصيلٍ بروتوكولي. ففي بلدٍ تتعدد فيه المناصب وتتشابه فيه المسميات، لم يعد لقب “رئيس” يعكس بالضرورة موقعاً سيادياً أو مسؤولية عليا، بل تحول في كثير من الأحيان إلى وسيلة تضخيمٍ رمزي تُرضي الطموحات السياسية أكثر مما تخدم بنية الدولة.
لا خلاف على أن مواقع مثل رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، تمثل قمّة الهرم السياسي وتستحق هذا اللقب بوصفها مراكز قرار سيادي. لكن الإشكالية تبدأ حين يمتد هذا اللقب ليشمل عشرات المواقع الإدارية والهيئات واللجان، حتى باتت الدولة أشبه بهرمٍ مقلوب، تتضخم قمته بالألقاب وتضعف قاعدته بالفعل.
وفي الحالة العراقية تحديداً، يتجلى هذا التضخم بشكل أوضح من خلال تعدد رؤساء الهيئات المستقلة وغير المستقلة، ممن يُمنحون درجة وزير، رغم أن طبيعة عمل كثير من هذه الهيئات تبقى إدارية أو تنظيمية أكثر منها سيادية. هذا التوسع في منح صفة “رئيس” مقرونة بامتيازات وزارية، يعكس خللاً في فلسفة إدارة الدولة، حيث تتحول الدرجات العليا إلى أدوات توازن سياسي بدلاً من كونها مواقع خدمة تخصصية هذا الواقع لم يأتِ من فراغ، بل يرتبط بنمط سياسي قائم على المحاصصة وإرضاء الفرقاء، حيث تُستحدث مواقع أو تُضخّم تسميات قائمة لإشباع توازنات هشة، لا لتلبية حاجة مؤسساتية حقيقية. وهنا تتحول المناصب من أدوات خدمة عامة إلى “حصص” تُوزع، فتثقل كاهل الدولة مالياً وإدارياً، وتُربك هيكلها الوظيفي.
المشكلة لا تكمن في الاسم بحد ذاته، بل فيما يجره من تبعا إذ غالباً ما يصاحبه تضخم في الامتيازات، وتداخل في الصلاحيات، وضعف في آليات المساءلة. وعندما تتشابه الألقاب، تضيع الحدود بين من يملك القرار ومن ينفذه، فتختلط المسؤوليات وتُفتح أبواب التهرب من المحاسبة.
إن هيبة الدولة لا تُبنى بكثرة الرؤساء، بل بوضوح المؤسسات، وتحديد الصلاحيات، وترسيخ مبدأ الكفاءة على حساب المجاملة السياسية. فالدولة الرصينة لا تُقاس بعدد من يحملون الألقاب الكبيرة، بل بمدى فاعلية نظامها وقدرته على تقديم الخدمات وتحقيق العدالة.
اليوم، تبدو الحاجة ملحّة لمراجعة جادة من قبل الحكومة ومجلس النواب لإعادة ضبط هيكل المناصب، وتقنين استخدام الألقاب بما ينسجم مع المعايير الإدارية الرصينة، والحد من منح الدرجات الوزارية إلا في حدود الضرورة الدستورية والوظيفية، بعيداً عن منطق الترضيات السياسية.
فالعبرة ليست بمن يُسمى “رئيساً”، بل بمن يتحمل المسؤولية بصدق، ويؤدي واجبه بإخلاص، ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
#مثنى_إبراهيم_الطالقاني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟