أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أشرف إبراهيم زيدان - الوصمة الاجتماعية والتحامل المجتمعي















المزيد.....



الوصمة الاجتماعية والتحامل المجتمعي


أشرف إبراهيم زيدان

الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 18:47
المحور: قضايا ثقافية
    


مقدمة
الوصمة (Stigma) ليست مجرد مفهوم اجتماعي منفصل، بل هي متشابكة بعمق مع العديد من أوجه التجربة الإنسانية، وتؤدي في كثير من الأحيان إلى الإقصاء والتمييز. يشير مصطلح "الوصمة" إلى سمة تُلحق ضررًا بسمعة شخص أو مجموعة في أعين الآخرين (فرانزوي، 1996، ص 403)، أو تُنقص من قيمة الفرد (هوبر، 1981)، وقد تُفهم بوصفها "رفضًا ضمنيًا" (فيشوف، 2001) أو كتعبير عن صفات "مرفوضة اجتماعيًا" (كاتز، 1981). ووفقًا لتعريف آر. كاسبرسون وجولدينج وإكس. كاسبرسون (2005)، فإن الوصمة هي "علامة تُلصق بشخص، أو مكان، أو تقنية، أو منتج، وتشير إلى سمة معينة تميّزه باعتباره مختلفًا، منحرفًا، معيبًا، أو غير مرغوب فيه" (171). ويذهب باركر وأغلتون (2003) إلى أن الوصمة تُعد عملية اجتماعية تُنتج وتُعيد إنتاج أنماط عدم المساواة، وتُعد الصورة النمطية إحدى الأدوات التي يتم من خلالها تنفيذ هذه العملية. أما إيرفينج جوفمان (1963)، فيُعرّف الوصمة على أنها اختلاف غير مرغوب فيه مقارنة بتوقعات غير الموصومين. ويميّز جوفمان بين ثلاثة أنواع من الوصمة: أولًا، التشوهات الجسدية والأمراض؛ ثانيًا، الانحرافات السلوكية؛ وثالثًا، التصنيفات الاجتماعية كالعرق أو الجنسية أو الدين. ومن أبرز سمات الوصمة أن الأفراد الذين يُوصمون غالبًا ما يتبنون النظرة السائدة عن الوصمة في ثقافتهم. بعبارة أخرى، كثيرًا ما تتحول الوصمة إلى "وصمة ذاتية"، حيث يقوم الأفراد المنتمون إلى فئات مهمشة بقبول وتبني الصور السلبية المفروضة عليهم (جوفمان، 1963).
في إطار تصور جوفمان لمفهوم الوصمة، يشير إلى أن هذه السمات تشوه الهُوية الشخصية للفرد بصورة دائمة. وتترك تجربة الوصمة آثارًا عميقة، سواء على المستوى النفسي للفرد أو على المستوى الاجتماعي للجماعة الموصومة. فعلى الصعيد الفردي، قد تكون آثار الوصمة والإقصاء الاجتماعي مدمرة، حيث تسهم في انخفاض تقدير الذات (هوج، 1985)، وتدهور العلاقات الاجتماعية، والشعور بالعزلة، وحدوث نوبات من الاكتئاب، بل وحتى إيذاء النفس (ماسون، كارلايل، واتكينز، ووايتهيد، 2001). كما قد تولد مشاعر بالعجز، والإحراج، وفقدان السيطرة (بنيامين، 2001). تُظهر الدراسات وجود تفاعل معقد بين العوامل النفسية والاجتماعية التي تُشكل الديناميكية المتغيرة للأفراد والجماعات الموصومة داخل المجتمع (فرانزوي، 1996). وبطبيعتها، تُهمَّش المجموعات الموصومة وتُنتقص قيمتها الاجتماعية، ما يجعلها في وضعية دونية من حيث المكانة والسلطة (هوغ وفوغان، 2002). وغالبًا ما تجد هذه المجموعات صعوبة في التخلص من الصور النمطية السلبية التي يرسّخها المجتمع. في كثير من الحالات، لا يُكتفى بتهميش الضحايا، بل يُقابلون بالتجاهل أو يزيد الظلم الممارس عليهم من خلال ردود الفعل المجتمعية تجاه معاناتهم (ويليامز، 1999). ورغم أن بعض الأفراد الموصومين قد يعانون من تدنٍ في احترام الذات، وانخفاض في الرضا العام عن الحياة، وربما الاكتئاب، فإن الغالبية منهم يتمتعون بقدرة ملحوظة على مقاومة هذه الضغوط، والمحافظة على صورة ذاتية إيجابية، كما أشار كروكر، ميجور، وستيل (1998).
علاوة على ذلك، تُعد "الهُوية" مصطلحًا شائع الاستخدام بعدة طرق، وقد يكون لها تأثير عميق في تشكيل وعينا وفهمنا لذواتنا في الخطاب اليومي (جينكينز، 1999). فالهوية هي بناء علائقي يتشكل نسبيًا وفقًا للمواقف والسياقات الاجتماعية، ولها أبعاد زمنية ومكانية (هولزنر وروبرتسون، 1980). لا تصبح الهوية موضع تساؤل إلا حين تتعرض لأزمة، أي عندما يُستبدل الإحساس بالثبات والاتساق والاستقرار بشعور بالشك واللايقين (ميرسر، 1998). تنشأ هوية الفرد وتُصان ضمن إطار التفاعل الاجتماعي، إذ يسعى الإنسان دائمًا إلى الحصول على نظرة إيجابية من الآخرين، ويعتمد على تأكيدهم لتصوراته الذاتية (بلاكينج، 1983). وقد أشار إريكسون (1968) إلى أن "الهُوية النفسية-الاجتماعية" لكل شخص تتضمن جوانب إيجابية وسلبية. ويمكن أن تفضي هذه الجوانب السلبية، خصوصًا حين تغذيها الصور النمطية القادمة من الجماعات الأخرى، إلى أزمات هُوية حادة قد تصل إلى حد كراهية الذات. في لحظة "أزمة الهُوية"، يجد الشخص نفسه محرومًا من الدعم الاجتماعي أو العائلي بسبب مشاركته في نشاطات تُعد "غير اجتماعية" أو مُدانة مجتمعيًا، كما في حالة عامل الجنس أو متعاطي المخدرات (بتلر، 2004). وقد يؤدي ذلك إلى إحساس عميق بالتشرد الرمزي، أي شعور بالانفصال وعدم الانتماء إلى "العالم الاجتماعي" من حوله (لولر، 2008). وفي هذا السياق، يُنظر إلى التمييز باعتباره التجسيد السلوكي للتحيّز (هوج وفوغان، 2002)، وهو ما يظهر بوضوح في تفاعلات الحياة اليومية، حيث يشعر الفرد الموصوم بحدة الإقصاء في علاقاته الشخصية (بينيت، 2005). يرتبط فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز بشكل وثيق بالصور النمطية حول الأفعال الجنسية الموصومة وتعاطي المخدرات. وقد لاحظت سونتاغ (1989) أن وصمة هذا المرض تثير مشاعر الخوف والنفور أكثر من التعاطف. كما كشف غوش، وادهوا، وكاليبيني (2009) أن هناك عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية عديدة تُسهم في خلق بيئة تُعرّض الأفراد لدرجة أعلى من الهشاشة أمام الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز.
في العديد من المجتمعات، يُنظر إلى الإيدز كمرض يحمل وصمة عار، ما يؤدي إلى معاملة المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية بتمييز واضح، سواء في مجال الرعاية الصحية أو في حياتهم الاجتماعية والمهنية. فقد تعرض كثير من المرضى للرفض من قبل أسرهم وأصدقائهم، وأُجبر بعضهم على ترك وظائفهم نتيجة لهذا التمييز (مويندا، سيلي، بيكرينج، وبارتون، 1997). وتثير الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية ردود أفعال سلبية حادة على مستوى المجتمع، وهو ما يتسبب في معاناة فردية كبيرة، فضلاً عن التهميش الجماعي (كلارك، 2001). ولا يزال غياب العلاج الشافي للإيدز حتى اليوم يُعمّق من الأثر النفسي للفيروس على المصابين والمتأثرين به، كما يؤثر الغموض المحيط به على تصورات المجتمع عنه (كارلايل، 2001). ورغم أن الفيروس يُشكل تهديدًا بيولوجيًا، إلا أن وباء الإيدز يُسلط الضوء كذلك على مواطن ضعف اجتماعية كامنة، مثل الوصمة والتمييز. ويُعد التمييز من أبرز ردود الفعل المجتمعية تجاه المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، حيث تنبع هذه الاستجابات من منظومة معتقدات معقدة، كثيرٌ منها يرتكز على مفاهيم راسخة بشأن الجنس والعدوى المنقولة جنسيًا (بينيت، 2005). وفي هذا السياق، حدد أولاسي وآخرون (2009) أربع صور أساسية للوصمة والتمييز المرتبطين بالفيروس، تشمل فرص العمل، وإجراءات الفحص، والإفصاح عن الإصابة، والعلاقات الاجتماعية. أوضح جيلبرت ووكر (2009) أن الخوف من التعرض للوصمة يؤثر بعمق في تجربة المرضى اليومية. كما ناقش كرادوك (2012) العلاقة الوثيقة بين فيروس نقص المناعة البشرية ومرض السل، الذي يُعد أحد التهديدات الكبرى للمصابين بالفيروس في الدول منخفضة الدخل. وخلص رانسوم، كاواشي، براونشتاين، ونش (2016) إلى أن أوجه عدم المساواة الهيكلية تسهم بشكل كبير في التشخيص المتأخر للفيروس. ويرى سكامبلر (2020) أن وصمة العار تُعد أداة فعالة في تكريس الضعف الاجتماعي، وشرح بالتفصيل كيف تتحول مشاعر العار إلى لوم منظم، من خلال آليات متشابكة تتضمن المال، والسلطة، وتأثير وسائل الإعلام في إعادة إنتاج الوصم.
يسعى هذا الفصل إلى استكشاف هدف الحياة لدى الفئات المهمشة والموصومة من خلال تحليل مجموعة من العوامل مثل الوصمة، والهُوية، والحقوق، والمعاناة الناتجة عن التمييز. فهذه الفئات، التي تشمل عاملات وعاملي الجنس، ومتعاطي المخدرات – لا سيما متعاطي الهيروين – والمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، تخوض يوميًا صراعًا من أجل البقاء على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والجسدية. يعيش هؤلاء حياة يطغى عليها الشعور بالعار، ويعانون من الإقصاء عن خدمات الرعاية الصحية، ويجهلون إلى حد كبير حقوقهم، مما يزيد من شعورهم باليأس وانعدام الأمل. يركّز هذا البحث على فهم هوية هذه الفئات، وكيف يتم التعامل معهم من قِبل أسرهم، وأهالي مجتمعاتهم المحلية، وجيرانهم، والعاملين في مجال الرعاية الصحية. كما يسلط الضوء على الأثر العميق الذي تتركه هويتهم المشوهة في تفاصيل حياتهم اليومية، وفي نظرتهم إلى أنفسهم والعالم من حولهم.
الهوية "السيئة" للعاملات في مجال الجنس
يُعد العمل الجنسي بحد ذاته موضوعًا يحمل وصمة اجتماعية واضحة (باترسون، 2015)، وتظهر هذه الوصمة بأشكال متعددة داخل بيئات العمل الجنسي وبيوت الدعارة (بليث، وولف، ومور، 2019). وغالبًا ما يُستخدم مصطلح "هوية عاملة الجنس" للإشارة إلى صورة نمطية أو متخيلة تُروى في قصص النساء، حيث تنظر الكثيرات إلى هذه المهنة باعتبارها مهينة أو غير أخلاقية أو مصدرًا للخزي (شانت وماكلواين، 1995). وتواجه النساء اللواتي يمارسن الجنس خارج إطار الأسرة التقليدية المحمية هشاشة اجتماعية كبيرة، وقد تتعرض الواحدة منهن للرفض أو الطرد من قبل أسرتها (جودارد، 1993). ينظر المجتمع إلى عاملات الجنس على أنهن "فتيات سيئات"، ويتعرضن للوصم والتجريم، لا سيما من قبل مؤسسات الدولة (أونيل، 1997). في المقابل، قد تلجأ بعض النساء إلى تقديم أنفسهن بطرق مختلفة مثل "مرافقات"، "مدلكات"، "عاملات"، أو حتى ببساطة كبغايا (ويلتون، 1994). وفي حالات كثيرة، تحرص النساء اللواتي يعشن ضمن أسر تقليدية ويقمن ببيع الجنس سرًا على إخفاء طبيعة عملهن تمامًا عن أسرهن ومجتمعاتهن المحيطة (أستانا، 1996). في كثير من الأحيان، تقضي العاملة في مجال الجنس معظم حياتها اللاحقة بين زميلاتها وزبائنها، إذ يتجنب والداها التواصل معها خشية التعرض للوصم الاجتماعي (بلانشيت، 1996). وقد طور فينيكس (2000) تصورات مختلفة لهوية "البغي"، تتضمن: العاملة، الجسد القابل للتسليع، الشريكة المحبة، والضحية. كما تناول بونجاي، هالبين، أتشيسون، وجونستون (2011) الظروف التي تعيشها العاملات في مجال الجنس، واستغلالهن، وتناقض مشاعرهن تجاه هذه المهنة. بدوره، استعرض فاسي (2011) إدراك عاملات الجنس لأنفسهن، وأساليب مقاومتهن للوصم المرتبط بعملهن. وأشار جوتيريز جارزا (2013) إلى أن التحديات اليومية التي تواجه هؤلاء النساء غالبًا ما تنبع من هشاشة وضعهن القانوني وتجاربهن المتراكمة. ووصف باترسون (2015) مهنة العمل الجنسي كدور أساسي ومؤثر في سياقات التنمية والعولمة. أما راوات وكومار (2015)، فقد تناولا الكيفية التي ترى بها العاملات في مجال الجنس ذواتهن وتطلعاتهن المستقبلية، في حين قدم ووكر (2017) عرضًا مفصلًا لحجم الوصمة الاجتماعية التي يتعرضن لها، خاصةً فيما يتعلق بالحصول على الخدمات الأساسية، كالرعاية الصحية وخدمات رعاية الأطفال.
في الوقت الحاضر، تُعد بعض أو جميع جوانب البغاء غير قانونية في جميع دول العالم تقريبًا (أونيل، 1997)، وغالبًا ما تُصنَّف البغي في نظر المجتمعات على أنها "مجرمة". كما يسود عدم الاكتراث تجاه العنف الموجَّه ضد عاملات الجنس، وغالبًا ما تُحرم هؤلاء النساء من المعاملة كأفراد يستحقون الاحترام والإنسانية (ألكسندر، 1996). وقد أشار فاسي (2011) إلى أن نشاط عاملات الجنس غالبًا ما يقع في منطقة رمادية قانونيًا؛ لا هو مشروع بالكامل ولا غير قانوني صريحًا. دعا باترسون (2015) إلى ضرورة إزالة وصمة العار المرتبطة بالعمل الجنسي والاعتراف به كنوع مشروع من العمل. وبنفس السياق، شددت لورين فان بليرك (2016) على أهمية توفير بيئة آمنة ومأمونة لعاملات الجنس، وضمان وصولهن إلى الخدمات الأساسية. ورغم هذه الدعوات، لا يزال التشريع في كثير من الدول، ومنها بنغلاديش، يفتقر إلى الاعتراف بالعمل الجنسي كمهنة رسمية، مما يؤدي إلى استمرار تصوير عاملات الجنس على أنهن "نساء ساقطات" لا يستحققن التقدير أو الكرامة الاجتماعية (سلطانة، 2015). وبوصفهن فئة مهمشة ومفتقرة إلى الحماية القانونية، تتعرض عاملات الجنس التجاري في بنغلاديش لانتهاكات متكررة لحقوقهن الأساسية (آرا، 2005؛ أولاه، 2011). ويتحول كل من يعمل في هذا المجال إلى ضحية للإقصاء والتهميش المجتمعي (تشودري، 2006؛ بول، 2009). والأسوأ من ذلك، أن معاناة هؤلاء النساء لا تنتهي حتى بعد الوفاة، إذ يُحرمن من أداء طقوس الجنازة الأساسية، بغض النظر عن ديانتهن، سواء كن هندوسيات، مسلمات، أو مسيحيات. ورغم كل ذلك، لا تزال الدعارة تُنظر إليها من خلال عدسة المحرمات والتحامل الاجتماعي، ولم تُعترف بعد بوصفها مشكلة اقتصادية حقيقية تتطلب حلولًا جذرية (خان، 1988). ومن هنا، يتناول هذا التحليل هوية العاملات في مجال الجنس من خلال دراسة كيفية مناقشتهن في المجال العام، وتعاطي المجتمع معهن، وتمثيلهن على المستوى الرسمي.
أزمة الهُوية لدى العاملات في مجال الجنس
تواجه العاملات في مجال الجنس التجاري في بنغلاديش أزمة حقيقية تتعلق بالهوية، حيث تسعى معظمهن إلى إخفاء طبيعة عملهن عن أسرهن، وجيرانهن، ومجتمعاتهن القروية. للحفاظ على مكانتهن الاجتماعية وصورتهن أمام الآخرين، يُقدمن أنفسهن على أنهن موظفات في مصانع أو في صناعة الملابس، أو يعملن كممرضات، أو في مجال تنظيم الأسرة، أو لدى منظمات غير حكومية. وغالبًا ما تلجأ هؤلاء النساء إلى تغيير أسمائهن عند دخول المجال كوسيلة لإخفاء هويتهن "الحقيقية". مع ذلك، تدرك بعض العاملات أن أفراد عائلاتهن قد يكون لديهم شكوك حول طبيعة عملهن. فعلى سبيل المثال، تقول "نيبا"، وهي عاملة جنس تعمل في فنادق جيسور، إن والدتها قد تكون قد خمّنت مهنتها، مضيفة: "ربما تعرف، فهي تستطيع قراءة عقل طفلها." أما "لوتا"، وهي امرأة أخرى تعمل في نفس المجال، فترى أن والدتها قد استنتجت الأمر من الأموال التي تجنيها، لكنها لم تطرح أسئلة مباشرة بسبب الخجل أو العار، وإن كانت تسأل أحيانًا بقلق: "لماذا لم تعودي إلى المنزل الليلة الماضية؟" في المقابل، هناك حالات تتسم بالوضوح والصراحة، مثل قصة "سلمى"، وهي عاملة جنس في بانياشانتا. تخبرنا سلمى أن والدتها تعرف تمامًا بطبيعة عملها، لكنها مُجبرة على تقبّل الواقع نظرًا لاعتماد الأسرة المادي عليها. تأتي والدتُها أحيانًا إلى القرية المجاورة لبيت الدعارة لتأخذ النقود من سلمى، كما تزورها الأخيرة في منزل العائلة بمدينة خولنا وتقيم هناك لفترة قصيرة. رغم توسلات والدتها العاطفية لها بترك العمل، تُبرر سلمى موقفها بأنها مضطرة للعمل لكسب المال، مؤكدة: "عندما يرى الناس المال، لن يقولوا شيئًا، حتى لو ارتكبتُ شيئًا مشينًا في منزلنا، فلن يوجه لي أحد سؤالًا". ولتفادي النظرة الاجتماعية السلبية، تلجأ بعض العاملات، خصوصًا من يقمن في بيوت الدعارة، إلى تقديم عشيقهن أو "بابو" كزوج أمام الأقارب والجيران، كوسيلة للتحايل على وصمة غياب الوضع الاجتماعي التقليدي للمرأة في بنغلاديش. في المقابل، هناك من هن أقل انشغالًا بهذه القضية؛ فـ"لوتا"، مثلًا، لا تهتم كثيرًا بالتعليقات الموجهة لها من الجيران، وتتجاهلها رغم شعورها بالعجز أحيانًا عن الرد، مؤكدة أنها لا تكترث لنظراتهم أو أحكامهم.
تعتقد العديد من العاملات في مجال الجنس، لا سيما فتيات بيوت الدعارة، أن المجتمع يتعامل معهن بازدواجية واضحة في المعايير. فمن جهة، يُهددن من قِبل أقاربهن الذكور، مثل الإخوة أو الأعمام، بالعنف أو حتى القتل في حال استمرارهن في العمل داخل بيت الدعارة، ومن جهة أخرى، لا يتردد هؤلاء الأقارب أنفسهم في قبول الأموال التي ترسلها العاملات، رغم رفضهم العلني للاعتراف بها، خوفًا على مكانتهم الاجتماعية. وغالبًا ما يتلقى أفراد عائلات العاملات هدايا أو مساعدات مالية منهن، دون أن يعرف الجيران أو أهل القرية مصدر تلك الأموال. وترى بعض الفتيات أن النفاق يتجلى بأوضح صوره في سلوك الرجال الذين يهاجمونهن أخلاقيًا، بينما هم في الواقع من زبائنهن المعتادين. في هذا السياق، التقيت بفتاة تُدعى "بريستي" تعمل في بيت دعارة بمنطقة جالايبوتي في جيسور، تحدثت عن معاناتها مع عائلتها قائلة: "لا أحد من أقاربي يعترف بي في قريتنا. لقد منعوني من العودة إلى المنزل لأنني أعيش في بيت دعارة. مؤخرًا، تُوفي أحد أفراد أسرتي، ولم يُخبرني أحد، وعلمت بالأمر بعد أسبوعين. وعندما سألت عن السبب، قالوا لي إن حضورك كان سيتسبب في رفض أهل القرية دفن قريبك بسبب مهنتك". أعربت بريستي عن شعورها بالحزن العميق، لكنها تفهمت موقف أسرتها، قائلة إنها لا تريد إحراج والديها، خاصةً وأن أهل القرية يرفضون التعامل معهما بشكل لائق بسبب مهنتها. وأشارت إلى أنها عالقة بين عالمين لا يقبلها أيٌّ منهما بسهولة: "إذا تركت بيت الدعارة من أجل استعادة مكاني داخل العائلة، فقد لا تُسامحني الأسرة، وفي الوقت ذاته، قد لا أتمكن من العودة إلى العمل هنا مرة أخرى. سأفقد كل شيء."
في بعض الأحيان، تلجأ عاملات الجنس غير المنتظمات، مثل بارفين وفاطمة وجوهرة، إلى إدخال الزبائن إلى منازلهنّ من خلال تقديمهم على أنهم أقارب أو زملاء عمل، وذلك لتجنّب إثارة الشبهات. ومع ذلك، يواجهن العديد من المشكلات، خاصةً من الجيران – لا سيما النساء – اللواتي يُطلقن تعليقات مزعجة ويُثيرن الشكوك. وللحفاظ على صورتهن كـ "فتيات محترمات"، يُضطررن لتقديم تبريرات متعددة وإخفاء هويتهن "المرفوضة اجتماعيًا" باستمرار، ما يتطلب حذرًا دائمًا في تصرفاتهن اليومية. كما يواجهن تهديدات من المرشدين المحليين (mastaans)، الذين قد يطالبونهن بمغادرة الحي أو يدفعوهن لدفع المال مقابل السكوت. وبالنسبة إلى العاملات غير المنتظمات اللواتي لديهن أزواج (أو علاقات شبيهة بالزواج)، فإن الحاجة لإخفاء طبيعة عملهنّ تكون أكثر إلحاحًا. ذكرت فتاة تُدعى كيا، تعمل في فنادق، أن زوجها يعتقد أنها موظفة في منظمة غير حكومية تُعنى بالفتيات العاملات في الفنادق، لذا لا يُمانع ذهابها إلى هناك. ومع ذلك، تحرص كيا أثناء علاقتها الحميمة معه على اتباع أساليب معينة "لئلا يشك في وجود علاقات لها خارج المنزل." وفي حالة أخرى، قالت عاملة جنس إن زوجها يشك أحيانًا في تصرفاتها، لكنها تُذكّره بشكل غير مباشر بأنها المعيل الأساسي له، مما يُثنيه عن فتح الموضوع أو مواجهتها.
تتفاوت مواقف سكان القرى المجاورة تجاه فتيات بيوت الدعارة في بانياشانتا. فبينما يصفهن البعض بـ "الضائعات"، إلا أن هناك من يُكنّ لهن المحبة والاحترام. بحسب ما روته موشومي، فإنهن يتفاعلن بحرية مع أبناء القرى. في السابق، كان أطفالهن يُعاملون بجفاء من قبل معلمي المدارس، وكان يُمنع عليهم حتى جلب المياه، لكن الأمور تغيرت اليوم بفضل جهود المنظمات غير الحكومية والاجتماعات التوعوية مع مختلف الفئات. وتوضح نرجس، وهي من أقدم المقيمات في هذا البيت، أن السكان المحليين بدأوا يرون في وجود الفتيات فرصة اقتصادية: يمكنهم بيع الخضروات والأسماك لهن، وتعمل النساء الأكبر سنًا كطباخات أو خادمات في منازلهن، كما يبيع القرويون الماء لهن، ولا يتردد بعضهن في مساعدة أي قروي يمر بضائقة. وقد تُسهم هذه الجهود الرامية إلى تقليل الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالعمل في مجال الجنس في تمكين العاملات من الحفاظ على علاقاتهن الأسرية وتجديد الأمل بمستقبل أفضل.
تقدير الذات تجاه "العمل الجنسي"
رغم اختلاف مستويات تقبّل المجتمع للدعارة من زمن لآخر ومن مكان لآخر، إلا أن الوصمة الاجتماعية والقمع المرتبطين بهذا المجال لا يغيبان تمامًا عن أي سياق. ففي بلدان العالم الثالث، غالبًا ما تكون المرأة التي تنخرط في نشاط جنسي خارج إطار الأسرة في موقع هشّ للغاية، وقد تُقابل بالرفض من قِبل أفراد عائلتها بأكملها. في بنغلاديش، تُجبر معظم النساء والفتيات على الدخول في هذا المجال من خلال شبكات الاتجار بالبشر. ولا توجد قوانين تعترف بالجنس التجاري كنشاط مشروع، بل يُنظر إلى العاملات في هذا المجال على أنهن "نساء ساقطات" لا يستحققن الاحترام الاجتماعي أو التقدير. يعانين من الاستغلال والعنف، وتمنعهن صفة "الخروج عن القانون" من الحصول على خدمات صحية وغيرها من الضروريات التي قد تلبّي احتياجاتهن وتساعد في ضمان سلامتهن وسلامة زبائنهن. ولّدت هذه الظروف لدى العديد من العاملات مشاعر سلبية عميقة؛ إذ تعاني معظمهن من تدنٍ كبير في احترام الذات، ويشعرن بالعزلة وعدم القدرة على التفاعل بحرية مع الآخرين بسبب الوصمة المجتمعية. ومع الوقت، تتفاقم هذه المشاعر لتتحول إلى عقدة نقص وشعور بالوحدة التامة. من هنا، يطالبن بالاعتراف بالعمل الجنسي كـ "مهنة". وتقوم حجتهن على أنهن لم يخترن هذا الطريق بإرادتهن، بل فُرض عليهن. وفي هذا السياق، صرّحت بوبيتا، وهي إحدى العاملات في بيت دعارة معبد جيسور مارواري، قائلة: "يجب على الدولة أن تمنحنا صفة العاملات رسميًا."
فيما يتعلق بتقدير الذات، تختلف وجهات نظر فتيات بيوت الدعارة. ففي جلسة نقاش جماعي نُظمت في بانياشانتا، عبّرت بعضهن عن شعورهن بالذنب ووصمن أنفسهن بأنهن "فتيات ضائعات"، واعتبرن أن العمل في مجالات مثل الخياطة، التجميل، التطريز، أو الحرف اليدوية يُعد "عملاً جيدًا" مقارنة بما يقمن به. لكن إحدى المشاركات قاطعت النقاش بتساؤل لافت: "هل هناك ما هو مكتوب على أجسادنا يثبت أننا نساء سيئات؟ إذا ذهبنا إلى مكان لا يعرفنا فيه أحد، فكيف سيحكمون علينا؟" أما موشومي، فبدت أكثر تفاؤلاً وثقة، قائلة: "يُصر البعض على وصف العمل في مجال الجنس بأنه سيئ، لكنني لا أرى الأمر كذلك. أنت لن تعطيني عشرة تاكا إلا إذا قدّمت لك المتعة. نحن لا نسرق أحدًا؛ نحن نكسب رزقنا من خلال العمل."
فيما يتعلق بالحياة داخل بيت الدعارة، تنظر العديد من الفتيات إليه على أنه "جحيم" أو "سجن"، ومع ذلك، يضطررن للبقاء فيه لتأمين قوت يومهن. أخبرتني بيبي قائلة:" أشعر بالحزن طوال الوقت، أحمل الكثير من الهموم، ولا أتحدث مع الآخرين. صحيح أن الفتيات هنا يمازحن بعضهن البعض، لكنني لا أستطيع أن أشارك. في الحقيقة، لا أحب هذه البيئة، لكن ماذا يمكنني أن أفعل خارجه؟ لا يزال عليّ العمل في مجال الجنس، لذا لن يختلف الوضع كثيرًا." في المقابل، ترى بعض الفتيات في بيت الدعارة مكانًا يمنحهن نوعًا من الاستقلالية والحرية في العمل دون تدخل أو مضايقة. عبّرت كازول، إحدى الفتيات في بيت دعارة جيسور، عن وجهة نظر مختلفة: "أرى أن هذا المكان هادئ ويوفر لي الطعام، والملابس، وبعض الترفيه. لدي تلفاز وأقراص مدمجة، وكل ما أحتاجه. والأهم من ذلك، أننا أكثر أمانًا هنا من الشارع." ورغم هذه الاختلافات في الرؤية، أشارت العديد من الفتيات إلى أنهن لا يرغبن في العمل في مصانع الملابس، حيث الأجور منخفضة والوظائف مرهقة بدنيًا. كما أن بعضهن ذكرن أن العاملات هناك يتعرضن للاستغلال الجنسي من قِبل رؤسائهن، دون أي مقابل أو احترام، وهو ما يجعلهن يرين أن الوضع داخل بيت الدعارة – رغم قسوته – أكثر وضوحًا وأقل خداعًا.
فيما يخص دخل العاملات في مجال الجنس، تسود بين الفتيات بعض القناعات المرتبطة بمفاهيم "المال الشريف" و"المال غير الشريف". يعتقد الكثير منهن أن ما يجنينه من هذا العمل يُعد دخلًا غير مشروع، ولذلك سرعان ما يتبدد أو لا يبارك الله فيه. في المقابل، يشعرن بأن كسب المال من خلال "عمل محترم" سيكون سببًا في جلب البركة والوفرة لهن. ترى العديد من العاملات أن عملهن يُعد "خطيئة"، ويستندن في ذلك إلى تعاليم دينية تعد هذا النشاط محرّمًا. وهنّ في صراع داخلي دائم حول ما إذا كان الله سيغفر لهن ما يعدونه "خَراب كاج" (عملًا سيئًا). قالت لي دِبا، إحدى العاملات في بيت الدعارة: "أحاول أن أتحمّل عبء هذه الخطيئة، لأنه دخل غير شريف. لا أستطيع أن أفصح لأي أحد عن مصدر دخلي. حرّم الله هذا النوع من العمل والكسب، لذلك أعده مالًا غير حلال." كما تحدثت مع عاملة جنس عابرة تُدعى بريانكا، وكانت تعتقد أن مرض طفلتها الرضيعة هو نتيجة لمعصيتها. وقد أخبرتني، بنبرة حزينة: "أشعر أن ما أفعله حرام، وأُطعم ابنتي من مال حرام. وهذا يسبب لي ضيقًا شديدًا؛ فهي مريضة باستمرار، والمال ينفد بسرعة."
لا تزال العاملات في مجال الجنس يواجهن الوصمة المجتمعية وسوء المعاملة، حتى من الجهات التي يُفترض أن تحميهن، مثل الشرطة. ينص دستور جمهورية بنغلاديش الشعبية على أن "الدولة ستتخذ تدابير فعالة لمنع الدعارة والقمار" (المادة 18:2)، لكن في الوقت نفسه، يتيح بند آخر للمرأة البالغة ممارسة الدعارة قانونيًا، بشرط أن تُقدِّم إفادة خطية أمام محكمة صلح من الدرجة الأولى لدى كاتب عدل. يُظهر هذا التناقض أن الدولة لا تُحرِّم بيع الجنس بشكل صريح، مما يضع النساء العاملات في هذا المجال في منطقة رمادية قانونيًا واجتماعيًا. فبالرغم من وجود مسار قانوني يضفي بعض الشرعية، إلا أن الوصمة لا تزال تلاحقهن بشدة. يشعر الكثير من هؤلاء النساء أنهن عالقات في مأزق: فالفقر، وغياب التعليم، وقلة الفرص دفعتهن إلى اختيار مهنة تُقابل بالرفض الاجتماعي، الأمر الذي يؤدي إلى شعور بالإجبار، وليس بالاختيار الحر. وتُسهم هذه الظروف في زيادة مستويات التوتر النفسي والضغط العاطفي الذي يعشنه يوميًا.
الحقوق والتمكين في بنغلاديش
يفتقر العديد من النساء اللواتي يُجبرن على العمل في مجال الجنس إلى أبسط حقوقهن الأساسية. وتُجمع الكثير من العاملات في هذا المجال على أن دخولهن إلى هذه "المهنة" هو بحد ذاته انعكاس لانتهاكات متواصلة لحقوق الإنسان في البلاد. يتعرضن بانتظام للمضايقة وسوء المعاملة على يد أجهزة إنفاذ القانون، في ظل غياب إطار قانوني واضح ينظّم وضعهن المهني، مما يُسهم في تفاقم هشاشتهن القانونية والاجتماعية. أما من الناحية الاجتماعية، فمكانة العاملات في مجال الجنس تُعد متدنية إلى درجة قاسية. ففي الماضي، لم يكن يُسمح لهن حتى بارتداء الصنادل أو الزي التقليدي (الشالوار قميص) عند الخروج من بيوت الدعارة. وكان هذا المنع بمثابة وسيلة لتمييزهن عن بقية أفراد المجتمع، مما يجعل من السهل التعرف عليهن ونبذهن علنًا، ويُكرّس عزلتهن ويُعمّق من انتهاك كرامتهن الإنسانية.
لمواجهة الوصمة المتجذرة تاريخيًا ضد العاملات في مجال الجنس، تعمل بعض المنظمات غير الحكومية في بنغلاديش على تنفيذ برامج متنوعة لدعم وتمكين هؤلاء النساء. ويُعرب مسؤولو هذه المنظمات عن تفاؤلهم، مشيرين إلى أن نظرة المجتمع تجاه البغاء قد تحسّنت بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي، بفضل مواقف أكثر إيجابية من الحكومة والجمهور على حد سواء. وفي بعض بيوت الدعارة، بدأت العاملات بتنظيم أنفسهن ضمن مجموعات دعم ذاتي بهدف تعزيز التضامن بينهن، وتحقيق الرفاه المشترك، وحماية أنفسهن من التحرش. كما شرعت بعض المنظمات غير الحكومية في تشجيع هذه المبادرات، ودعمت إنشاء تحالفات بين مجموعات المساعدة الذاتية وربطها بمنظمات مماثلة. ورغم هذه الخطوات الإيجابية، لا تزال العديد من العاملات في مجال الجنس يواجهن صعوبات كبيرة في الوصول إلى الخدمات العامة الأساسية، مثل التعليم والرعاية الصحية. فقد أخبرتني بعض الفتيات أنهن كنّ سابقًا يجهلن تمامًا حقوقهن، لكن الوضع تغير اليوم؛ إذ أصبحن أكثر وعيًا واتحادًا. صرّحن بأنهن يشعرن الآن بالقوة الكافية للاعتراض عندما يُرفض علاجهن في المستشفيات الحكومية أو عندما يُطالب أولادهن بإثبات هُوية الأب عند الالتحاق بالمدرسة. فهنّ يدركن الآن أن لهن الحق في تسجيل أطفالهن وأن هوية الأم وحدها تكفي. قالت روتنا: "لم أولد في بيت دعارة، بل أُجبرت على الدخول إليه. في السابق، كانت الفتيات خائفات وساذجات، يجهلن حقوقهن، أما الآن، فقد تغيّرنا. إذا تحدّانا أحد، يمكننا أن نرد، لأننا تلقينا تدريبًا من منظمات غير حكومية، وأصبحنا نعلم أننا نملك الحق في فتح حساب مصرفي، وشراء أرض، وبناء منزل، والمشاركة في المناسبات الاجتماعية والدينية. فنحن أيضًا خلقنا الله، ولدينا نفس الحقوق."
بفضل تبني نهج حقوقي مختلف وجهود التمكين التي تبذلها منظمات غير حكومية متعددة، باتت العاملات في مجال الجنس في بنغلاديش قادرات اليوم على رفع أصواتهن والمطالبة بحقوقهن في مواجهة تحديات متجذّرة. وعلى الرغم من استمرار المشكلات مع "المستان" (المرشدون المحليون) والشرطة، إلا أن كثيرات منهن أصبحن يؤمنّ بأن "القانون يجب أن يكون متساويًا للجميع". وفيما يخص حقهن في مراسم الدفن، فقد ساد في السابق تمييز قاسٍ. ففي بيت دعارة بانياشانتا، لم تكن تُقام أي طقوس دينية عندما تفقد إحدى النساء حياتها، إذ لم يكن هناك نظام للدفن أو صلاة الجنازة. أما الأطفال الذين يموتون عند الولادة، فكانت جثثهم تُدفن في جزر قاحلة (تشار) أو تُلقَى في الأنهار دون أي طقوس توديع تليق بإنسان. قالت موشومي: "حين كان يموت رضيع هنا، لم يكن يُسمح لنا بالصلاة عليه أو دفنه بكرامة. كنا نحمله إلى النهر أو ندفنه في جزيرة نائية. وإذا طلبنا المشاركة في طقوس دينية، كان يُرفض طلبنا دائمًا. نعم، قد نكون ارتكبنا خطأ، لكن الطفل بريء. لم يستمع إلينا أحد قط، وكانوا يلوموننا باسم الدين". وقد تغيّر هذا الوضع مؤخرًا بفضل ضغط مستمر من المنظمات غير الحكومية، ما دفع الحكومة إلى تخصيص قطعة أرض تُستخدم الآن كمقبرة لهن. وفي هذا السياق، سألتُ رجل دين مسلم في خُولْنا، يُدعى شاهجان (اسم مستعار)، عن وجود أي فتوى تُنكر على المرأة العاملة في مجال الجنس حقها في الدفن وفقًا للشريعة الإسلامية. فأجاب بأنه لا يرى أي مانع ديني يحرمها من هذا الحق، مؤكدًا أنها، قبل كل شيء، إنسانة تستحق معاملة كريمة، بما في ذلك حقها في الدفن وفقًا للتقاليد الإسلامية.
وصمة إدمان المخدرات
يرى جوفمان (1963) أن الوصمة تُعدّ عملية اجتماعية معقدة تنشأ من التفاعل بين الأفراد الموصومين وغير الموصومين، والذين يملكون سمات ثقافية مميزة. هذا التفاعل غالبًا ما يؤدي إلى التمييز، وتضييق الفرص، بل وأحيانًا إلى الرفض التام من المجتمع. وكما يشير ماكديرموت (1992، ص 195)، فإن المصطلحات مثل "المخدرات" و"الإدمان" غالبًا ما تُستدعى لدينا محمّلة بتصورات ضيقة، تشكّلت بفعل ثقافتنا، ووسائل الإعلام، والأحكام المسبقة، ومجموعة من العوامل الأخرى. ويختلف المفهوم الاجتماعي لتعاطي المخدرات حسب الزمان والمكان. فالارتباط بين تعاطي المخدرات والتهميش الاجتماعي قائم في كل من البلدان النامية والمتقدمة (كوري، 1993). وغالبًا ما تتسم أنماط حياة متعاطي المواد المخدرة بالسلبية، خاصة نتيجة للارتباط الحتمي بالسعي وراء الحصول على مواد غير قانونية مثل الهيروين (روبرتسون، 1987). كما أن التهميش الاجتماعي والاقتصادي لمتعاطي المخدرات يخلق بينهم شعورًا جماعيًا بالمعاناة، مما يؤدي إلى بناء روابط اجتماعية متماسكة داخل شبكات معينة. وتُعد هذه الشبكات وسيلة لتبادل "المعرفة التقنية" حول طرق تعاطي المواد، لا سيما الحقن، وتعزيز استمراريتها (سينغر، 2001، ص 205). وتؤدي الظروف المعيشية السيئة والحالة الصحية المتدهورة لكثير من متعاطي المخدرات إلى تعقيد العلاقة بين تعاطي المواد واضطرابات الصحة. كما تظهر الآثار السلبية لتعاطي المخدرات في مختلف مراحل الحياة، وتشمل تدهور الحالة الصحية، وخلل التوازن الأسري، وضعف مستوى رعاية الأطفال، فضلًا عن ارتفاع معدلات الجريمة والسجن (ليكس، 2000).
قد تشمل الآثار السلبية لتعاطي المخدرات تدهور الأداء الفسيولوجي، أو النفسي، أو الاجتماعي، أو المهني (لويس ودانا وبليفينز، 2002). ومع ذلك، من الواضح أن متعاطي المخدرات يعيشون في بيئة مليئة بالعنف أو محفوفة به. فحياتهم مليئة بالمخاطر ويواجهون تحديات متواصلة من الأقران والمجرمين والشرطة والمجتمع بشكل عام، مما يجعل أعمال العنف شائعة في حياتهم. غالبًا ما تتبع معظم الثقافات نهجًا عقابيًا تجاه تعاطي الهيروين بشكل خاص. إذ تعد حياة مدمن المخدرات بيئة خصبة لعدة اعتداءات، مثل العنف والفقر والتشرد، بالإضافة إلى تدهور العلاقات الأسرية أو الهجر (زيرلر، 1997). كما يمكن أن يكون لتعاطي المخدرات تأثير كبير على العائلات، حيث يجد الأفراد المتأثرون أنفسهم غارقين في مشاعر الغضب والإحباط والخوف والعزلة (بارنارد، 2007). أما بالنسبة للعلاقة بين المواد غير المشروعة والجريمة، فإن الرابط الأكثر وضوحًا تاريخيًا هو بين المواد الأفيونية والجريمة (كارنوث وسميث، 2002). وغالبًا ما يتطور تعاطي المخدرات لدى أحد أفراد الأسرة بشكل غير ظاهر، يتسم بتغيرات طفيفة لكنها أساسية في السلوك والمظهر والتصرفات (أشر وجاكسون وأوبراين، 2005). وعندما تدرك الأسرة وجود مشكلة تتعلق بالمخدرات، فإن رد الفعل الأكثر شيوعًا هو الذعر، نتيجةً لقلة المعرفة والخبرة في التعامل مع مثل هذه القضايا.
يُطلق على الهيروين لقب "مخدر الشيطان"، وهو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإدمان والجريمة (ميلر، 1994). النتيجة الرئيسية لهذا التجريم والوصم هي دفع المدمنين إلى إخفاء حقيقة تعاطيهم للمخدرات (ماكديرموت، 1992). يُنظر اليوم إلى ارتباط تعاطي الهيروين بالجريمة باعتباره أمرًا بديهيًا تقريبًا، حيث يُعتقد أن الأشخاص يرتكبون جرائم ممتلكات (وقد يلجأون إلى العنف) لتمويل إدمانهم على الهيروين (دورن وساوث، 1987). في دراسة نوعية على متعاطي المخدرات، وجد وير ووايت وتوجينبرج (2005) أن الوصم والنمطية قد يسهمان في تعزيز عدم المساواة في معاملة متعاطي المخدرات مقارنة بالآخرين المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. نتيجة لذلك، يتورط عدد كبير من الأشخاص في سلوكيات خطيرة للغاية، مما يزيد من احتمال إلحاق ضرر غير مبرر بأنفسهم وبالآخرين. تعاني المخدرات غير المشروعة من وصمة عار شديدة، ويواجه جميع متعاطيها في بنغلاديش تقريبًا التهميش والتمييز (خوسلا، 2009؛ نايت، 2006). في بنغلاديش، يُستخدم مصطلح "متعاطي المخدرات" للإشارة إلى متعاطي المواد المؤثرة عقليًا غير المشروعة، ولكنه أيضًا مصطلح موصوم لأولئك الذين لا يستطيعون الاستمرار في تعاطي المخدرات بسبب صعوبة التمويل، أو الوفاء بالتزاماتهم تجاه الآخرين والمجتمع، أو الحفاظ على السيطرة على حياتهم. ومع ذلك، تزداد حدة وصمة تعاطي المخدرات بشكل خاص بين أولئك الذين يحقنون المخدرات ويقومون بسلوكيات محفوفة بالمخاطر. في بحثي حول حياة متعاطي المخدرات الموصومين، أركز على أماكن إقامتهم، وحياتهم المنزلية غير المستقرة، واستمرارهم في تعاطي المخدرات كجزء من علاقاتهم الاجتماعية العادية، ومستقبلهم المليء باليأس وعدم الجدوى بشكل عام (تُعرض بعض صور متعاطي المخدرات في سلسلة الصور 3.1 كرمز). في القسم التالي، سيتم استعراض حياة المدمنين الموصومين، وهويتهم، والتحيز المرتبط بهم من خلال دراسة عدد من الحالات.
قد تتراجع القيم الاجتماعية للأشخاص الموصومين اجتماعيًا إلى مستويات أقل مما هو متوقع، نظرًا للمخاطر المرتبطة بتلك الوصمة. في بنغلاديش، تختلف الآراء حول المخدرات الجيدة والسيئة. لم يعد الناس يهتمون بالقنب (cannabis)، رغم أنه كان يُعد "إدمانًا سيئًا" منذ بضع سنوات. في الآونة الأخيرة، بدأ الشباب في استخدام شراب "فينسيديل" المنشط من أصل هندي، الذي يحتوي على فوسفات الكودايين والإيفيدرين، والذي كان يُستخدم في الأصل كعلاج للسعال ونزلات البرد. ولكن بسبب سوء استخدامه، تم حظره قبل بضع سنوات. في الواقع، حوالي 80% من المخدرات التي يستخدمها مدمنو المخدرات بالحقن متوفرة بسهولة في الصيدليات في بنغلاديش ومنطقة جنوب آسيا عمومًا.
فقد العديد من متعاطي المخدرات صلتهم بأسرهم ومجتمعهم نتيجة تورطهم في جرائم مثل السرقة والابتزاز. وعندما تظهر عليهم أعراض الانسحاب، يدخلون في حالة من اليأس، فيلجأ بعضهم إلى سرقة ممتلكات من منازلهم أو ممارسة الضغوط والتهديدات على والديهم وأفراد أسرهم للحصول على المال لشراء المخدرات، مما يؤدي إلى تخلّي أقاربهم عنهم. ومع بدء تعاطي الهيروين، يتحول المدمن إلى عنصر يُثقل كاهل الأسرة ويجعلهم موضع إهانة في نظر الجيران. يُحتجز المدمن في حلقة مفرغة من السلوكيات المدمرة، ما يصعّب عليه العثور على الدعم أو الخروج من نمط الحياة الذي يعرضه للخطر. تحدثت مع نساء متعافيات من الإدمان عانين خلال فترة إدمان أزواجهن، ومن بينهن سابينا، التي قالت: "زوجي لم يحاول أبدًا أن يفهمني. كان يفتش عن مدخراتي باستمرار، حتى باع ساعة ابننا ليشتري الهيروين. حين استولى الإدمان عليه، فقد القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ. اقترض المال باسمي مرارًا، واضطررتُ لسداد تلك الديون. أحيانًا كان المُقرضون يضربونه لاسترجاع أموالهم، فكنت أنقذه. حتى ناموسيتنا باعها. وعندما حاولت منعه من تعاطي الهيروين، ضربني. لم يكن يفكر أبدًا في احتياجاتنا، كل ما كان يشغل تفكيره هو الهيروين."
يعيش مدمنو المخدرات تحت وطأة وصمة لا تفارقهم طوال حياتهم. لا يملك كثير منهم مأوى مناسبًا، فيقضون أوقاتهم في مطاعم أو أماكن عامة فقط لتجربة تأثير المخدر، وعندما يُكتشف أمرهم يُطلب منهم المغادرة دون أن يكون لهم الحق في الاعتراض. يُحمَّلون دائمًا مسؤولية كل ما يحدث، ويُنظر إليهم بازدراء، مما يدفع العديد منهم إلى التفكير في الانتحار. في بنغلاديش، يتعرض المدمنون للإهانات والاعتداءات الجسدية من الناس، ويُعانون من عزلة اجتماعية بسبب فقدان ثقة الآخرين بهم. في حال وقوع أي حادث سلبي في منطقة ما، يكون المدمنون هم المتهمون الأوائل. إنهم ضحايا للتمييز المستمر. قابلتُ مدمنًا في محطة قطار جيسور يُدعى شابون، تحدث إليّ وعيناه تدمعان وهو يروي معاناته: "لا أحب هذه الحياة، لأن لا أحد يحبنا. الناس يُهينوننا أينما ذهبنا. مثلًا، إذا جاء إليك كلب، قد تُطعمه، لكن إذا اقتربتُ أنا، فلن تُطعمني، وربما تضربني. الكلب أفضل حالًا من مدمن الهيروين. أنظر إلى ملابسي، متسخة، ولا أجد مكانًا أنام فيه أو طعامًا أتناوله بشكل مناسب. أحيانًا أشعر برغبة في الصلاة لأُطهر نفسي، لكن إذا ذهبت إلى المسجد، سيظن الناس أنني لص فقط لأنني مدمن هيروين."
يفقد مدمنو المخدرات مكانتهم واحترامهم في المجتمع، ولا تقتصر آثار الوصمة الاجتماعية عليهم فحسب، بل تمتد لتطال أسرهم أيضًا. فعلى سبيل المثال، قد يواجه أحد الوالدين المدمنين صعوبة في تزويج ابنته، إذ ترفض العائلات الارتباط بأسرة يرتبط اسمها بالإدمان. في جيسور، التقيت بامرأة تُدعى جوميلا، كانت مدمنة ولديها طفلان. عندما أصبحت مدمنة، أُجبرت على الابتعاد عن طفليها بسبب ضغط السكان المحليين، الذين خافوا من أن يصاب الطفلان بالإدمان أيضًا. يُجرد الإدمانُ الشخصَ من صوته المستقل ومكانته الاجتماعية، وتحيط به كراهية عامة، حتى من الأطفال الصغار الذين يلقون باللوم عليهم. أثناء مقابلاتي مع عدد من مدمني المخدرات في محطة قطار جيسور، حذرني البعض من السكان المحليين بأنهم قد يسرقونني. وفي إحدى المرات، أثناء حديثي مع أحد المدمنين، اقتربت منا امرأة ظنت أنني مسؤول حكومي، فصرخت بغضب قائلة إنه يجب سجن مدمني الهيروين أو التخلص منهم لأنهم يمثلون عبئًا على المجتمع والوطن. واتهمتهم بسرقة ممتلكات الدولة، مثل ألواح الحديد من السكك الحديدية، لبيعها مقابل المال لشراء المخدرات.
يحمل مدمنو المخدرات هوية سلبية تؤثر بشكل عميق على علاقاتهم الاجتماعية، إلى درجة أن كثيرًا منهم يُحرَمون من التواصل مع والديهم أو أفراد أسرهم الآخرين، أو حتى من قبولهم كأعضاء في الأسرة. في جيسور، التقيت بامرأة تُدعى رابيا، وهي مدمنة تتعرض للرفض من قِبل إخوتها. بسبب تعاطيها للمخدرات، لا تملك المال لشراء ملابس نظيفة أو لائقة، فتضطر إلى التجول في الشوارع لجمع القمامة بغرض تأمين المال. هذا المشهد جعل إخوتها يرفضون الاعتراف بها كأخت لهم، ولا يُسمح لها حتى بشرب كوب ماء من منزل العائلة. في حالات كثيرة، يفتقد المدمنون للثقة حتى من أقرب الناس إليهم. في أحد مراكز علاج الإدمان التابعة لمنظمة غير حكومية في جيسور، روى لي أحد المرضى، أسادول، تجربة شخصية مؤلمة عن انعدام الثقة من أخيه الأصغر وأصدقائه. قال: "طلب مني أخي شراء بعض كتبه الدراسية، فذهبت إلى أحد أصدقائي أطلب المساعدة، لكنه قال لي: بما أنك مدمن هيروين، فلا يمكنني الوثوق بك. أحضر أخاك معك. عندما أخبرت أخي، تردد وشعر بالحرج، وتساءل: إذا رآني الناس برفقة مدمن، فماذا سيقولون عني؟" شعر أسادول بالإهانة، لكن أخاه وافق أن يمشي خلفه من بعيد، دون أن يبدو أنه يرافقه. وعندما وصلوا إلى المكتبة، قدّم أسادول رسالة من صديقه لأصحاب المكتبة، لكنهم بدأوا بطرح أسئلة كثيرة عليه لمجرد شكهم في مظهره، ثم سأله أحدهم بسخرية: "هل تنوي أخذ الكتاب وبيعه في مكتبة أخرى؟" وعندما استنكر أسادول هذا الاتهام، أجابه أحدهم: "لأنك تبدو كمدمن". عندها شعر أسادول بالإذلال، وتساءل: "لا أحد يثق بي، حتى أخي الأصغر. هذه مجرد واحدة من الإهانات الكثيرة التي أواجهها بسبب هويتي كمدمن."
يُحدث اكتشاف الأسرة لإدمان أحد أفرادها أزمة عائلية عميقة. غالبًا ما يحاول الأهل والأقارب إقناع الشخص المدمن بضرورة التوقف عن التعاطي، أو يلجؤون إلى إطلاق التهديدات، لكن هذه المحاولات نادرًا ما تُفضي إلى نتائج إيجابية. في كثير من الأحيان، ينتهي الأمر بانفصال أو طلاق، مما يُسرّع من انتشار الخبر بين الجيران. ومع مرور الوقت، يفقد المدمن ثقة المحيطين به، فلا يعود يُعطى المال بسهولة بسبب صورته السلبية ومكانته الاجتماعية المتدهورة. يُستبعد المدمن تدريجيًا من المشاركة في اتخاذ القرارات المهمة داخل الأسرة أو المجتمع المحلي، وتصبح آراؤه أقل أهمية. كما يتلقى دعمًا عاطفيًا أقل، رغم أنه يكون في أمسّ الحاجة إليه مع تدهور حالته الصحية والمالية. وعلى الرغم من أن فقدان الهوية أو انخفاض تقدير الذات لا يُذكر كثيرًا كأسباب مباشرة لطلب العلاج، إلا أنه غالبًا ما يُشكّل دافعًا داخليًا قويًا يدفع المدمن إلى محاولة التعافي والاستمرار في الامتناع بعد العلاج.
التحامل ضد المدمنين
في بنغلاديش، يواجه العديد من المدمنين مضايقات متكررة، تشمل الابتزاز والاعتداء الجسدي من قبل الشرطة أو عصابات الشوارع. وقد عبّر غالبية من تحدثتُ إليهم عن شعورهم بالتمييز المؤسسي ضدهم، خاصةً من قِبل الجهات الحكومية. إذ لا يزال كثير من رجال الشرطة المحليين ينظرون إلى متعاطي المخدرات باعتبارهم مصدرًا "للشرور الاجتماعية"، فيقومون بطردهم من الأماكن العامة ويعتدون عليهم بالضرب، مما يدفعهم للابتعاد عن المراكز الصحية، ويزيد من خطر انتشار فيروس نقص المناعة البشرية. يشعر المدمنون أن الحكومة تتعامل معهم بقسوة، بينما تُغضّ الطرف عن تجار المخدرات ومهربيها الذين يرون أنهم السبب الحقيقي وراء المشكلة. فهم يعتقدون أنه إذا ركزت الدولة جهودها على هؤلاء الباعة، فإن عدد المتعاطين سيقل تلقائيًا. قال كبير (Kabir): "تكسر الشرطة أصابعنا أو أرجلنا، بينما من يتاجر بالمخدرات ويُدمّرنا يظل خارج نطاق العقاب". وفي إحدى جلسات النقاش الجماعي مع مدمنين في جيسور، تم تسليط الضوء على التهميش الذي يعيشه المدمنون، حيث قال أحدهم: "لو سقط شخص عادي في الشارع أو تُوفي، سيهرع الناس لمساعدته أو نقل جثمانه. أما إذا حدث ذلك لمدمن، وخصوصًا لمدمن هيروين – أو كما يسموننا "الخور" (khor)– فلا أحد يقترب منا، حتى لو متنا. الحقيقة أن الناس تكرهنا، ونحن رغم كل ذلك لا نستطيع الإفلات من هذا الإدمان."
ذكر بعض المدمنين أنهم يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على وظائف بسبب سمعتهم السابقة. قال بيسواجيت: "لا يرغب العديد من أصحاب المحال في توظيفي بسبب تاريخي في الإدمان وارتباطي بأشخاص سيئ السمعة. يعرفني الكثير من الناس في منطقتي، لذلك أحاول البحث عن عمل في مكان لا يعرفني فيه أحد". عندما يصل المدمنون إلى مرحلة "الخُور/الإدمان"، يصبحون غير قادرين على دعم أسرهم ماليًا، حيث يُنفقون معظم دخلهم على شراء المخدرات، ما يؤدي إلى تراجع مكانتهم داخل الأسرة والمجتمع. وعلى الجانب الآخر، يُنظر إلى علاج الإدمان في الأوساط الطبية على أنه تخصص منخفض المكانة، ويعزف كثير من الأطباء عن العمل فيه. إذ يرى بعض الأطباء أن التعامل مع المدمنين أمر غير جذاب، بل ويُمارسون هم أنفسهم نوعًا من التمييز ضد هؤلاء المرضى. فعلى سبيل المثال، في المستشفيات الحكومية، يُطلب من المدمن إحضار ولي أمر قبل بدء العلاج، خاصة إذا حضر وهو مصاب نتيجة اعتداء. ويبرر الأطباء هذا الإجراء بالقول إن المدمنين قد يعانون من مشاكل قلبية، مما يستدعي الحذر الطبي. ومع ذلك، نادرًا ما يتوفر من يوافق على أن يكون مسؤولًا قانونيًا عن مدمن، حتى من أفراد أسرته.
تُخلّف العَلاقة المتوترة بين متعاطي المخدرات والمجتمع آثارًا سلبية متعددة. فكلما زاد المجتمع من ممارساته التمييزية تجاههم، ازداد عدد المدمنين الذين يُدفعون إلى هامش الحياة الاجتماعية. يؤدي هذا التهميش إلى قطع صِلاتهم بالمجتمع، ما يُعمّق شعورهم بالعزلة واليأس، ويدفعهم إلى الاستمرار في تعاطي المخدرات لتأمين احتياجاتهم. وفي ظل هذا الوضع، تصبح فرصهم في الحصول على العلاج أو التثقيف الصحي محدودة أكثر فأكثر. من الضروري أن يُدرك المجتمع أن تعاطي المخدرات ليس مجرد سلوك فردي منحرف، بل هو قضية اجتماعية تتطلب تفهّمًا وحلولًا شاملة. إن التعامل مع المدمنين كمجرمين بدلًا من النظر إليهم كأشخاص بحاجة إلى دعم، يُعقّد جهود الحد من الإدمان ويُعيق فرص معالجته بشكل فعّال داخل المجتمع.
التمييز ضد المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية
يكشف انتشار فيروس نقص المناعة البشرية عن هشاشة عميقة في التجربة الإنسانية، تتجاوز الجانب الجسدي لتشمل أبعادًا نفسية واجتماعية متعددة (أندرسون وبوري، 1988). إذ يعاني كثير من المصابين مما يُعرف بـ "اضطراب السيرة الذاتية" (بوري، 1982)، وهو التحول الجذري في نظرة الشخص لنفسه بسبب إصابته، إلى جانب القلق من نظرة الآخرين له. يشكّل الإيدز مرضًا محاطًا بوصمة اجتماعية شديدة (ريتشاردسون، 1989)، ما يُعرّض المصابين وأُسرهم لمجموعة من التحديات، بما في ذلك التمييز داخل العائلة نفسها، حيث يُقسّم الأفراد أحيانًا بين مؤيدين لعضو العائلة المصاب ورافضين له (باول كوب وبراون، 1992). تُعد استجابات المجتمع مصدر قلق كبير، إذ تصل أحيانًا إلى حد نبذ أسر المصابين أو طردهم من مجتمعاتهم، كما حدث في بعض الحالات حين أعادت المدارس النظر في قبول الأطفال المصابين (بينيت، 2005). تؤثر هذه الوصمة والعزلة الاجتماعية بشكل كبير على قدرة المصاب على تلقي الدعم النفسي والعاطفي خلال فترة المرض (كارلايل، 2001). ويُشير داونينج جونيور (2008) إلى كيفية تفاعل الأفراد المصابين مع بيئاتهم الأسرية، كاشفًا تعقيدات التعايش مع المرض في ظل أحكام الآخرين. ويُعد فيروس نقص المناعة مثالًا واضحًا على العلاقة بين تفشي المرض ومستوى احترام حقوق الإنسان والكرامة الفردية، كما أوضح مان وزملاؤه (1999)، مما يُظهر كيف يمكن للتمييز أن يُفاقم من معاناة المصابين ويقوّض فرصهم في الشفاء والدعم.
الوصمة والتمييز المرتبطان بفيروس نقص المناعة البشرية يشكلان عائقين كبيرين أمام جهود الوقاية من العدوى، كما يؤثران سلبًا على إمكانية حصول المصابين على الرعاية والدعم اللازمين. من أبرز مخاوف الأشخاص المصابين وأُسرهم هو الحصول على رعاية صحية ملائمة تُقدّم بطرق تحفظ كرامتهم وتعكس حسًا إنسانيًا (بينيت، 2005). يشعر كثير من المصابين بالقلق من أن يتم حرمانهم من العلاج أو تلقيهم رعاية دون المستوى، بسبب تصورات العاملين في المجال الطبي أو مخاوفهم من المرض ذاته، أو بسبب أحكام مسبقة تجاه من يُصنفون ضمن "الفئات الأكثر عرضة"، كالمنخرطين في سلوكيات يُنظر إليها على أنها غير أخلاقية، مثل العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج. وقد لاحظ ألونزو ورينولدز (1995) أن الوصمة المرتبطة بالإيدز تتغير بمرور الوقت بعد التشخيص، ما يؤدي إلى تحولات في هوية المصاب وقبوله الاجتماعي. وبيّنت دراسات أخرى مثل تلك التي أجراها مويندي (1997) وأوبايوكين وآخرون (1995) أن هذه الوصمة تؤثر بشكل سلبي على رغبة المصابين في البحث عن العلاج، وتُضعف من قدرة أسرهم على التكيف. يُعد التمييز شكلًا مباشرًا من المعاملة غير المتكافئة يستند إلى هوية الفرد أو حالته، وقد يؤدي إلى نتائج غير عادلة أو غير متساوية (بيكر، 2001). ومع ذلك، فإن التمييز على أساس الحالة الصحية، مثل الإصابة بفيروس نقص المناعة، لم يُسلّط عليه الضوء الكافي كقضية من قضايا حقوق الإنسان (آناس، 1999). ناقش إلمور (2006) الكيفية التي يسعى بها المصابون بفيروس نقص المناعة إلى الحصول على الدعم من أسرهم وأصدقائهم، وغالبًا ما يجدون دعمًا صحيًا أقوى يأتي من مقدمي الرعاية الصحية أنفسهم. وتناول جيلبرت ووكر (2009) التعقيدات الاجتماعية للعلاج بمضادات الفيروسات القهقرية في البلدان ذات الموارد المحدودة، مشيرين إلى أن المرضى يعدون هذه الأدوية "منقذة للحياة" ويُظهرون التزامًا قويًا وثقة بمقدمي الرعاية الطبية.
قد يسهم التحيز الاجتماعي في تفاقم الأعراض النفسية لدى مرضى الإيدز. حيث يساهم التحيز في تشويه الأحكام وخلق مشاعر سلبية وحساسية مفرطة، إذ يُنظر إلى ضحايا التمييز على أنهم مختلفون جوهريًا عن الآخرين وأقل استحقاقًا لحقوقهم الأساسية، مثل الحق في العلاج (خان، 2007؛ مورال، 2007؛ بانوس، 2006). ورغم أن المرضى الذين يعانون من أمراض تهدد حياتهم غالبًا ما يواجهون مخاوف من التهميش الاجتماعي، إلا أن المصابين بالإيدز يواجهون هذا الواقع بشكل مباشر (زانات، 2008). في بنغلاديش، كما في العديد من البلدان النامية الأخرى، يعاني المصابون بفيروس نقص المناعة من وصمة اجتماعية قاسية وشاملة. وفي كثير من الحالات، يحاول المصابون إخفاء حالتهم عن أصدقائهم ومجتمعهم (فورمان، 1999؛ بول، 2009). وفقًا للرابطة الوطنية للوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية (2016)، تم تسجيل 4721 حالة إصابة بفيروس نقص المناعة البشرية في البلاد، ويعالج 50% فقط من هؤلاء المرضى باستخدام العلاج المضاد للفيروسات القهقرية. يتناول التقرير مشكلة الهوية والإهمال الاجتماعي، بالإضافة إلى التمييز الذي يتعرض له المصابون بفيروس نقص المناعة من قبل العاملين في مجال الرعاية الصحية، ويعرض بعض دراسات الحالة المتعلقة بذلك.
هُوية المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية والإهمال المجتمعي
تنتشر الوصمة والتمييز ضد المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية في بنغلاديش، مما يترك آثارًا سلبية على صحتهم البدنية والنفسية. كثيرًا ما يختار الرجال المتعلمون في المناطق الحضرية والريفية الكتمان خوفًا من التمييز وفقدان مكانتهم الاجتماعية و"سمعتهم" إذا أقروا بإصابتهم بالفيروس. من يُكتشف إصابته بفيروس نقص المناعة البشرية، دون الحفاظ على سرية حالته، يواجه وصمة عار اجتماعية شديدة. سرعان ما يدرك المرضى أن المجتمع يراهم مصابين بمرض "محرّم". خوفًا من التمييز والمضايقات والمعاناة النفسية والجسدية، يصبح الهدف الأساسي للمصاب هو الحفاظ على سرية مرضه لأطول فترة ممكنة، وإلا قد يُجبر على مغادرة قريته. أحيانًا يُنشر اسم المريض وعنوانه في وسائل الإعلام، مما يجعله هدفًا للفضيحة العامة. نتيجة لذلك، يُعزل المرضى عن أسرهم ومنازلهم ويُهمّشون اجتماعيًا. في هذه الظروف، يُحرم المصابون من الوصول إلى مرافق العلاج التي قد تحسن من حالتهم الصحية، بالإضافة إلى كونهم يشكلون خطرًا صحيًا على الآخرين، مما يعرض الأشخاص الأصحاء للإصابة غير المتوقعة.
في ثقافات جنوب آسيا، حيث يُعد الجنس غير التقليدي خطيئة، يُعاقب المصاب بفيروس نقص المناعة البشرية بالعار بسبب الطريقة التي انتقل بها المرض، خاصة من قبل العائلة والأقارب المقربين، كعقاب على ما يُعد سوء سلوك. أثناء عملي الميداني، سمعت كثيرًا عما يمكن تسميته بـ "التعذيب الصامت" الذي يتعرض له المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية، خصوصًا في المناطق الريفية. يُعزى معظم ذلك إلى خوف القرويين وارتباكهم، حيث لديهم مفاهيم خاطئة عن فيروس نقص المناعة البشرية، ولا يترددون في خلق مشاكل للمصابين. التقيتُ بشخص مصاب بالفيروس في خولنا يُدعى شانتي، الذي يعاني من هذا النوع من الإهمال الاجتماعي من جيرانه وسكان قريته منذ فترة طويلة: "بمجرد أن اكتشف الناس في القرية مشكلتي، بدأوا يضغطون على أخي ويلومونه على إصابتي. طلبوا منه مغادرة القرية وهددوا بطردنا جميعًا. قريتنا محافظة جدًا، ولم أتمكن من الخروج لأي مكان. حتى ابنتي مُنعت من اللعب مع صديقاتها. وعندما أنكر أخي المرض، غضب البعض ومنعوا دخول منزلنا. لم يعد أحد يزورنا، وحتى الفقراء يرفضون أخذ الطعام منا. عندما نقدم شيئًا للمتسولين في المنطقة، يرفضونه أحيانًا. لا يختلط بنا جيراننا، خوفًا من أن يؤدي الحديث معنا أو زيارة منازلنا إلى اكتشاف مشكلتنا. لا يسمحون لي بالذهاب إلى البركة، وإذا ذهبت إلى بئر الماء، يمنعونني من لمسها. يعتقدون أن لمس الماء سيلوثه بفيروس نقص المناعة البشرية. يستخدمون كلمات مهينة ضدي. والدتي هي من تجلب الماء من البئر أو البركة للاستحمام، وأستخدمه في حديقة منزلنا" (كانت تبكي).
يمكن أن يؤدي الضيق الناتج عن مرض مميت ووصمة العار المرتبطة به إلى تدمير إحساس الفرد بذاته وهويته. يواجه المصابون بالإيدز لومًا كبيرًا على مرضهم، وغالبًا ما يُنظر إليهم كفئة لا تستحق الدعم. تكون هذه التجارب السلبية واضحة ومن المتوقع أن تؤثر على حياة الشخص بطرق مختلفة. يختلف التأثير النفسي للمرض من شخص لآخر. فعلى الرغم من أن شقيق شانتي ربما كان سيظل في القرية، إلا أنه كان سيواجه تحديات اجتماعية واقتصادية يومية. أما شانتي نفسها، فقد شعرت بندم عميق على هويتها الموصومة، ومرت بتجارب مؤلمة عديدة. على سبيل المثال، قد يؤدي نقص المعرفة العلمية حول كيفية انتقال فيروس نقص المناعة البشرية إلى الاعتقاد الخاطئ بأن الفيروس يمكن أن ينتقل من قبور الموتى. أحد الأسباب الأخرى التي قد تمنع المصاب بالإيدز من الاختلاط اجتماعيًا هو شعوره بالحرج الشديد من مظهره الخارجي. بالإضافة إلى فقدان الوزن، قد يعاني المصابون بالإيدز من آفات مشوهة على وجوههم وأجزاء أخرى من أجسامهم، وهي بمثابة وصمة اجتماعية. تتعرض النساء بشكل خاص للاتهام والإساءة، وفي بعض الأحيان يُطردن من منازلهن الزوجية. كما تحرمهن عائلاتُهن من ميراثهن وحقوقهن في الملكية بسبب إصابتهن بالفيروس.
إن وصمة العار المرتبطة بمرض فيروس نقص المناعة البشرية وإقصاء المصابين من المجتمع تُعِيقَهم عن طلب الفحص والمشورة والعلاج. يوجد العديد من الأشخاص المعرضين للخطر الذين يتجنبون إجراء الفحوصات خوفًا من العزلة الاجتماعية. يعبر العديد من المصابين عن خوفهم من الكشف عن حالتهم، خاصةً من خلال وسائل الإعلام، لأنها قد تؤدي إلى عزلهم. في بعض الأحيان، تكون التغطية الإعلامية لمرض الإيدز مثيرة بشكل مبالغ فيه، حيث تصدر أحكامًا أخلاقية تفرق بين "البريء" و"المذنب". ينتقد بعض المرضى وسائل الإعلام المحلية "غير المسؤولة" التي تكشف عن هوياتهم، وكذلك المنظمات غير الحكومية التي قد تشير أنشطتها بشكل غير مباشر إلى وجود مصابين في المجتمع. كان لي شرف التحدث مع أفراد عائلة أحد المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، بادول، شقيق شانتي، في خولنا. تم التعرف على شقيقته بطريقة غير حساسة، حيث يقول شقيقها: "جاء أفراد من المنظمات غير الحكومية إلى منزلنا، وقاموا بالتقاط صور وفيديوهات لأختي، وقد أثر ذلك علينا كثيرًا. شعر القرويون المحليون بالريبة، وبدأوا في السؤال عن سبب زيارة هؤلاء الأشخاص لمنزلنا بشكل متكرر ومن أين أتوا. ذهب بعض الفضوليين إلى مكتب المنظمة غير الحكومية ورأوا لافتتها، فاستنتجوا أن أختي لابد وأن تكون مصابة بفيروس نقص المناعة البشرية."
بفضل الحملات المستمرة حول انتقال فيروس نقص المناعة البشرية وتأثير المنظمات غير الحكومية، أصبح بعض الأشخاص أكثر تأييدًا للمصابين بالفيروس. ومع ذلك، أفاد العديد من المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية بأن القرويين ما زالوا يشعرون بالخوف والارتباك. على سبيل المثال، لاحظت شانتي، التي كانت ممنوعة سابقًا من المشاركة في الأنشطة الدينية، أن هذا الوضع قد تغير مؤخرًا. تلعب ابنتها المصابة بفيروس نقص المناعة البشرية الآن مع الأطفال الآخرين، لكنها لا تزال تلاحظ أن الناس يتوخون الحذر عند التعامل معها ومع أسرتها. من جهة، يشعر القرويون بتعاطف معها، لكنهم لا يزالون مترددين في معاملتها بشكل طبيعي. وعلى غرار شانتي، لا يزال العديد من المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية يخشون أن يكتشف جيرانهم إصابتهم بالفيروس، خشية أن يواجهوا مشكلات كبيرة، مثل التسبب في تعقيدات في ترتيب زيجات أفراد عائلاتهم. على الرغم من وجود حملات توعية ممولة بشكل جيد، إلا أن الاستجابة للفحص لا تزال ضعيفة للغاية. لا تزال الوصمة الاجتماعية والعقبات الاقتصادية تشكلان تحديات كبيرة أمام علاج مرضى الإيدز. ومن الضروري من منظور إنساني واجتماعي تشخيص المصاب وتقديم الدعم والإرشاد المناسب له. علاوة على ذلك، فإن إطلاق حملة لتقليص الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية يمكن أن يساعد بشكل كبير في هذا السياق.
تمييز الأطباء في البلدان النامية
في العديد من الدول النامية، يُنظر إلى الإيدز كحكم بالإعدام، خاصةً لمن لا يحصلون على العلاج اللازم. وتنص السياسة الوطنية لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز في بنغلاديش على أن المرضى يجب أن يتلقوا الرعاية ضمن النظام الصحي القائم. وبحسب وثائق البرنامج الوطني للوقاية من الإيدز، تُقدَّم خدمات العلاج والرعاية والدعم للمصابين بالفيروس في الأساس من خلال منظمات غير حكومية. حتى وقت قريب، كانت مضادات الفيروسات القهقرية تُوزع فقط عبر هذه المنظمات. ومنذ أواخر عام 2012، بدأت الحكومة بشراء أدوية العلاج، وفي عام 2015 شرعت في تقديمها عبر مستشفيات حكومية مختارة بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية، ضمن برنامج (HPNSDP). ورغم ذلك، واجهت هذه الجهود عراقيل في ضمان تقديم الخدمات بشكل مستمر، نتيجة ضعف جاهزية المرافق الصحية وغياب بروتوكولات واضحة لإدارة سلسلة التوريد. قانونيًا، لا يحق لأي مؤسسة صحية أو مقدم رعاية رفض تقديم العلاج للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، ومع ذلك، نادرًا ما توافق المستشفيات على استقبال المرضى إذا كانت إصابتهم معروفة مسبقًا. وسأعرض فيما يلي مثالاً يوضح المواقف السلبية التي قد يُظهرها بعض الأطباء والممرضين تجاه شخص مصاب بالفيروس وأحد أفراد أسرته غير المصابين.
روت ديبا، وهي امرأة مصابة بفيروس نقص المناعة البشرية التقيت بها في خولنا، تجربة مؤلمة تعرضت لها عندما اصطحبت شقيقها المريض إلى مستشفى كلية الطب الإقليمي في المدينة: "في إحدى المرات، مرض شقيقي الأكبر وأخذته إلى المستشفى لتلقي العلاج. وما إن علم بعض الأطباء بأنني مصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، حتى بدأت الشائعات تنتشر بأن شقيقي أيضًا مصاب. شعرت بمرارة الإهانة حين لاحظت كيف أصبحنا موضع سخرية من بعض المتخصصين. كانوا يتنقلون بين المرضى، لكنهم تجاهلوا أخي تمامًا. عندما ادعى الأطباء أن أخي مصاب هو الآخر، أجريت له فحص دم، وكانت النتيجة سلبية. ومع ذلك، لم يقترب منه أي طبيب. حتى الممرضات، كنت أسمعهن يتهامسن عن الموضوع. سألتهم: على أي أساس ظننتم أنه مصاب؟ هل بسبب الحمى؟ لم تظهر عليه أية أعراض تدل على الإصابة! حاولت مواجهتهم ولفت نظرهم لتحاملهم، لكن دون جدوى. اضطررت بعدها إلى نقله إلى عيادة خاصة. وفي اليوم التالي، قرأت في صحيفة محلية خبرًا يفيد بأن شخصًا مصابًا بفيروس نقص المناعة البشرية غادر المستشفى خوفًا، في إشارة واضحة إليّ. حتى عندما كنت في مركز الأمراض المعدية الحكومي في دكا مع زوجي، لم تسلّمني الممرضات الدواء مباشرة، بل لففنه في ورقة ووضعنه خارج الغرفة ليأخذه أحدنا."
من الشائع أن يواجه معظم المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية في بنغلاديش تمييزًا صارخًا من مقدمي الرعاية الصحية، سواء في المستشفيات الحكومية أو العيادات الخاصة. وقد أكد العديد من العاملين في برامج المنظمات غير الحكومية أن هناك مفاهيم خاطئة واسعة النطاق بين الطاقم الطبي، لا سيما بين الممرضات، حول طرق انتقال الفيروس. فبعضهن يعتقدن خطأً أن الفيروس يمكن أن ينتقل من خلال التنفس أو اللعاب، وهو ما يعكس نقصًا واضحًا في التدريب والتوعية الطبية. ورغم تزايد عدد المصابين بالفيروس، لا تزال خيارات العلاج محدودة، إذ يُعد مستشفى الأمراض المعدية (IDH) في دكا هو المرفق الحكومي الوحيد الذي يقدم إرشادات علاجية منذ عام 1989. إلا أن هذا المستشفى لا يوفر العلاج المضاد للفيروسات القهقرية بشكل كافٍ نظرًا لارتفاع تكلفته، على الرغم من أن إنتاج هذه الأدوية مُسجل محليًا. لا يوفر النظام الصحي العام سوى ما يقارب نصف الكمية اللازمة من هذه الأدوية، وتركز خدماته فقط على علاج العدوى الانتهازية الناتجة عن ضعف المناعة، بينما يُفترض أن تشمل الرعاية أيضًا دعمًا نفسيًا وتغذويًا. يعاني المستشفى من ضعف في الإمكانات، إضافة إلى تحامل واضح من قبل الطواقم الطبية. وقد وردت تقارير عن رفض الممرضات ومقدمي الرعاية التعامل مع المرضى المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، مثل الامتناع عن تغيير الفراش، أو تقديم الطعام، أو حتى التواصل معهم. وذُكر في أحد التقارير أن ممرضة رفضت وضع قناع الأكسجين لمريض يحتضر، وأوكلت المهمة إلى عامل نظافة بدلاً منها. وفي مستشفيات أخرى، يتم أحيانًا دفع المرضى للمغادرة بصمت عند الكشف عن حالتهم. كما أفاد أحد خبراء فيروس نقص المناعة البشرية أنه خلال زيارة ميدانية إلى مستشفى ما، لاحظ أن الطاقم المناوب امتنع عن إعطاء محلول وريدي لمريض بالرغم من وجود توصية واضحة بذلك، وهو مثال واضح على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ولا يتوقف التمييز عند المرضى فحسب، بل يمتد إلى أقاربهم، حيث يرفض الأطباء علاجهم لمجرد ارتباطهم بمصاب معروف، كما حدث مع ديبا وشقيقها. غالبًا ما تُرفض حالات المصابين في المستشفيات الحكومية، فيضطرون للجوء إلى العيادات الخاصة. لكن حتى هناك، فإنهم لا يتمكنون من الاستمرار في العلاج طويلًا. وبسبب رفض الأطباء التعامل مع المرض، يلجأ بعض المرضى إلى الادعاء بإصابات أخرى عند زيارة العيادات. وإذا كشف الطبيب عن الحالة الحقيقية من خلال وصفة طبية سابقة، فقد تنتشر المعلومة داخل العيادة، مما يدفع المريض إلى تغيير وجهته العلاجية حفاظًا على أمنه الشخصي. لهذا، تُعد سرية حالة المصاب بفيروس نقص المناعة البشرية مسألة بالغة الأهمية، لما قد يترتب على كشفها من أضرار شخصية واجتماعية واقتصادية جسيمة.
في بنغلاديش، يعاني المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية من قلق متزايد تجاه وسائل الإعلام، إذ لا تتردد بعض الصحف المحلية في نشر معلوماتهم الطبية الشخصية، ما يسبب لهم الإحراج ويؤثر سلبًا على أسرهم وأصدقائهم. وعلى الرغم من أن ديبا تمكنت في نهاية المطاف من تأمين علاج لشقيقها، إلا أنها شعرت بأنها كانت ضحية للتمييز وسوء المعاملة. وقد ترك الإهمال الذي واجهته من الأطباء في مستشفى كلية الطب أثرًا نفسيًا عميقًا، ملأها بالحزن والمهانة. في هذا السياق، طرح القاضي المتقاعد إدوين كاميرون من جنوب إفريقيا، خلال منتدى للأمم المتحدة، تساؤلًا جوهريًا: "إذا كان المصاب بفيروس نقص المناعة البشرية يدرك أنه لن يتلقى العلاج، فهل نملك الحق في تهميشه بعد ذلك؟" يُبرز هذا التساؤل المأساة الإنسانية التي يعيشها هؤلاء الأشخاص، الذين يُستبعدون من الرعاية الصحية ويواجهون العزلة والتمييز، على الرغم من تأكيد لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن أي شكل من أشكال التمييز ضد المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية – أو حتى أولئك الذين يُعتقد أنهم مصابون – يُعد انتهاكًا صريحًا لحقوق الإنسان. وقد صادقت جميع الدول الأعضاء، بما في ذلك بنغلاديش، على هذا الإعلان، ما يُلزمها باحترام وحماية حقوق هؤلاء الأفراد. ورغم ما سبق، ثمة بصيص أمل، إذ بدأت مواقف المجتمعات تتغير تدريجيًا. فبينما كان المصابون يُنبذون من قبل الجيران والأصدقاء، بل وحتى أفراد الأسرة في المراحل الأولى من تفشي الفيروس، بدأت بعض مؤشرات القبول والتفهم بالظهور مع مرور الوقت.
الهُوية والوصمة وخطر فيروس نقص المناعة البشرية
في بنغلاديش، تعرقل الاستجابة لفيروس نقص المناعة البشرية مجموعة من العوامل المعقدة، مثل العنف القائم على النوع الاجتماعي، والوصمة، والتمييز، إلى جانب بعض القوانين التي تُكرّس التهميش. وقد أدّت الظروف الاجتماعية إلى جعل فئات مثل عاملات الجنس، ومتعاطي المخدرات، والمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية عرضة للعنف والوصم، نتيجة الصور النمطية السلبية المرتبطة بهوياتهم في المجتمع. أسهم هذا الوضع في تآكل ثقتهم بأنفسهم، وفاقم من ضعفهم الاجتماعي والنفسي. يُعدّ العنف تهديدًا خطيرًا للصحة الجسدية والعقلية للفئات المهمشة، لاسيما أولئك الذين يفتقرون إلى الدعم أو الاتصال الفعّال بالخدمات الصحية والاجتماعية. وقد نتج عن الوصمة تمييز ممنهج ضد هؤلاء الأفراد، إذ يُنظر إلى عاملات الجنس في المجتمع البنغلاديشي كنساء منحرفات أخلاقيًا، ما يجعلهن عرضة للإقصاء والرفض من قبل أسرهن والمجتمع المحلي، رغم أن العنف الجسدي ليس ظاهرة شائعة داخل بيوت الدعارة نفسها. من جهة أخرى، يُقابل تعاطي المخدرات برد فعل اجتماعي قاسٍ، حيث تُستبدل الرعاية الطبية بالإدانة القانونية، ويُعامَل المدمنون، خصوصًا مدمني الهيروين، باشمئزاز واحتقار. وبالمثل، يواجه المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية تمييزًا قاسيًا وعزلة اجتماعية نتيجة المفاهيم الخاطئة والأساطير المرتبطة بطرق انتقال الفيروس. نتيجة لهذه المواقف الاجتماعية، غالبًا ما يتردد العاملون في تجارة الجنس، ومتعاوِدو تعاطي المخدرات، والمصابون بفيروس نقص المناعة البشرية في طلب الرعاية الصحية، خشية من أن تُفضح هوياتهم أو تُلصق بهم تصنيفات مجتمعية سلبية، مما يعرضهم للمزيد من التهميش والنبذ.
من خلال عملي الميداني، لاحظت أن الوصمة الاجتماعية تُعد عائقًا كبيرًا أمام حصول الفئات المهمشة على الرعاية الصحية الملائمة، وغالبًا ما تُفضي إلى التمييز ضدهم من قِبل أسرهم أو مجتمعاتهم المحلية. كثير من هؤلاء الأفراد يُحرمون من حقوقهم الأساسية، مثل الملكية والميراث. ومع تزايد انتشار فيروس نقص المناعة البشرية بين الفئات الضعيفة، أصبحت الهوية والوصمة الاجتماعية متشابكتين بشكل وثيق، مما يغذي التحيزات ويُعمّق مشاعر الإقصاء والظلم. لمواجهة هذا الواقع، هناك حاجة ملحة إلى اعتماد نهج تشاركي قائم على الحقوق، وهو توجه حديث نسبيًا في الصحة العامة. لا يقتصر هذا النهج على الاستجابة لوباء فيروس نقص المناعة البشرية، بل يشمل أيضًا تعزيز الصحة العامة وتحسين جودة الحياة للفئات الضعيفة، مثل عاملات المجتمع المحلي، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمصابين بالفيروس، الذين تتقاطع تجاربهم الحياتية مع التمييز والاستغلال والتهميش القائم على النوع الاجتماعي. ينبغي أن تشكل حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين الأساس المحوري لأي استراتيجية وطنية لمواجهة فيروس نقص المناعة البشرية. وفي سياق هذا الفصل، نجد أن هناك ميلًا لمعالجة فيروس نقص المناعة البشرية من منظور طبي/سلوكي بحت، أو كمسألة فردية تتعلق بحقوق الإنسان، دون إدراكه كقضية اجتماعية وتنموية مترابطة. أما الفصل التالي، فسيتناول أنماط السلوكيات الخطرة، ومستوى الوعي، وكيفية تعامل الفئات المهمشة والضعيفة مع المخاطر المرتبطة بالفيروس.

Paul, Alak. "Stigmatized People and Societal Prejudice (chapter three)." Global Perspectives on Health Geography HIV/AIDS in Bangladesh: Stigmatized People, Policy and Place. Springer Nature, 2020. pp: 56-78



#أشرف_إبراهيم_زيدان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوصم والتمييز: نهج توضيحي
- التناص والواقعية في روايات الدائرة والجميع وأبطال على الحدود ...
- تصوير الشخصيات في روايات الدائرة والجميع وأبطال على الحدود ل ...
- كرونولوجيا الأدب الكندي
- قراءة في رواية فيرجينيا وولف (إلي الفنار)
- الهجرة والشتات والمنفى في الرواية
- حلمي القاعود روائيا
- الذَّوَبَانُ الثَّقَافِيُّ وَأَثَرهُ عَلَى الفَردِ وَالأَمنِ ...
- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ...
- روايات البريطانيين السود
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ...
- الشتات الأفريقي
- رواية المستعمرات (ترجمة)


المزيد.....




- العثور على جثة فتاة محاطة بكلاب برية على شاطىء سياحي في أستر ...
- بعد مرور أسبوعين من قضائه كامل عقوبته .. جنايات بدر تأمر بحب ...
- أذربيجان تحيي ذكرى ضحايا القمع السوفيتي في 20 يناير 1990
- ملياردير من الدائرة الضيقة.. كيف مهّد رونالد لودر طريق ترامب ...
- ألمانيا: مخاوف من تجسس الصين عبر السيارات الكهربائية
- وزير الإعلام اليمني: السجون التي كشفناها خارج سلطة القانون
- دمشق تعلن وقفا لإطلاق النار 4 أيام مع الأكراد عقب تفاهم جديد ...
- كيف دفعت اتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور إلى تهميش الدبلو ...
- دليل التوفير المنزلي: حيل بسيطة لتقليص نفقات الغسيل بنسبة 50 ...
- إضافات تفسد المذاق والفائدة: كيف تجعل قهوتك صحية دون أن تخسر ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أشرف إبراهيم زيدان - الوصمة الاجتماعية والتحامل المجتمعي