أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أشرف إبراهيم زيدان - نقاء الجوهر: قراءة في قصيدة كم كنت















المزيد.....

نقاء الجوهر: قراءة في قصيدة كم كنت


أشرف إبراهيم زيدان

الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 12:06
المحور: الادب والفن
    


(أ.د. يحي كامل السيد، ديوان: طير بلا سماء، دار بيان للترجمة والنشر والتوزيع، ص 29-30، طبعة 2019)
كم كنت مشتاقا إليك
كنت ملهوفا إلى لمسة يديك
كنت تواقا إلى شفتيك
كعادتك نأيتٍ بجانبك
والحب عندك زيف
يفوح من وجنتيك
أطال الله في عمرك
ترعين فلذاتي إذ أمنتهم إليك
خبئيني بين جفنيك
فأنا طفل كبير
ولا تغضبيني فأنا بك
ومنك أستجير
واقرأي قل أعوذ من كل
حاسد يا مجير
واعلمي إنني تقي
كماء الغدير
وادعي لي بالصحة حين
أغدو فأنا لك أسير
لا تخبئيني بين جفنيك
فأنت وهم كبير
لا تدعي لي بالصحة
فأنا عندك لا أساوي نقير
واقرأي الفاتحة علي
فما بقي في العمر الكثير
واعلمي أنني لا زلت
نقيا كما الغدير.
تقوم هذه القصيدة على حركة شعورية متقلبة بين الحنين، والتوسل، ثم الانكسار والمرارة، وهي مبنية أسلوبيًا على تدرّج واضح من الامتلاء العاطفي إلى التفريغ والانهيار.
في البداية، يفتتح الشاعر بتكرار لافت: "كم كنت . . . كنت . . . كنت . . ."، وهذا تكرار يخلق تصديرًا أسلوبيًا عبر التوازي، ويُبرز شدة الشوق وتراكمه. هنا تتجلى حالة التوق والوله في صور حسّية قريبة: (لمسة يديك، شفتيك)، ما يجعل العاطفة مجسّدة وليست مجرد فكرة. يمنح هذا التكرار أيضًا هذه الألفاظ بروزًا إدراكيًا، إذ تصبح مركز انتباه القارئ. ثم يحدث التحوّل الحاد عند: "كعادتك نأيتِ . . ."، حيث تنكسر نبرة القرب إلى مسافة وجفاء، ويصف الحب عندها بأنه "زيف". يُعدّ هذا الانتقال المفاجئ بدوره نوعًا من التصدير، لأنه يخلق صدمة دلالية تنقل النص من الرومانسية إلى الشك والخذلان. بعد ذلك يدخل الشاعر في نبرة التوسل والضعف: "خبئيني بين جفنيك . . . فأنا طفل كبير. "هنا مفارقة لافتة (طفل/كبير) تعمّق الإحساس بالهشاشة؛ فهو ناضج في العمر، لكنه ضعيف عاطفيًا. كما أن الاستعانة بالتعبير الديني: "واقرأي قل أعوذ . . ." تكشف عن محاولة الاحتماء، وكأن المحبوبة تحوّلت إلى ملاذ روحي، لا مجرد حبيبة. لكن هذا التعلّق لا يستمر، إذ ينقلب فجأة إلى رفض ونقض كامل: "لا تخبئيني . . . فأنت وهم كبير" لا تدعي لي بالصحة . . ." وهنا نصل إلى ذروة الانكسار؛ إذ يتحول التوسل إلى سخرية مريرة وإنكار للقيمة الذاتية (لا أساوي نقير). يعكس هذا التناقض بين الطلب والرفض صراعًا نفسيًا داخليًا بين الحاجة إلى الحب والرغبة في الهروب من ألمه. أما الخاتمة: "واقرأي الفاتحة علي . . . فما بقي في العمر الكثير" فهي توحي بـموت رمزي (موت العاطفة أو الأمل)، لكنها تُقابل مباشرة بجملة: "واعلمي أنني لا زلت نقيا كما الغدير" وهنا تظهر مفارقة أخيرة: رغم الانكسار، يصرّ الشاعر على نقاء جوهره، في محاولة لإنقاذ ما تبقى من ذاته.
خلاصة أسلوبية:
النص يقوم على التوازي والتكرار (كنت . . . كنت . . .) → يصنع التصدير، التحولات الحادة في النبرة → تولّد البروز، مواقع الكلمات الختامية مثل الخوف، وهم، نقير، الغدير → تمنحها تميّزًا دلاليًا. وبذلك، تبني القصيدة عالمًا عاطفيًا متوترًا، حيث يتحول الحب من شوق ملتهب إلى وهم مُدمِّر، بينما تبقى الذات معلّقة بين الانكسار ومحاولة الاحتفاظ بنقائها.
القصيدة ثرية بالصور البلاغية التي تكشف عن توتر عاطفي عميق، ويمكن إبراز أهمها على النحو التالي:
أولًا، الاستعارة والتشبيه:
"كنت ملهوفًا إلى لمسة يديك / إلى شفتيك ← تصوير الشوق وكأنه عطش حسي، فيه استعارة تُجسّد العاطفة.
"فأنا طفل كبير" ← استعارة تقوم على المفارقة؛ إذ يُشبَّه الشاعر بالطفل في ضعفه رغم كِبره.
"فأنت وهم كبير" ← تشبيه ضمني/استعارة، حيث تتحول المحبوبة إلى وهم، أي شيء غير حقيقي.
"نقيّ كماء الغدير ← تشبيه صريح يعبّر عن الصفاء والبراءة.
ثانيًا، الكناية:
"نأيتِ بجانبك" ← كناية عن الابتعاد العاطفي والجفاء.
"يفوح من وجنتيك← كناية عن الجمال أو المشاعر الخادعة التي تبدو ظاهريًا.
"لا أساوي نقير"← كناية عن الاحتقار الشديد وانعدام القيمة.
ثالثًا، المفارقة
"طفل كبير"← تجمع بين ضدين (الطفولة/الكِبر) لتجسيد التناقض الداخلي.
الانتقال من: "خبئيني بين جفنيك" إلى "لا تخبئيني"← مفارقة دلالية تكشف صراعًا نفسيًا.
من الدعاء له إلى رفض الدعاء: "ادعي لي بالصحة ↔ ""لا تدعي لي بالصحة".
رابعًا، التكرار
تكرار "كنت" في البداية ← يبرز شدة الشوق وتراكمه.
تكرار صيغ الطلب والنهي (خبئيني / لا تخبئيني، ادعي / لا تدعي) ← يعكس التذبذب والانقسام الداخلي.
خامسًا، التناص الديني
"اقرأي قل أعوذ" و"اقرأي الفاتحة علي" ←توظيف نصوص دينية يمنح الخطاب بعدًا روحانيًا ويحوّل الحبيبة إلى ملاذ أو وسيط للحماية.
سادسًا، التضاد بين الحب / الزيف، الطفل / الكبير، والنقاء / الوهم؛ وهذا التضاد يعمّق الإحساس بالصراع.
الخلاصة
الصور البلاغية في القصيدة ليست مجرد زخرف، بل تُستخدم لبناء حالة من التوتر والانقسام النفسي؛ إذ ينتقل الشاعر من التشبيه الحسي الرقيق إلى الاستعارة القاسية (الوهم)، ومن التوسل إلى الرفض، في بنية قائمة على المفارقة والتضاد.
تحليل أسلوبي
يمكن قراءة هذه القصيدة أسلوبيًا بوصفها نصًا يقوم على التوتر والانقسام الداخلي، حيث تتضافر المستويات الصوتية والتركيبية والدلالية لتجسيد تجربة حبٍّ مضطربة تنتقل من الشوق إلى الانكسار.
على المستوى التركيبي، يهيمن التوازي والتكرار في المطلع: "كم كنت … كنت … كنت". هذا التكرار ليس مجرد تأكيد، بل هو آلية إبراز تجعل حالة الشوق في بؤرة النص، وتمنحها إيقاعًا متدفقًا يوحي بتراكم العاطفة. كما يكثر استعمال الجمل الفعلية (كنت، نأيتِ، خبئيني، ادعي)، مما يضفي حركية على الخطاب، في مقابل لحظات سكونية تعكس الانكسار.
أما على المستوى الأسلوبي-الإنشائي، فنجد كثافة في أساليب الطلب: الأمر (خبئيني، ادعي، اقرأي)، والنهي (لا تخبئيني، لا تدعي). هذا التحول من الطلب إلى النهي يكشف عن ازدواجية نفسية: رغبة في القرب يقابلها رفض ومرارة. كما أن الانتقال من الخطاب المباشر إلى نوع من التقرير (الحب عندك زيف) يشير إلى تحوّل من العاطفة إلى الحكم.
على المستوى الدلالي، يقوم النص على سلسلة من الثنائيات الضدية: القرب/البعد (مشتاقًا إليك ↔ نأيتِ)، الحقيقة/الزيف (الحب ↔ زيف)، الطفولة / الكِبر (طفل كبير)، النقاء/الوهم (نقي ↔ وهم كبير)؛ هذه التضادات تعكس صراعًا داخليًا حادًا، وتجعل المعنى غير مستقر، بل متأرجحًا بين نقيضين.
ومن أبرز السمات الأسلوبية أيضًا المفارقة، خاصة في: "طفل كبير" و"لا تخبئيني … فأنت وهم كبير". فالنص يبني نفسه على نقض ما يقرّره، مما يعمّق الإحساس بالتشظي النفسي.
على المستوى الصوتي والإيقاعي، رغم غياب الوزن التقليدي، نجد إيقاعًا داخليًا ناتجًا عن التكرار (كنت، لا… لا)، التقارب الصوتي في القوافي (يديك، شفتيك، إليك، جفنيك)؛ وهذا يمنح النص تماسكًا سمعيًا دون الالتزام ببحرٍ خليلي. كما يحضر التناص الديني في "قل أعوذ" و"الفاتحة"، وهو توظيف يمنح الخطاب بعدًا رمزيًا، حيث تتحول المحبوبة إلى كيان يُلتمس عنده الحماية، ثم يُنقض ذلك لاحقًا، فيتحول التقديس إلى خيبة.
الخلاصة الأسلوبية
النص يُبنى عبر وسائل مثل التكرار، التوازي، التضاد، والمفارقة، ليخلق بنية متوترة تعكس ذاتًا منقسمة بين التعلّق والرفض. الإبراز يتحقق عبر هذه الانحرافات والتكرارات، مما يجعل بعض الألفاظ والصور أكثر بروزًا، بينما تتحدد أهمية عناصر بعينها داخل التركيب من خلال مواقعها الختامية وتكرارها. النتيجة هي نصٌّ يُجسّد تجربة حبٍّ مأزومة بلغة متقلبة ومشحونة.



#أشرف_إبراهيم_زيدان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحليل قصيدة والليل صديق من ديوان سماء بلا طير (2019)
- تحليل قصيدة -ليل وغربة- للشاعر يحى كامل السيد
- تحليل الأخطاء: دراسة أخطاء الكتابة الإنجليزية لدى المتحدثين ...
- مقدمة في علم الأسلوب والتحليل التقابلي
- فاطمة المرنيسي والنصوص الدينية
- السمات المعجمية والدلالية في الأسلوبية
- الاختلاف والشك والعنف الروحي في الإصلاح: نظرة عامة
- الحياة في المجتمع الإنجليزي في القرن الثامن عشر
- الوصمة الاجتماعية والتحامل المجتمعي
- الوصم والتمييز: نهج توضيحي
- التناص والواقعية في روايات الدائرة والجميع وأبطال على الحدود ...
- تصوير الشخصيات في روايات الدائرة والجميع وأبطال على الحدود ل ...
- كرونولوجيا الأدب الكندي
- قراءة في رواية فيرجينيا وولف (إلي الفنار)
- الهجرة والشتات والمنفى في الرواية
- حلمي القاعود روائيا
- الذَّوَبَانُ الثَّقَافِيُّ وَأَثَرهُ عَلَى الفَردِ وَالأَمنِ ...
- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ...
- روايات البريطانيين السود
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ...


المزيد.....




- افتتاح مهرجان بطرسبورغ للجاز بعرض موسيقي في الحديقة الصيفية ...
- موسكو.. متحف -بوشكين- يستضيف معرضا عن الفن البوذي الروسي
- مهرجان -اقرأ - استرخ- للكتاب في روسيا يسجّل أرقاما قياسية تا ...
- بعد تغيير اسمه ثلاث مرات.. الانتهاء من تصوير مسلسل -العاصي- ...
- اربيل تستذكر الفنان قرني جميل في معرض تشكيلي بمشاركة 25 فنان ...
- صدر حديثا ؛ صندوق جدتي السري. إشراف سهيل عيساوي.
- صدر حديثا ؛ رئة المدينة إشراف سهيل كيوان.
- من المواجهة إلى الحب.. فيلم -شمشون ودليلة- يصل إلى صالات الس ...
- بعد تسعة أشهر من توقيفه... القضاء اللبناني يوافق على الإفراج ...
- بعد توقف لعامين.. مهرجان رام الله للفنون المعاصرة يعود بحلة ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أشرف إبراهيم زيدان - نقاء الجوهر: قراءة في قصيدة كم كنت